في الحروب غير المتناظرة، على نحو ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران، وحتى بين إسرائيل من جهة و"حزب الله" أو "حماس" من الجهة المقابلة، لا يستطيع طرف فرض إرادته على طرف آخر بشكل مباشر، كما يستطيع الطرف الضعيف أن يدعي النجاح، طالما أنه ظل يحتفظ ببعض عناصر قوته، بما في ذلك مواصلة القتال بأي مستوى كان، وبغض النظر عن الأثمان البشرية أو الاقتصادية أو العمرانية المدفوعة.
ومما يفترض ملاحظته، أيضا، أن مفهوم الحرب غير المتناظرة لا يتعلق فقط بالهوة الواسعة والعميقة، في ميزان القوة العسكرية، بين الطرف القوي والطرف الضعيف، وإنما هي تتعلق، أيضا، بالفارق في رؤية الأطراف لمكانتها إزاء شعبها وإزاء العالم، وطريقتها في تحقيق أهدافها، ومسؤوليتها إزاء مواردها، ونظرتها الواقعية، لا العاطفية أو الرغبوية، لحقائق أو معطيات الحرب.
وبغض النظر عن رأينا بشرعية الحرب أو عدمها، فإن الولايات المتحدة تتصرف كدولة كبيرة، تريد أن تفرض هيبتها، ومكانتها، كقطبٍ دولي أعظم- بين أقطاب آخرين طبعا- مقرّرٍ في العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط. في حين أن الهم الأول والأساسي للنظام الإيراني هو حرصه على الحفاظ على سلطته، وعلى شرعيته كنظام يتبنى أيديولوجية صلبة، بأكثر من حرصه على عمران وموارد بلده وسلامة شعبه؛ وتلك هي مشكلة معظم الأنظمة الأيديولوجية التي عرفها التاريخ، من الاتحاد السوفياتي (السابق)، إلى الأنظمة الفاشية في أوروبا، إلى أنظمة "البعث" في العراق وسوريا.
يمكن التدليل على ما تقدم- أي إن حسابات مصلحة البقاء في السلطة تغلب أيَّ شيء آخر- بدخول النظام الإيراني في شراكة مع الولايات المتحدة، ذاتها، إبان غزوها لأفغانستان والعراق، مطلع القرن الحالي، إذ إن الغرض الأساسي من تلك الشراكة كان تعزيز مكانة ذلك النظام دوليا وإقليميا، وهذا ما حصل، علما بأنه لم يكن بإمكان إيران الهيمنة على العراق، لولا السماح الأميركي بذلك، لأغراض وظيفية، تخدم السياسة الأميركية طبعا، بشكل غير مباشر.
اقتباس:
إغلاق مضيق هرمز، بدل أن يكون عامل قوة، أو ميزة، للنظام الإيراني، بدا عكس ذلك، إذ أدى إلى فرض الحصار الكامل والمشدد على إيران، مما يفاقم مشكلاتها الاقتصادية
كما يمكن التدليل على ذلك بأن النظام الإيراني، ورغم انكشافه دوليا وإقليميا، بتداعي ادعاءاته بشأن فاعلية تجمع "بريكس"، الذي يضم الصين وروسيا، وبشأن فاعلية حلف "المقاومة والممانعة"، و"وحدة الساحات"، وتالياً فقدانه نفوذه الإقليمي في بلدان المشرق العربي، ما زال يعيش حالة إنكار، وكأن شيئا لم يكن، أي كأن الصين وروسيا يمكن أن يمدا له حبل النجاة من الحرب الأميركية-الإسرائيلية، أو كأن "حزب الله" يستطيع بصواريخه تقديم شيء لتخفيف الحرب ضده.
