في السادس من يناير/كانون الثاني 2021، حين اقتحم محتجون مبنى الكابيتول في مشهد صادم هز الداخل الأميركي والعالم، بدأت مرحلة جديدة في العلاقة بين السياسة ووسائل التواصل، كان من أبرز نتائجها حظر دونالد ترمب من المنصات الكبرى.
هذا الحدث شكل نقطة الانطلاق لفكرة إنشاء منصة بديلة، تقدم نفسها باعتبارها مساحة أكثر انفتاحا على حرية التعبير وأقل خضوعا لقيود الشركات الكبرى، لتظهر لاحقا منصة "تروث سوشيال" كأحد أبرز تجليات هذا التحول.
ومن هذا السياق المتوتر، جاءت المنصة لتعكس حالة الاستقطاب الحاد داخل المجتمع الأميركي، إذ استهدفت في الأساس جمهورا محافظا شعر بأن صوته لم يعد ممثلا في الفضاء الرقمي التقليدي. ورغم تشابهها الكبير مع منصات أخرى من حيث الشكل وآلية التفاعل، فإنها حملت منذ البداية طابعا سياسيا واضحا، لتتحول تدريجيا إلى امتداد لصراع أوسع حول الإعلام والتأثير الرقمي في الولايات المتحدة، أكثر من كونها مجرد شبكة اجتماعية جديدة.
غير أن هذا الطموح اصطدم بواقع أكثر تعقيدا، إذ لم يكن مسار المنصة مستقرا. فبعد إطلاق جذب اهتماما واسعا، واجهت مشكلات تقنية وانتقادات تنظيمية، إلى جانب جدل متواصل حول التناقض بين خطابها الداعي إلى حرية التعبير وممارساتها الفعلية في إدارة المحتوى.
ومع تباطؤ نموها مقارنة بالمنصات الكبرى، ازداد ارتباطها بشخصية ترمب نفسه، حتى بدت في كثير من الأحيان منصة شخصية لخطابه السياسي أكثر من كونها فضاء تواصليا عاما.
والآن، لم تعد "تروث سوشيال" مجرد منصة رقمية، بل تحولت إلى أداة مباشرة في إدارة المواقف السياسية وإيصال الرسائل الحادة. ففي لحظة مشحونة بالتوتر، بدا المشهد وكأن العالم يقف على حافة تصعيد كبير، حين أطلق ترمب تهديدا مباشرا بضرب منشآت الطاقة الإيرانية خلال مهلة زمنية قصيرة، لكن هذا التصعيد سرعان ما تبعه إعلان مفاجئ بتأجيل الضربات، مبررا ذلك بوجود ما وصفه بـ"محادثات مثمرة"، في حين سارعت طهران إلى نفي أي حوار من الأساس.
وهكذا، لا يمكن قراءة هذا التناقض الظاهري بوصفه مجرد تذبذب في المواقف، بل هو امتداد لنمط أوسع من إدارة الأزمات عبر المنصات الرقمية، حيث يتداخل التصعيد العلني مع التراجع التكتيكي، وتتحول الكلمة المنشورة إلى أداة ضغط وتأثير لا تقل أهمية عن القرار السياسي نفسه.


