"أسطول البعوض" الإيراني... ما دوره في مواجهة أميركا؟

من الزوارق السريعة إلى الذكاء الاصطناعي

Sara Padovan
Sara Padovan

"أسطول البعوض" الإيراني... ما دوره في مواجهة أميركا؟

بعد تعثر جولة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد، تتجه المنطقة نحو مرحلة أكثر توترا، حيث يتداخل المسار السياسي مع تصعيد ميداني متسارع في الخليج وبحر العرب. فخلال أيام قليلة، برزت مؤشرات واضحة الى انتقال الاحتكاك من مستوى الرسائل غير المباشرة إلى وقائع بحرية ملموسة، تمثلت في استهداف سفن تجارية، وتبادل الاتهامات، وتصاعد حدة الخطاب بين الطرفين.

وتبدو الساحة البحرية مرشحة لأن تصبح نقطة الاشتباك الأبرز، مع اعتماد إيران على تكتيكات غير تقليدية يقودها الحرس الثوري، مقابل تحركات أميركية تهدف إلى فرض السيطرة والردع. وبين عمليات إطلاق النار على سفن مدنية، والسيطرة على ناقلات في عرض البحر، وتمديدات هشة لوقف إطلاق النار، يتشكل واقع جديد تحكمه معادلة دقيقة بين التصعيد المحسوب ومحاولات تجنب الانفجار الشامل.

تعتمد إيران على مقاربة بحرية غير تقليدية تقوم على تشغيل أسراب من الزوارق السريعة، بهدف فرض بيئة أمنية معقدة داخل مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. ووفق تقارير دولية، أصبحت هذه الزوارق ركيزة أساسية في التفكير البحري الإيراني، خصوصا مع تراجع الاعتماد على القطع البحرية الثقيلة والتقليدية.

ويعرف هذا الأسلوب القتالي باسم "أسطول البعوض" في إشارة إلى تكتيك يقوم على الكثافة العددية والسرعة العالية، مع تنفيذ هجمات جماعية من اتجاهات متعددة، بما يربك الخصم ويشتت دفاعاته قبل توجيه الضربة. الفكرة هنا ليست في قوة كل زورق على حدة، بل في تأثيرها التراكمي عند العمل ضمن سرب متحرك وسريع.

تعتمد هذه الاستراتيجيا على زوارق خفيفة وسريعة، غالبا ما تكون مزودة أسلحة بسيطة نسبيا مثل الرشاشات الثقيلة وقاذفات الصواريخ، وأحيانا صواريخ مضادة للسفن. ورغم محدودية تسليحها مقارنة بالمدمرات والفرقاطات، فإن فعاليتها تنبع من قدرتها على الانتشار السريع، والمناورة، وتنفيذ هجمات مباغتة بأعداد كبيرة.

لا تسعى إيران لمضاهاة القوة الأميركية قطعة بقطعة، بل تعتمد على الزوارق السريعة، والألغام البحرية، والطائرات المسيرة، والصواريخ الساحلية، ضمن بيئة عمليات ضيقة وحساسة مثل مضيق هرمز

وتشير تقديرات إلى أن إيران تمتلك مئات، وربما آلافا، من هذه الزوارق، يتم إخفاؤها في منشآت ساحلية أو أنفاق، وأحيانا وسط حركة الملاحة المدنية، مما يزيد صعوبة رصدها مسبقا أو التعامل معها بشكل استباقي. وتتمركز هذه الزوارق بشكل رئيس في الخليج العربي، خاصة في محيط مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات الطاقة العالمية. هذا الموقع يمنحها ميزة تكتيكية مهمة، إذ يمكنها الانطلاق بسرعة نحو الأهداف—سواء كانت سفنا تجارية أو عسكرية—ثم الانسحاب قبل أن تتمكن القوات المقابلة من الرد الفعال.

وفي العمليات الهجومية، تستخدم هذه الزوارق عادة ضمن تشكيلات صغيرة، قد تضم نحو عشرة إلى اثني عشر زورقا، لتنفيذ مهام مثل التحرش بالسفن أو محاولة السيطرة عليها. وتعتمد بشكل أساس على أسلوب "الكر والفر" مستفيدة من سرعتها العالية وبصمتها الرادارية المنخفضة، مما يصعب اكتشافها والتعامل معها في الوقت المناسب.

لا تعمل هذه الزوارق بمعزل عن غيرها، بل تشكل جزءا من منظومة أوسع متعددة الطبقات تشمل الصواريخ الساحلية، والطائرات المسيرة، والألغام البحرية، إضافة إلى وسائل التشويش الإلكتروني. ويهدف هذا التكامل إلى خلق حالة من عدم اليقين لدى الخصم، وإرباك قدرته على التقدير واتخاذ القرار السريع.

