حديقة سبهان آدم السرية المضادة للغموض

وحشية العالم في أرق الكائنات

لوحة لسبهان آدم

حديقة سبهان آدم السرية المضادة للغموض

قدمت صالة "ميسيون آرت" في بيروت معرضا للفنان التشكيلي السوري سبهان آدم، حمل عنوان "حديقة آدم السرية"، وضم مجموعة كبيرة من اللوحات الصغيرة المشغولة بمادة الأكريليك و"الميكسد ميديا"، إضافة إلى عمل تجهيزي يلائم أجواء المعرض. يشكل هذا المعرض حالة ثورية في ظاهرها، إذ رسم الفنان أزهارا ملونة وهو الذي عرف عنه أنه كرس تيارا للتشويه وللفظاعات شبه السوريالية، فحضرت شخوص خرجت من خلف أبواب موصدة أو صعاليك تعرضت إلى تحطم في هياكلها لتصبح أقرب إلى الزواحف منها إلى البشر.

بكلمات مقتضبة كتبها الفنان السوري نوريم حمدي عن الأعمال، قال إن "حدائق سبهان السرية لا تخضع لقانون الطبيعة الفيزيائي، بل للوعي الفلسفي والإبداعي. أزهار ونبتات تشبهنا، تتحاور وربما تتناقض، تنكسر وتعيش، قاسية وحميمية في آن واحد. أزهار ترضى بحدود اللوحة، وأزهار تبحث عن وطن خارج اللوحة".

الحدائق الملونة بأشواكها

قد يعتبر بعض الناظرين إلى لوحات المعرض أن سبهان آدم غادر عالمه الفني القاتم الذي حضرت فيه المسوخ البشرية بنسخات تتعدد ولا تنتهي، ليتجه إلى الطبيعة بأزهارها ونبتاتها باحثا عن مثقال فرح أو عن سلام داخلي ما يحتضن في صميمه بصيص أمل في عالم متخبط تعج فيه المآسي. غير أن هذه النظرة لا بد ان تنجلي سريعا لتصبع هذه "الدعوة" لزيارة الحدائق السرية أشبه بدعوة ساحر ينصب فخا محكما لمحبي الخضرة والأزهار المتنوعة حتى يدخلوا إلى الحديقة. حديقة تؤكد لزائرها أن سبهان آدم فنان صادق مع ذاته، وأنه إن أراد دخول عالم لا يشبه في الظاهر عالمه الفني، يظل وفيا لصدقه وهاجسه الذي عبر عنه في معارضه السابقة. وقد سبق أن قال في إحدى المناسبات "عندما يكون ذلك الكم الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار". شيد الفنان حديقته من خلف أسوار رمادية وملأها بالأزهار الملونة ببتلاتها وأوراقها، جاعلا من اللون الأصفر، أصفر الشمس وأشعتها، خلفية للوحات.

نرى، للوهلة الأولى، أزهارا جميلة وغريبة بعض الشيء تشبه دوار الشمس، غير أن هذا الإحساس يتلاشى حين تبدأ "الجمالية القهرية" بالظهور أمامنا وهي، في الفن السوريالي على وجه الخصوص، جمالية مقلقة وغرائبية، وصفها أندره بريتون بهذا المصطلح لأنها تركز على العناصر المعتمة والفوضوية واللاواعية في التجربة الإنسانية. تبدو بتلات هذه الأزهار في عين الناظر أشواكا مسحوقة أو متفجرة، أو شعيرات مأخوذة من خصل مشبعة بالأصباغ الاصطناعية استجلبها الفنان من مكان ما وليست ملونة بها فحسب. ففي بعض اللوحات، تنبثق سيقانها كأنها خراطيم مطاطية للآلات الطبية التي تبقي الحياة، بينما تبدو في لوحات أخرى أفاعي خضراء صامتة تتواجه حينا، وتعقد ميثاقا في ما بينها حينا آخر. ربما استعارة للرغبات المكبوتة وعنف العالم المعاصر.

تبلغ عبثية "الواقع" وتعقيده في عين الفنان حدا يجعل لوحاته تبدو حلمية، أو بالأحرى كابوسية

تبلغ عبثية "الواقع" وتعقيده في عين الفنان حدا يجعل لوحاته تبدو حلمية، أو بالأحرى كابوسية، فتبدو معنية بما لم يستطع أو لم يرد الفنان قوله وما قدمه أمامنا. وهذا يختلف عن بقية أعماله السابقة اختلافا شديدا، إذ كان ما عرضه يردد صدى ما يقوله أمام ذاته وفي العلن وبوضوح: وحشية الانسان سواء إن كان ضحية أم جلادا.

