بعد أربعين يوما من حرب باهظة الكلفة إلى حد بعيد، لم يكن أي من الطرفين ينوي خوضها بهذا الشكل، لكن كليهما كان، بطريقة أو بأخرى، يستعد لها منذ زمن، صمتت البنادق في الوقت الراهن. ويجري تقديم وقف إطلاق النار، الذي أُعلن في 7 أبريل/نيسان ولمدة أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة- تبعا لمن يُسأل- إما على أنه اختراق دبلوماسي، وإما على أنه ضرورة عسكرية تكتيكية. لكنه ليس هذا ولا ذاك. فما برز هو شيء أكثر هشاشة وأكثر كشفا لطبيعة الصراع، لحظة تأجل فيها التصعيد، لكن الصراع الكامن اتضح بدل أن يُحل.
ولا تقل ظروف هذه الوقفة أهمية عن شروطها. ففي الساعات الأخيرة، قبيل مهلة أميركية وشيكة، وافق الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تعليق الضربات التي كان مخططا لها على البنية التحتية الإيرانية، ويقال إنها شملت جسورا ومحطات كهرباء، مقابل إعادة فتح مضيق هرمز. وهذا التسلسل دال. فلم يولد وقف إطلاق النار من تقارب دبلوماسي، بل جاء نتيجة تفاهم محدود جرى التوصل إليه تحت الضغط، وقدمت فيه إدارة المخاطر الفورية على التسوية البعيدة المدى.
أما طهران، فسارعت إلى تحديد دلالة هذه اللحظة. فقد أعلنت الجمهورية الإسلامية "نصرا تاريخيا"، وصورت وقف إطلاق النار لا على أنه تسوية، بل على أنه نتيجة تراجع أميركي. ووفق هذه الرواية، اضطرت واشنطن، بعدما أخفقت في تحقيق أهدافها، إلى قبول ملامح مقترح إيراني من عشر نقاط يضع أساسا لإنهاء الحرب. واللغة هنا مبالغ فيها، كما هي الحال غالبا في زمن الحرب. لكن القصد الكامن جدي. فإيران لا تكتفي بوصف الأحداث، بل تحاول تحديد معناها.
وفي قلب هذا المسعى يكمن تحول بسيط، لكنه بالغ الأثر. فإيران لا تفاوض على وقفة، بل تفاوض على صيغة نهائية. وهذا الفارق مهم. فبينما يبدو أن الولايات المتحدة تنظر إلى وقف إطلاق النار على أنه آلية مؤقتة لوقف التصعيد وإعادة فتح ممر بحري حيوي، تستغل إيران النافذة نفسها لانتزاع مكاسب هيكلية، منها رفع كامل للعقوبات، والاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم، والتعويض عن أضرار الحرب، وفرض قيود على النشاط العسكري الأميركي مستقبلا في المنطقة. وبذلك، تسعى طهران إلى تحويل قدرتها على الصمود في ساحة القتال إلى شرعنة سياسية.


