لا يوجد في المعطيات والوقائع والاعتبارات السياسية والأمنية والمعنوية السائدة ما يرجّح توقف الحرب الأميركية-الإيرانية، ما يعني أن هذه الحرب ستستمر، بطريقة أو بأخرى، إلى أن تصل إلى النهايات المحددة أو المرجوة لها، من زاوية وجهة نظر الطرفين المعنيين، أي الولايات المتحدة أو إيران.
بيد أن هذا الاستنتاج لا يعني أن ثمة مساواة بين الطرفين المذكورين، نسبة للفرق الهائل في موازين القوى، العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية والتكنولوجية، لصالح الولايات المتحدة، وبسبب أن النظام الإيراني يصارع على وجوده، بغض النظر عن الخراب أو الضرر الذي يصيب شعبه وبلده، بينما الولايات المتحدة بعيدة جدا ولا تتأثر مباشرة بالحرب، رغم تأثرها من ناحية اقتصادية، علما أنها تأثيرات يمكن لها تحمّله أو تعويضها.
أيضا، ما يجب ملاحظته أن القيادة الإيرانية تخوض الحرب من وجهة نظر قدرية، أي غير واقعية، وهي تحتسب مجرد بقائها طول هذه الفترة، ورغم الحرب والحصار والدمار، بمثابة انتصار على الولايات المتحدة، في حين أن هذه لا تلقي بالا لتلك الادعاءات وتواصل تدميرها البني التحتية لإيران ومفاصل قدراتها العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية.
ما تقدم يفيد بأن الولايات المتحدة تخوض حربها ضد إيران بقواها العسكرية (نصف الإنفاق العالمي على التسلح) والتكنولوجية والاقتصادية، وقد حشدت معظم دول العالم في جهتها، في حين تخوض القيادة الإيرانية الحرب متسلحة بقوة الإرادة، التي تبين أنها لا تفيد في حماية شعب إيران، ولا في تحصين عمرانها، ولا حتى في حماية قياداتها.
القصد أن استمرار الحرب، بهذه الوتيرة أو تلك، يؤدي إلى استنزاف إيران، وتقويض قواها، وهنا لا ينفع لا نموذج فيتنام، ولا أفغانستان، إذ إن إيران تختلف عن الاثنتين، من مختلف النواحي، إضافة إلى أنها بالنسبة للولايات المتحدة أكثر أهمية من كل النواحي، خاصة الاقتصادية والأمنية، ومن ناحية تعزيز مكانتها في العالم وفي الشرق الأوسط، وضمن ذلك حماية مصالح أصدقائها في الغرب، وفي آسيا، وفي الخليج العربي، إضافة إلى إسرائيل.
هذه الحرب التي بدأت بقرار أميركي (وإسرائيلي ضمنا)، أي من إدارة ترمب، لا يمكن أن تتوقف إلا بقرار من تلك الإدارة التي تتحكم أيضا بمسارات تلك الحرب ومستوياتها ومجالاتها
هكذا، فإن كل تلك العوامل ترجح أن إدارة ترمب ستواصل حربها ضد إيران إلى حين وصولها إلى غايتها، أي نزع قدراتها النووية، وتحجيم قوتها من الصواريخ الباليستية، وفك ارتباطها بأذرعها الميليشياوية في الإقليم، خصوصا "حزب الله" في لبنان، والحوثيين في اليمن، ووقف تهديدها لأصدقائها في المنطقة، وكف يدها عن التحكم في مضيق هرمز.
تبعا لذلك، فإن هذه الحرب التي بدأت بقرار أميركي (وإسرائيلي ضمنا)، أي من إدارة ترمب، لا يمكن أن تتوقف إلا بقرار من تلك الإدارة التي تتحكم أيضا بمسارات تلك الحرب ومستوياتها ومجالاتها.
معنى ذلك أن النظام الإيراني، الذي ظل لعقدين من الزمن يستثمر بفترة السماح الأميركي بتدخلاته وسياساته في العراق وسوريا ولبنان، وبابتزازه دول الخليج، ويستثمر فيها، لفترة من الزمن، والذي حرص خلالها على النأي بنفسه عن أي صراع عسكري مع إسرائيل، أو الولايات المتحدة، تاركا الأمر لأذرعه الميليشياوية، كما حصل بتجنبه أي تدخل في حرب الإبادة الإسرائيلية ضد غزة، أو عن حرب إسرائيل ضد "حزب الله" في لبنان (أواخر 2024)، بات اليوم فاقد القدرة على القيام بأي دور، بل وبات هدفا للحرب، والعزل والحصار.