إنهاك الخصم

ليست كل الحروب تحسم بحاملات الطائرات أو بأحدث المقاتلات. ففي أحيان كثيرة، لا يهدف الطرف الأضعف إلى كسب معركة تقليدية مباشرة، بل يسعى إلى إنهاك خصمه، وتشويش حساباته، ورفع تكلفة تدخله بطريقة يعتمد فيه الأضعف على وسائل أقل تكلفة وأكثر مرونة لتعطيل تفوق خصمه بدلا من مواجهته وجها لوجه.

وإيران نموذج واضح لهذا الأسلوب، فهي لا تسعى لمضاهاة القوة الأميركية قطعة بقطعة، بل تعتمد على الزوارق السريعة، والألغام البحرية، والطائرات المسيرة، والصواريخ الساحلية، ضمن بيئة عمليات ضيقة وحساسة مثل مضيق هرمز.

REUTERS
تظهر السفينة "إيبامينونداس" أثناء احتجازها من قبل الحرس الثوري الإسلامي في مضيق هرمز بإيران

وتراهن طهران على أدوات منخفضة إلى متوسطة التكلفة يمكن استخدامها بكثافة لإجهاد الدفاعات الأميركية. فحتى إن لم تحدث هذه الوسائل أضرارا حاسمة، فإنها تحقق هدفا مهما يتمثل في الردع النفسي، عبر ترسيخ شعور دائم بأن التهديد قد يأتي في أي لحظة ومن أي اتجاه.

في مواجهة نمط الحرب غير المتكافئة في الخليج، لا تعتمد الولايات المتحدة على منصة ضخمة واحدة بقدر ما تستند إلى منظومة غير مأهولة متعددة الطبقات

لا تريد إصران بالضرورة إغراق حاملة طائرات، بل إرباك المشهد التكتيكي، وتشتيت الدفاعات، وفرض معادلة معقدة على واشنطن، على قمتها تساؤل يطرح منطقية استخدام منصات وذخائر باهظة الثمن للتصدي لتهديدات أقل تكلفة بكثير. لذلك، لا يكمن السؤال الحقيقي في قدرة إيران على إلحاق الهزيمة بالأسطول الأميركي وفق المعايير التقليدية، بل في كيفية تعامل الولايات المتحدة مع هذا النمط من التهديد دون الوقوع في فخ الاستنزاف المصمم لاستنزافها.

الوعي البحري

في نطاق بحري شاسع يمتد لنحو خمسة آلاف ميل، من قناة السويس مرورا بالبحر الأحمر وجنوب شبه الجزيرة العربية، وصولا إلى الخليج حتى الكويت، يصعب على الولايات المتحدة الاعتماد فقط على السفن التقليدية والدوريات المأهولة لتأمين هذا الامتداد بشكل دائم. من هنا يتضح الدافع العملي وراء توسع البحرية الأميركية، خصوصا ضمن نطاق عمل الأسطول الخامس، في تبني الأنظمة غير المأهولة؛ فالأمر لا يتعلق فقط بالتفوق التكنولوجي، بل أيضا بحقيقة أن عدد القطع البحرية التقليدية لا يكفي لمراقبة هذا المسرح الواسع على مدار الساعة. ومع تصاعد تهديدات الحروب غير المتكافئة، تحولت هذه الأنظمة من أدوات مساندة إلى عنصر محوري في أسلوب المواجهة.

لذا؛ أنشئت الولايات المتحدة الأميركية قوة المهام 59 في سبتمبر/أيلول 2021 كأول تشكيل بحري مخصص للأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي، ثم تلاها إطلاق قوة المهام 59.1 في 3 يناير/كانون الثاني 2024، بهدف الدفع بهذه الأنظمة إلى الاستخدام العملياتي المتكامل مع العنصر البشري، بما يعزز كفاءة تأمين المجال البحري في الشرق الأوسط.

تنقل تلك المقاربة الوعي البحري من نمط المراقبة المتقطعة إلى نموذج مستمر وموزع. ومن أبرز تجلياتها منصات "سيل درون"، التي توظف الرادار والكاميرات ونظام التعريف الآلي للسفن لتتبع الأهداف لحظيا، ليس فقط لرصد وجودها، بل لتمييز السفن التي تعرف نفسها بصورة طبيعية عن تلك التي تتحرك بلا هوية واضحة أو بسلوك مريب. وفي بيئة مزدحمة مثل مضيق هرمز، حيث قد تحاول الزوارق الصغيرة التواري وسط الحركة التجارية، تصبح القدرة على الفرز والتحليل أكثر أهمية من مجرد الرصد اللحظي.

