التحكم في الطرق والمضائق البحرية نزعة قديمة لدى الدول الكبرى والإمبراطوريات العظمى، وهذه النزعة كانت أحيانا تثير الأزمات الديبلوماسية وتشعل الحروب، فما نراه اليوم، من صراعات حول مضيق هرمز وتحكم دولة واحدة في فتحه أو غلقه، ليس حديثا، بل إنه وليد عصور قديمة.
في سنة 146 قبل الميلاد، انتصرت الجمهورية الرومانية بصعوبة، وبعد ثلاث حروب عرفت بالحروب البونية، على قرطاجة، المدينة الباسلة التي أسسها الفينيقيون، سادة البحر في العالم القديم، وانتقل هذا التفوق البحري بالتبعية إلى قرطاجة التي سيطرت لفترة طويلة على جزء كبير من البحر المتوسط، وبانتصار الرومان وتسوية قرطاج بالأرض، ومن بعدها إخضاعهم للممالك الهلنستية، أصبح البحر المتوسط بحيرة رومانية، فأطلقوا عليه اسم "ماري نوستروم"، بمعنى: بحرنا.
بعد أفول شمس روما ومجدها، برز العثمانيون في الشرق. وبسيطرتهم على البلاد العربية في الشام ومصر وشمال أفريقيا، بجانب بعض أجزاء من أوروبا، والانتصارات العثمانية بقيادة كمال ريس على الإيطاليين خلال الحروب البحرية مع مملكة البندقية، أصبح بحر إيجة، والبحر المتوسط بفضل الأخوين بربروس في القرن السادس عشر، بحيرة عثمانية، نشر فيه العثمانيون سفن أسطولهم البحري، وخضع القراصنة لهم بالولاء، وتحولوا من قراصنة مستقلين إلى "مجاهدين في البحر"، بدرجة دفعت الفرنسيين الى إبرام تحالف استراتيجي مع الدولة العثمانية امتد لأكثر من قرنين ونصف قرن، بالتحديد في الحقبة الواقعة بين عامي 1536م، و1798م. وبموجب هذا الميثاق، أبحر القائد البحري العثماني خير الدين بربروس بأسطوله نحو السواحل الفرنسية امتثالا لأمر السلطان سليمان القانوني، وذلك لمؤازرة الفرنسيين في استعادة مدينة نيس عام 1543م.