وفي هذه الحرب لم يعد لدى النظام الإيراني ما يفعله، سوى إطلاق الصواريخ، هنا وهناك، ومحاولة إغلاق مضيق هرمز، علما أن الأولى، أدت إلى زيادة منسوب قصف إيران، وتدمير منشآتها الحيوية، بينما نتج عن الثانية فرض الولايات المتحدة حصارا على مضيق هرمز، مستهدفا الموانئ الإيرانية، وإغلاق ممر إيران البحري.
يستنتج من ذلك أن هذه الحرب ستتوقف عاجلا أم آجلا، لكن ذلك سيحصل، على الأرجح، إما بانتصار طرف على طرف آخر، بالوسائل السياسية أو العسكرية، وإما نتيجة شعور طرف بالتعب، أو شعوره بأن ضرر الحرب أكبر من العوائد التي يمكن أن يجنيها منها، أو بنتيجة استجابة طرف لشروط الطرف الآخر، أو بتحول الولايات المتحدة نحو تمثل السيناريو العراقي، أي إبقاء إيران في دائرة الحصار والعزل والاستنزاف لإخضاعها، أو التخلص من النظام فيها، وهو ما حصل في العراق بين 1991-2003.
مشكلة النظام الإيراني، كما النظامين العراقي والسوري سابقا، أنه أدخل شعبه وبلده في مغامرات وتحديات ومخاطر أكبر من قدراته الفعلية الظاهرة أو الكامنة، بحيث خسر مكانته الإقليمية، وبات مهددا بأن يخسر بلده
طبعا، لا يمكن استبعاد السيناريو المتمثل بتغيير سياسي من داخل النظام الإيراني ذاته، والاستجابة للشروط الأميركية، لإنقاذ نفسه، وإنقاذ إيران، بيد أن هذا الاحتمال يبقى الأضعف، لأن بنية النظام لا تحتمل أي تغيير، وهذا ما حصل مع النظام السوري، ومجمل الأنظمة الصلبة، التي تتغطى بأيديولوجيا شمولية، وترى في نفسها وكيلة عن الشعب، أو الأمة، أو أنها هي الشعب وهي البلد، وأن مصيرهما مرتبط بمصيرها؛ أي إن مصير النظام الإيراني، يتماثل إلى حد كبير مع مصير النظامين السوري والعراقي، أكثر من أي مثال آخر.
في دلالة على كل ما تقدم يمكن ملاحظة أن النظام الإيراني الذي كان يتحدى الولايات المتحدة، بإزاحتها، أو تحجيمها لصالح عالم متعدد الأقطاب، والذي كان ينظّر لإمكانه القضاء على إسرائيل باعتبارها أوهن من خيوط العنكبوت، وأنه يهيمن على عدة عواصم عربية، لم يعد لديه ما يفعله سوى قصف بلدان الجوار (خُمس الصواريخ والمسيّرات فقط يستهدف إسرائيل)، ومحاولة إقفال مضيق هرمز، الذي نجم عنه ورطته بالحصار الأميركي للمضيق وللموانئ الإيرانية، وغضب عالمي من عملية الإقفال، ناهيك عن ضرره الكبير لإيران ذاتها.
أيضا، بعد أن كان النظام الإيراني يشترط وقفا نهائيا لا مؤقتا للحرب، ويرفض أي تنازل عن حقه بامتلاك القدرة النووية، والصواريخ الباليستية، ويتمسك بمبدأ وحدة الساحات، أي دعم الميليشيات الحليفة له، ويطالب برفع العقوبات الأميركية المفروضة عليه، ويحاول فرض إتاوة على السفن العابرة للمضيق، بات يطلب الوساطات، والمفاوضات، لإيجاد حلول يمكن أن توقف الحرب الأميركية.
للأسف، مشكلة النظام الإيراني، كما النظامين العراقي والسوري سابقا، أنه أدخل شعبه وبلده في مغامرات وتحديات ومخاطر أكبر من قدراته الفعلية الظاهرة أو الكامنة، بحيث خسر مكانته الإقليمية، وبات مهددا بأن يخسر بلده، وأن يخسر ذاته، لذا ربما إن ما تبقى له أن يتخذ الخطوة المناسبة التي تمكنه من تجنيب بلده وشعبه مزيدا من المخاطر، بعيدا عن التورط في ثنائية الانتصار أو الهزيمة.