في 26 مارس 2026 ألغت البحرية الأميركية برنامج المركبة السطحية الهجومية السابق، واتجهت إلى تطوير "عائلة الأنظمة السطحية غير المأهولة المتوسطة" بهدف الحصول على منصات أكثر مرونة وتعددا في المهام

أما الذكاء الاصطناعي، فلا يقصد به أن يحل محل الإنسان أو أن تترك للمنصات غير المأهولة حرية اتخاذ القرار القتالي، بل يتمثل دوره أساسا في تسريع الفهم داخل بيئة بحرية معقدة. فهذه المنظومات تجمع كما هائلا من البيانات من الرادارات والكاميرات الكهروبصرية والحرارية وأنظمة التعريف، وهو ما يصعب على العنصر البشري معالجته بالسرعة المطلوبة. هنا يأتي الذكاء الاصطناعي كأداة لفرز البيانات، واكتشاف الأنماط غير الطبيعية، والتنبيه إلى سلوكيات قد تبدو عادية ظاهريا لكنها تحمل مؤشرات الى نشاط تمهيدي أو عدائي.

وقد أشارت شركة "سيل درون" إلى أن دمج منصاتها ضمن عمليات قوة المهام 59 اعتمد على الشبكات والذكاء الاصطناعي لتعزيز الوعي البحري وكشف السلوك غير المألوف. كما اختبرت البحرية الأميركية هذا التوجه عمليا في فعالية "ديجيتال هورايزن" التي اختتمت في 15 ديسمبر/كانون الأول 2022 بمشاركة 17 شريكا صناعيا و15 نظاما غير مأهول، ثم في "ديجيتال تالون 3.0" في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 لاختبار الأنظمة الذاتية والاتصالات عبر الأفق. وبذلك، لم تقتصر الخطوة الأميركية على إدخال منصات غير مأهولة إلى البحر، بل تمثلت في بناء شبكة إنذار مبكر موزعة، تعزز القدرة على كشف التهديدات في مراحلها الأولى، وتحد من ميزتين محوريتين في الحرب غير المتكافئة: عنصر المفاجأة والقدرة على فرض الإيقاع.

أنظمة غير مأهولة

في مواجهة نمط الحرب غير المتكافئة في الخليج، لا تعتمد الولايات المتحدة على منصة ضخمة واحدة بقدر ما تستند إلى منظومة غير مأهولة متعددة الطبقات—جوا، وعلى السطح، وتحته—تتيح لها كشف التهديد مبكرا، ثم التعامل معه أو احتواؤه دون أن تكون المدمرات أو حاملات الطائرات أول من يدخل نطاق الخطر.

في الجو، تبرز طائرة "إم كيو-4 سي ترايتون" كإحدى الركائز الأساس لهذه المقاربة. فهي منصة استطلاع بحرية عالية الارتفاع وطويلة البقاء، مزودة حزمة مستشعرات متقدمة تتيح مراقبة مستمرة لمساحات واسعة. وتعمل ضمن منظومة الاستطلاع البحري الأميركية إلى جانب "بي-8 إيه بوسيدون"، لتوفير صورة شاملة لا تقتصر على تعقب هدف منفرد، بل تمتد إلى فهم الأنماط العامة للحركة داخل المسرح البحري—وهو عنصر حاسم في بيئة مثل مضيق هرمز، حيث قد يتشكل التهديد من تحركات صغيرة تبدو عادية في ظاهرها.

وإلى جانبها، تأتي "إم كيو-9 بي سي غارديان"، النسخة البحرية من عائلة "إم كيو-9"، بقدرتها على التحليق لأكثر من 30 ساعة، مع تجهيزات مخصصة للمراقبة البحرية. هذه القدرة تجعلها مثالية لتتبع خطوط الملاحة والأهداف الصغيرة على مدى زمني ممتد، وليس مجرد رصد لحظي عابر.

أما في المستوى الأقرب للقطع البحرية، فقد اعتمدت البحرية الأميركية—ضمن عمليات قوة المهام 59—على منصات مثل "فليكسروتور"، وهي طائرة غير مأهولة صغيرة قادرة على الإقلاع والهبوط عموديا من على متن السفن، مما يوفر لها "عينا" إضافية دون الحاجة إلى تشغيل مروحية مأهولة في كل مرة. كما برزت طائرة "في-بات" خلال فعاليات دمج الأنظمة غير المأهولة في الخليج، في إشارة إلى توجه أميركي نحو استخدام منصات تكتيكية خفيفة يمكنها العمل بكفاءة في البيئات البحرية الضيقة والمزدحمة.

