من روزفلت إلى أوروبا… مصانع السيارات تعود إلى الإنتاج العسكري

إعادة تسليح الاقتصاد الأوروبي فرصة جديدة بمليارات الدولارات

.أ.ف.ب
.أ.ف.ب
عامل في خط إنتاج لمصنع سيارات في بواسي، غرب باريس 15 أبريل 2026

من روزفلت إلى أوروبا… مصانع السيارات تعود إلى الإنتاج العسكري

في مطلع الأربعينات، بينما كانت الولايات المتحدة تكثف إنتاجها العسكري لتزويد الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، خاطب الرئيس فرانكلين روزفلت الأميركيين، قائلا: "وهكذا، ستكون بلادنا، كما أعلن شعبنا أنها يجب أن تكون، ترسانة الديمقراطية". شمل ذلك الجهد، إلى جانب قطاعات صناعية أخرى، تحويل شركات تصنيع السيارات المدنية إلى الإنتاج العسكري. فأنتجت "جنرال موتورز" بنادق M1 Carbine ومدمرات الدبابات M18 Hellcat، وصنعت "فورد" قاذفات B-24 Liberator، وشاركت "كاديلاك" في إنتاج دبابات M5 و M24 Chaffee الخفيفة، وغيرها.

بعد أكثر من 8 عقود، يبدو أن التاريخ يستعيد بعض فصوله. فقد أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" أخيرا بأن مسؤولين في البنتاغون أجروا محادثات مع كبار التنفيذيين في "جنرال موتورز" و"فورد"، طالبين إليهم الاضطلاع بدور أكبر في التصنيع العسكري.

وقدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في أبريل/نيسان 2026 أن الولايات المتحدة استهلكت أكثر من 50 في المئة من مخزوناتها من عدد من الذخائر الأساس خلال الأيام التسعة والثلاثين من الحرب مع إيران، قبل وقف إطلاق النار. ويحتاج كثير من هذه الذخائر إلى مهل تسليم تقارب 40 شهرا أو تتجاوزها، مما يعني أن الطلبيات الجديدة لن تسهم في تعويض المخزونات المستنزفة إلا على مدى سنوات. لذلك يسعى الرئيس ترمب إلى توسيع الطاقة التصنيعية المتاحة لفريق المشتريات في البنتاغون.

تحدد خطة إعادة تسليح أوروبا، أو الجاهزية 2030، هدفا إجماليا يبلغ 800 مليار يورو من النفقات الدفاعية الإضافية في حلول عام 2030

لا تقف الولايات المتحدة وحدها على هذا المسار. فالأوروبيون بدورهم يسعون إلى التعاون مع شركات السيارات لزيادة قدراتهم العسكرية. لكن كيف يبدو ذلك على أرض الواقع؟

زيادات في الإنفاق

تشير بيانات البنك الدولي إلى أن دول الاتحاد الأوروبي خفضت إنفاقها العسكري من 4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في ستينات القرن الماضي إلى 1.3 في المئة عام 2018. ومنذ ذلك الحين، أخذ هذا الإنفاق يرتفع بوتيرة مطردة، ثم جاءت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض لتضع الاتحاد الأوروبي على مسار أكثر تسارعا، فيبلغ الإنفاق العسكري 1.7 في المئة عام 2024 وتحدد خطة إعادة تسليح أوروبا، أو الجاهزية 2030، هدفا إجماليا يبلغ 800 مليار يورو من النفقات الدفاعية الإضافية في حلول عام 2030. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين خلال "قمة الدفاع" في بروكسيل، في رسالة إلى قادة الدول السبع والعشرين في الاتحاد الأوروبي: "تواجه أوروبا خطرا واضحا وحاضرا، بحجم لم يشهد أي منا مثله في حياتنا". وأضافت: "مستقبل أوكرانيا الحرة ذات السيادة، وأوروبا الآمنة والمزدهرة، على المحك".

رويترز
مدفع من طراز "سيزار" ألماني وفرنسي الصنع، في مدينة بورجيس الفرنسية، 21 مارس/آذار 2025

تقترح الخطة الأوروبية أن تستخدم دول الاتحاد بند الاستثناء الوطني من ميثاق الاستقرار والنمو لدعم التمويل العام للدفاع، بما يتيح تحرير تمويل إضافي يعادل 1.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

غير أن توسيع الطاقة التصنيعية لا يتحقق بالقرارات وحدها، بل يحتاج إلى مصانع قادرة على الانتقال عمليا إلى قطاع الدفاع. ومن هنا يبدو إشراك الصناعات التي تمتلك هذه المرونة خيارا منطقيا. وقد يكون ذلك خبرا طيبا لصناعة السيارات الأوروبية التي تكافح لمنافسة مصنعي السيارات الكهربائية الصينيين. فقد أفادت رابطة مصنعي السيارات الأوروبية (ACEA) بأن صادرات السيارات المصنعة في الاتحاد الأوروبي تراجعت بنسبة 43 في المئة عام 2025، في حين واصلت الواردات الصينية نموها. وللمرة الأولى، استوردت أوروبا في العام الماضي أكثر من مليون سيارة مصنعة في الصين. وفي الوقت نفسه، أدت الرسوم الجمركية التي أعلنها البيت الأبيض عام 2025 إلى تراجع صادرات السيارات من أوروبا إلى الولايات المتحدة بنسبة 21.4 في المئة.