بيد أن أكبر دلالة على انفصام ذلك النظام عن الواقع، أنه يتصرف كأنه لا يدرك أنه لم يعد لديه ما يمكن أن يحارب، أو يضغط به، لوقف تلك الحرب، سوى التصريحات، والتهديدات، مع إغلاق مضيق هرمز، إذ لم يتبق له لا طائرات ولا أسطول بحري ولا صواريخ مؤثرة، فضلا عن أن تلك الحرب أدت إلى إضعاف قدرته على بناء طاقة نووية، كما أدت إلى تدمير قطاعات أساسية في البنى التحتية لإيران، بما فيه القطاعات المرتبطة بإنتاج النفط والكهرباء، والمواصلات والجسور، بل وفرض الحصار المشدد عليه، وكل تلك الأمور أدت إلى مزيد من التدهور في الاقتصاد الإيراني.
لنلاحظ هنا أن إغلاق مضيق هرمز، بدل أن يكون عامل قوة، أو ميزة، للنظام الإيراني، بدا عكس ذلك، إذ أدى إلى فرض الحصار الكامل والمشدد على إيران، مما يفاقم مشكلاتها الاقتصادية... ويضاف إلى ذلك، أيضا، أن تلك الخطوة لا تشكل ضغطا ناجعا على الولايات المتحدة الأميركية، فهي الأقل تضررا بكثير، جراء هذه الخطوة، قياساً إلى الصين والهند وأوروبا ودول الخليج العربي، مما يعني أن الولايات المتحدة أكثر تحررا بشأن مواصلة خيارها باستمرار الحرب للنهاية، أي أكثر بكثير مما تستطيعه أو تتحمله إيران، برغم الكلفة الاقتصادية والعسكرية لذلك، والتي يمكنها تحملهما.
وعلى ذلك، فإن الإدارة الأميركية، التي تبدو مصرة على فرض إرادتها على النظام الإيراني، وبغض النظر عن رأينا في الأمر، تملك أسلحة متعددة تستخدمها في سبيل إنفاذ سياساتها، وفرض شروطها، فعدا عن اعتمادها خيار الضربات العسكرية المباشرة، والمؤثرة جدا على الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي في إيران، فقد بات لديها سلاح الحصار البحري المشدد، الذي فرضته على كل الموانئ الإيرانية في منطقة الخليج، ولديها سلاح ضرب مناطق إنتاج ومصافي النفط، كما أن لديها سلاح الحصار المالي على إيران، وعلى مبادلاتها التجارية، إضافة إلى سلاح العقوبات الاقتصادية التي فرضتها عليها منذ زمن طويل.
إغلاق مضيق هرمز، بدل أن يكون عامل قوة، أو ميزة، للنظام الإيراني، بدا عكس ذلك، إذ أدى إلى فرض الحصار الكامل والمشدد على إيران، مما يفاقم مشكلاتها الاقتصادية
كما يمكن التدليل على ذلك بأن النظام الإيراني، ورغم انكشافه دوليا وإقليميا، بتداعي ادعاءاته بشأن فاعلية تجمع "بريكس"، الذي يضم الصين وروسيا، وبشأن فاعلية حلف "المقاومة والممانعة"، و"وحدة الساحات"، وتالياً فقدانه نفوذه الإقليمي في بلدان المشرق العربي، ما زال يعيش حالة إنكار، وكأن شيئا لم يكن، أي كأن الصين وروسيا يمكن أن يمدا له حبل النجاة من الحرب الأميركية-الإسرائيلية، أو كأن "حزب الله" يستطيع بصواريخه تقديم شيء لتخفيف الحرب ضده.
بيد أن أكبر دلالة على انفصام ذلك النظام عن الواقع، أنه يتصرف كأنه لا يدرك أنه لم يعد لديه ما يمكن أن يحارب، أو يضغط به، لوقف تلك الحرب، سوى التصريحات، والتهديدات، مع إغلاق مضيق هرمز، إذ لم يتبق له لا طائرات ولا أسطول بحري ولا صواريخ مؤثرة، فضلا عن أن تلك الحرب أدت إلى إضعاف قدرته على بناء طاقة نووية، كما أدت إلى تدمير قطاعات أساسية في البنى التحتية لإيران، بما فيه القطاعات المرتبطة بإنتاج النفط والكهرباء، والمواصلات والجسور، بل وفرض الحصار المشدد عليه، وكل تلك الأمور أدت إلى مزيد من التدهور في الاقتصاد الإيراني.