بهذا التكوين، لا تقتصر الفكرة على جمع منصات متفرقة، بل على بناء طبقات متكاملة من الاستشعار والمراقبة، تمنح واشنطن قدرة أكبر على قراءة المشهد البحري بشكل مبكر ودقيق، وتقليل الاعتماد على الأصول العالية القيمة في المراحل الأولى من أي تهديد.

إذا اندلعت مواجهة غير متكافئة في الوقت الراهن، فلن يكون الحسم مرهونا بالبرامج المعلنة حديثا، بل بقدرة واشنطن على توظيف ما تمتلكه بالفعل بصورة منسقة ومتكاملة

وعلى سطح البحر وتحته، يكتمل هذا التصور عبر منصات لا تكتفي بجمع المعلومات، بل تصمم أساسا لتقليل المخاطر على الأصول الأعلى قيمة. في هذا الإطار يبرز زورق "مارتاك تي-38 ديفل راي"، وهو مركبة سطحية غير مأهولة استخدمها الأسطول الخامس ضمن جهود دمج الأنظمة غير المأهولة مع السفن والطائرات المأهولة، وظهر نشاطها في مضيق هرمز نفسه. دلالة ذلك أن واشنطن لا تسعى فقط إلى مراقبة التهديد، بل إلى دفع خط التماس الأول نحو منصات أصغر وأقل تكلفة وأدنى حساسية مقارنة بالسفن الحربية الكبيرة.

الأسطول الذهبي

وفي ملف الألغام—أحد أبرز أدوات الحرب غير المتكافئة—تعتمد البحرية الأميركية على زورق "إم سي إم يو إس في" لمكافحة الألغام، وهو نظام شبه ذاتي التشغيل مخصص لحمل معدات الكشف والكنس، ويمكن تشغيله من سفن ساحلية قتالية أو من الشاطئ أو حتى من سفن دعم غير متخصصة. الهدف هنا واضح: التعامل مع الخطر دون تعريض الطواقم أو السفن المأهولة لدخول مناطق ملوثة بالألغام. وتحت السطح، تبرز مركبة "نايف فيش" غير المأهولة، المصممة لكشف وتصنيف الألغام، بما فيها تلك المدفونة أو الموجودة في بيئات بحرية معقدة ومليئة بالتشويش.

غير أن قيمة هذه المنظومات لا تتوقف عند الإعلان عنها، بل في مدى جاهزيتها للعمل الفعلي داخل المسرح العملياتي. وخلال الفترة الأخيرة، ظهر هذا الفارق بوضوح. ففي 26 مارس/آذار 2026 ألغت البحرية الأميركية برنامج المركبة السطحية الهجومية السابق، واتجهت إلى تطوير "عائلة الأنظمة السطحية غير المأهولة المتوسطة" بهدف الحصول على منصات أكثر مرونة وتعددا في المهام. وبعد أقل من شهر، في 21 أبريل/نيسان 2026، كشفت ملامح الميزانية الدفاعية الجديدة عن توجه قوي لتوسيع الاستثمار في الطائرات المسيرة والأنظمة الذاتية والحرب غير المأهولة، ضمن تصور أوسع لبناء ما يعرف بـ"الأسطول الذهبي".

AFP
قوات بحرية تابعة للحرس الثوري وهي تصعد، بحسب ما يزعم، على متن سفينة كانت تحاول عبور مضيق هرمز

ومع ذلك، تبقى هذه التحولات—على أهميتها—مرتبطة إلى حد كبير بإعادة الهيكلة والتمويل والتعاقد، مما يعني أنها تعكس اتجاها استراتيجيا طويل المدى أكثر من كونها أدوات جاهزة لتغيير موازين أي اشتباك قريب بشكل فوري. ما يفيد الولايات المتحدة مباشرة اليوم، هو ما تم تشغيله واختباره فعليا داخل نطاق الأسطول الخامس، مثل بنية قوة المهام 59 التي دمجت أكثر من 23 نظاما غير مأهول، وراكمت خبرة عملية في التنسيق بين المنصات الجوية والبحرية ضمن ترتيبات الأمن البحري الإقليمي.

لذلك، إذا اندلعت مواجهة غير متكافئة في الوقت الراهن، فلن يكون الحسم مرهونا بالبرامج المعلنة حديثا، بل بقدرة واشنطن على توظيف ما تمتلكه بالفعل بصورة منسقة ومتكاملة. أما المشاريع الجديدة، فتمثل رافعة مهمة للمسار المتوسط والبعيد، أكثر من كونها عاملا حاسما في لحظة المواجهة المباشرة.

font change