مع تصاعد التوترات الجيوسياسية بين الإمبراطورية اليابانية والصين، شكل حادث جسر ماركو بولو في 7 يوليو/تموز 1937 الشرارة التي أطلقت الحرب اليابانية الصينية الثانية، بعدما ادعت اليابان اختفاء أحد جنودها في محيط الجسر. واستمرت الحرب حتى عام 1945، وخلالها تمكنت القوات اليابانية من التوغل في عمق الأراضي الصينية واحتلال أجزاء واسعة منها.
في شمال شرق الصين، بالقرب من مدينة هاربين، أنشأ الجيش الإمبراطوري الياباني منشأة شديدة السرية عرفت باسم "الوحدة 731"، ارتبطت بأحد أبشع الانتهاكات في التاريخ الإنساني. تولى قيادة هذه الوحدة الطبيب الياباني إيشي شيرو، وكلف تطوير أسلحة بيولوجية، لتتحول المنشأة إلى ما يشبه مختبرا واسعا لإجراء تجارب بيولوجية وكيميائية على البشر، في انتهاك صارخ لأبسط المبادئ الإنسانية.
شملت هذه التجارب ممارسات وحشية، مثل تشريح الأسرى وهم أحياء دون تخدير، وتعريضهم لعدوى متعمدة لمراقبة تطور الأمراض، واختبار تأثير الأسلحة الحارقة على أجسادهم وهم في كامل وعيهم، إلى جانب تجارب أخرى لا تقل قسوة. وتشير التقديرات إلى أن ما بين 10 آلاف و12 ألف أسير صيني لقوا حتفهم نتيجة هذه الممارسات، من بينهم نساء وأطفال وشيوخ.
لم تقتصر أنشطة الوحدة على التجارب داخل أسوارها، بل امتدت إلى تطوير أسلحة بيولوجية استخدمت ميدانيا، بما في ذلك توظيف الحشرات كوسيلة لنشر الأمراض بين المدنيين الصينيين خارج نطاق الأسر، في واحدة من أكثر صور الحرب قسوة ووحشية.
لم يكن توظيف الحشرات في الحروب وليد العصر الحديث، بل أدرك الإنسان منذ آلاف السنين تأثيرها الحاسم في ميادين القتال. فقد أشارت حضارات قديمة، كالإغريق والرومان والصينيين، إلى استخدام النحل والدبابير كوسيلة لإرباك صفوف العدو، إذ كان إطلاقها يحدث فوضى مفاجئة، ويلحق أذى جسديا بالخصوم، بما يكفي لزعزعة تماسكهم وإضعاف قدرتهم على القتال.
البعوض يهزم فرنسا
يسجل التاريخ مثلا لافتا على دور الحشرات غير المقصود في تغيير مسار الأحداث. ففي مطلع القرن التاسع عشر، أرسل الجنرال نابليون بونابرت حملة عسكرية بقيادة شارل لوكلير إلى هايتي لقمع الثورة المندلعة هناك.

ورغم التفوق العسكري الفرنسي، لم يكن فشل الحملة نتيجة مقاومة الثوار فحسب، بل لعب البعوض الناقل لفيروس الحمى الصفراء دورا حاسما في إنهاك الجيش بعدما تفشى المرض بين الجنود الفرنسيين، وأودى بحياة نحو 50 ألفا منهم، من بينهم قائد الحملة نفسه، لتخسر فرنسا مستعمرتها، وتعلن هايتي استقلالها عام 1804، في واحدة من أبرز اللحظات التي ساهمت فيها الطبيعة في إعادة تشكيل موازين القوة.
في ذلك الوقت، لم يكن الفرنسيون على دراية بأن البعوض هو الناقل لمرض الحمى الصفراء. ورغم انتشار المرض في بيئة هايتي، فإن الجنود الفرنسيين افتقروا إلى المناعة اللازمة لمقاومته، بخلاف السكان المحليين والثوار الذين تعايشوا معه عبر أجيال، مما أكسبهم قدرا من المقاومة الطبيعية نتيجة التعرض المتكرر.