لنلاحظ هنا أن إغلاق مضيق هرمز، بدل أن يكون عامل قوة، أو ميزة، للنظام الإيراني، بدا عكس ذلك، إذ أدى إلى فرض الحصار الكامل والمشدد على إيران، مما يفاقم مشكلاتها الاقتصادية... ويضاف إلى ذلك، أيضا، أن تلك الخطوة لا تشكل ضغطا ناجعا على الولايات المتحدة الأميركية، فهي الأقل تضررا بكثير، جراء هذه الخطوة، قياساً إلى الصين والهند وأوروبا ودول الخليج العربي، مما يعني أن الولايات المتحدة أكثر تحررا بشأن مواصلة خيارها باستمرار الحرب للنهاية، أي أكثر بكثير مما تستطيعه أو تتحمله إيران، برغم الكلفة الاقتصادية والعسكرية لذلك، والتي يمكنها تحملهما.
وعلى ذلك، فإن الإدارة الأميركية، التي تبدو مصرة على فرض إرادتها على النظام الإيراني، وبغض النظر عن رأينا في الأمر، تملك أسلحة متعددة تستخدمها في سبيل إنفاذ سياساتها، وفرض شروطها، فعدا عن اعتمادها خيار الضربات العسكرية المباشرة، والمؤثرة جدا على الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي في إيران، فقد بات لديها سلاح الحصار البحري المشدد، الذي فرضته على كل الموانئ الإيرانية في منطقة الخليج، ولديها سلاح ضرب مناطق إنتاج ومصافي النفط، كما أن لديها سلاح الحصار المالي على إيران، وعلى مبادلاتها التجارية، إضافة إلى سلاح العقوبات الاقتصادية التي فرضتها عليها منذ زمن طويل.
وفقا لموازين القوى، والمعطيات الدولية والإقليمية السائدة، لا يوجد حل عسكري أمام النظام الإيراني، لذا فربما كان الحل الوحيد أمامه يتمثل في إدراكه الواقع على حقيقته، دون أوهام
ومن متابعة المعطيات المحيطة بالحرب الأميركية ضد إيران، يبدو أن إدارة ترمب تنتهج استراتيجية تفيد بالمزاوجة بين الضربات العسكرية، ومحاولة خنق إيران، في مختلف المجالات، بما يماثل، تقريبا، الاستراتيجية التي استخدمتها ضد نظام صدام حسين (سابقا)، بعد حرب الخليج الثانية عام 1991، والتي أدت إلى عزل النظام العراقي واستنزافه، وتاليا إسقاطه، بالغزو المباشر بعد 12 عاماً، أي في عام 2003.
لا يبدو أن ثمة ما يفيد في الوضع الدولي بإنقاذ النظام الإيراني، لا الصين ولا روسيا، ولا أي طرف دولي آخر، كما لا يوجد في المنطقة العربية، ما يمكن أن ينتشله من هذه المحنة التي سار إليها، وأخذ معه بلده وشعبه، بسبب خياراته ومداخلاته السياسية الخاطئة والمضرة بدول ومجتمعات تلك المنطقة.
فوفقا لموازين القوى، والمعطيات الدولية والإقليمية السائدة، لا يوجد حل عسكري أمام النظام الإيراني، لذا فربما كان الحل الوحيد أمامه يتمثل في إدراكه الواقع على حقيقته، دون أوهام، مع حتمية مراجعة خياراته السياسية، وتاليا اختيار سلامة شعبه وبلده، فالشعب الإيراني، الذي عانى كثيرا، يستحق الأفضل، فهذا هو الطريق الوحيد، ربما، لصد الحرب الأميركية-الإسرائيلية.
وباختصار فإن تلك الحرب، بغض النظر عن موقفنا منها، أو من السياسات التي تنتهجها الإدارة الأميركية، باتت تتوقف على ما يفعله، أو ما لا يفعله، النظام المتحكم بإيران وشعبها.