ثمة تجربة واحدة  قد يسعى اليها المشاهد ليكتشف جليا الترابط البديع في السياق الفني عند سبهان وهي تشاهد زهرة رسمها الفنان مهداة  إلى أحد شخوصه الكابوسية، وذلك بغض النظر إذا كانت منزوعة عن وعائها أو مزروعة فيه: انه التمام في الانسجام الاسلوبي والمعنوي. وربما يولد سؤال غريب في قلب الناظر إلى هذه اللوحة التي تجسد مشهدا يضم الزهرة والمخلوق: هل سيتنشق المخلوق رائحة/عطر هذه الهدية ام سيلتهمها؟ وعلى الأرجح انه سيبتلعها ابتلاعا لأن خاصية "الشراهة" في لوحات الفنان السابقة او على الأقل في العديد منها، حاضرة وبقوة.

من أعمال سبهان آدم

وإذا أصر المشاهد على رؤيتها كدوار شمس، فسيجدها شبيهة إلى حد كبير بتلك التي رسمتها الفنانة دوروثيا تانينغ في عملها الشهير، "موسيقى ليلية قصيرة"، ويمكن اعتبارها مثلا واضحا على كيفية اختزان الذاكرة البشرية للصدمات. اللوحة تظهر فيها فتاتان مرعوبتان داخل مكان مظلم من فندق أو منزل، تواجهان زهرة دوار شمس عملاقة لها ملامح مريبة. 

النباتات اللاحمة

زهرة دوروثيا تانينغ تشبه زهرة سبهان آدم من ناحية أنها زهرة داخلية وغريبة. لكن زهور هذا الأخير تشبه في معظمها النباتات اللاحمة التي تصطاد الحشرات وتهضمها، إذ تنغلق فجأة عند لمس الشعيرات المحفزة.

وتأخذنا بتيلات/ شعيرات الأزهار المرتجفة تلك إلى ما عرضه الفنان سابقا في معرض أطلق عليه عنوان "روبنزيل"، وهو اسم متلازمة نفسية/عصبية تدفع المريض إلى أن يأكل شعره... شعره أو بتيلات أزهاره التي أصبحت مرآة لأعماق النفس البشرية وأزماتها.

نعود من ذاك المعرض السابق سريعا إلى أزهار"حديقة سبهان آدم السرية"، التي لم يضع الفنان لها الفنان أي عنوان ربما ليتيسر لنا قراءتها وتأويلها على النحو الذي نراه ممكنا. تبدو هذه الأزهار تجمع فيه هيئتها ما بين دوار الشمس والنباتات/الازهار اللاحمة التي تعتمد في تغذيتها على جذب الحشرات واصطيادها ثم هضمها.

من أجواء المعرض

للوهلة الأولى، تبدو أزهاره ذات ألوان جذابة: أصفر لامع، وأخضر كثيف، أو أحمر عميق، مما يمنح انطباعا أوليا بجمال طبيعي. لكن بعد التأمل فيها، فإن ما وجدناه جميلا يبدأ بالتحول ليترك مكانه لجمال مقلق ومهدد، كأنه طعم. ولهذا نقول إن حديقة سبهان آدم تشبه تلك الحدائق التي تظهر في القصص الخرافية كما وردت في نسخها الأصلية. وهكذا تمثل زهرته طاقة اندفاعية وعاطفية قد تكون خطيرة، إذ تبدو كائنا وحشيا وقلقا، لأنها ببساطة تبدو جائعة.

تمثل زهرة الفنان سبهان آدم طاقة اندفاعية وعاطفية قد تكون خطيرة، إذ تبدو كائنا وحشيا وقلقا، لأنها ببساطة تبدو جائعة

أفضل ما يمكننا فعله لمحاولة فهم لوحات الفنان المعبرة والاستثنائية، هو النظر إلى سيقان الأزهار، وكيف تبدو في الوقت نفسه صلبة ومتشنجة ومرنة، كأنها تحاول توجيه الزهرة إما لالتقاط زهرة أخرى أو ابتلاع زهرة تنمو من الساق نفسها، أو لتوسيع مجال تأثيرها خارج اللوحة فتحدق، مبتسمة تقريبا، في الشخص الذي يقف أمام اللوحة بعين مفتوحة على مصراعيها. في لوحات الفنان، الرعب ينمو من داخل الجمال: هو يبتسم لك أولا لكي يتمكن من الإمساك بك لاحقا.

من المعرض

الوليمة

يعتبر التجهيز الفني  المصاحب للأعمال الفنية مهم جدا في هذا المعرض، لأنها يعيد صدى بعض الأفكار الموجودة في اللوحات، وكأنه يطيل ظل الزهور الملون ليمتد إلى فضاء المعرض. تمتد هذه التركيبة الفنية على طول ما يمكن أن نسميه بـالوليمة حيث يأخذ البذخ طابعا غريبا وسورياليا. توليفة الألوان، التي يهيمن عليها الأحمر والأخضر الغامق، تخلق جوا دمويا لكنه متماسك يضمر أكثر مما يفصح. تحيط أوراق خضراء زاحفة أحيانا بالعناصر الرائعة على الطاولة، وفي أحيان أخرى تكسوها بطبقة خانقة، إلى درجة تجعل المرء يتساءل عما إذا كانت هذه العناصر طعاما صالحا للأكل أم مجرد عناصر وهمية. ومن بين هذه العناصر نجد الرمان ونباتات الفلفل والكومكوات التي هي فاكهة صغيرة تشبه البرتقال في الطعم واللون وتؤكل/ تلتهم بقشرتها. على هذه الطاولة، تضفي الشموع جوا أكثر قتامة على الوليمة. وبالقرب من هذه الشموع، مزهرية طويلة وشفافة مملوءة بسائل شفاف أحمر ليبدو مشروبا ذا إيحاءات مروعة. ولإضافة بعد أكثر سوريالية على هذه الوليمة، يضع الفنان بعض منحوتاته الفنية على الطاولة، تمثل الكائنات الممسوخة نفسها التي اعتدنا رؤيتها في معارضه السابقة. نجد نفسنا نتساءل أمامها هل هم أصحاب الدعوة أم الزوار أم مجرد كائنات هي سواسية مع الفواكه والعناصر الأخرى الصالحة-مبدئيا- للأكل.

الوليمة هنا تبدو عالما موازيا للوحات حيث يمتزج الجمال بالخطر، واللذة بالرعب. كل عنصر على الطاولة من الزهور إلى الفواكه، ومن الشموع إلى المنحوتات الفنية، يثير فضول المشاهد ويربك الحواس. إنها دعوة مقبولة للتأمل في طبيعة الجمال والغرابة، وفي الحدود الدقيقة بين الحقيقة والوهم، وبين الحياة والموت، كأن الفنان يخلق مساحة سحرية قد تتحرك فيها الأشياء بنفسها إن نحن هممنا بالتقاط حبة من الفاكهة كما فعلت أوفيليا، الفتاة الصغيرة بطلة فيلم "بانزلابيرينت" الواقعي/السحري عندما أخذت حبة عنب شهية من وليمة فتحركت الكائنات الحارسة لأذيتها.

دعوة مقبولة للتأمل في طبيعة الجمال والغرابة، وفي الحدود الدقيقة بين الحقيقة والوهم، وبين الحياة والموت

أما الوليمة التي امتدت امام أوفيليا وتشبه بألوانها وغرابتها وليمة المعرض، فهي وباختصار شديد طاولة طعام باذخة يجلس على رأسها "الرجل الشاحب" المرعب ذو الجلد المترهل والأظفار الطويلة والعينين اللتين يضعهما في كفي يده. وما المائدة المنصوبة هذه إلا  فخ صمم لإختبار قوة إرادة أوفيليا، ويعمل هذا المشهد كاستعارة للفساد والطغيان والطمع. ومن ناحية ثانية تأخذنا هذه الوليمة الغرائبية إلى الولائم السوريالية المستوحاة في غالبيتها من كتاب طبخ شهير للفنان السوريالي سلفادور دالي حيث تجارب غامرة تتحدى المنطق "الطهوي"، اذا صح التعبير، والديكورات الموضوعية، مثل الكرات الزجاجية المرسومة يدويا أو القطع الزخرفية والنحتية الفريدة، تعزز الجو السوريالي لتصبح الطاولات كأنه مسارح يتحول فيها الطعام إلى وسيلة لتحدي المنطق واستحضار الصور الغرائبية والتعبير عن الرغبة وما يرافقها من قلق وتربص.

font change

مقالات ذات صلة