في هذا المناخ، أعلنت شركات تصنيع أوروبية عدة خطوات لافتة في اتجاه التحول إلى الإنتاج الدفاعي. فقد أعلنت شركة "رينو" في يناير/كانون الثاني أنها تتعاون مع شركة "تورغيس غايار" (Turgis Gaillard) لتطوير مسيرات عسكرية. وبحسب صحيفة "لا تريبون" (La Tribune) الفرنسية، قد تنتج الشراكة 600 وحدة من مسيرة تكتيكية في عامها الأول. وإذا جاءت النتائج مرضية لوزارة الدفاع الفرنسية، فقد يفضي ذلك، بحسب التقارير، إلى عقد يمتد لعشر سنوات بقيمة مليار يورو، مع إنتاج 600 مسيرة شهريا. وفي مارس/آذار، أعلنت "رينو" مشروعا آخر في السياق نفسه، وهذه المرة بالتعاون مع المجموعة البلجيكية "جون كوكرل" (John Cockerill) لتطوير نموذج أولي لمسيرة أرضية، أو روبوت، صمم للاستطلاع في ساحات القتال.

كل يورو تستثمره دول حلف شمال الأطلسي الأوروبية في الدفاع يحرك إنتاجا بقيمة تتراوح بين 1.59 و1.94 يورو في قطاعات مختلفة من سلسلة القيمة داخل أوروبا

وفي مارس/آذار 2025، أعلن وزير الصناعة الإيطالي أدولفو أورسو استعداد بلاده لإطلاق خطة صناعية تهدف إلى تعزيز الروابط بين قطاعات السيارات والدفاع، لافتا إلى أن التعاون بين هذه القطاعات سيوفر فرص نمو في مجالات المكونات والتصنيع، في وقت يُتوقع أن يتراجع فيه إنتاج السيارات في البلاد. وبعد ذلك بعام، حثّ وزير الدفاع الإيطالي غيدو كروزيتو (Guido Crosetto) قطاع الصناعات الدفاعية في البلاد على تسريع الإنتاج لتعزيز الأمن الوطني، على وقع التدهور السريع في البيئة الدولية، لا سيما في الشرق الأوسط. وفي السياق عينه، أتمّت شركة التصنيع الدفاعي الإيطالية "ليوناردو" استحواذها على وحدة الدفاع التابعة لـ"أيفيكو غروب" (Iveco Group) بقيمة تقارب 1.6 مليار يورو، لتصبح مالكة بالكامل لأحد أبرز مصنّعي المركبات المدرعة في أوروبا.

أ.ف.ب
نساء يعملن في مصنع لإنتاج المعدات العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية، في مكان غير معروف بفرنسا في ديسمبر/كانون الأول 1939

تأتي الصفقة ضمن استراتيجيا أوسع لتعزيز موقع الشركة في قطاع الأنظمة البرية، بالتوازي مع شراكات أوروبية، أبرزها التعاون مع "كاي أن دي أس" (KNDS) لتطوير نظام مدفعي، والمشاركة في مشروع "مارت" (MARTE) لتصميم دبابة أوروبية مستقبلية بدعم من الاتحاد الأوروبي.

وتتصدر ألمانيا القارةَ الأوروبية في زيادة الإنفاق الدفاعي، إذ رفعت ميزانيتها العسكرية بنسبة 24 في المئة على أساس سنوي إلى 114 مليار دولار، لتبلغ 2.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للمرة الأولى منذ عقود. وبعد سنوات من التقتير النسبي في الماضي القريب، تستطيع ألمانيا الاقتراض لتمويل هذا الإنفاق، وهو خيار يبدو بعيد المنال بالنسبة إلى قوى أوروبية أخرى مثل فرنسا.

وكانت شركة "راينميتال" (Rheinmetall) الألمانية أعلنت في عام 2025 أنها ستعيد توظيف مصنعين من مصانعها المخصصة للسيارات لإنتاج سلع لأغراض عسكرية. وقد شجعتها المكاسب المالية لهذا التحول على التوسع في استكشاف قطاع الدفاع. وأشارت تقارير إلى أن الأرباح التشغيلية لأعمال "راينميتال" في قطاع الأسلحة والذخائر كادت تتضاعف لتبلغ 339 مليون يورو في الأشهر التسعة الأولى من عام 2024، في حين تراجعت أرباح قسم السيارات لديها بنسبة 3.8 في المئة إلى 74 مليون يورو. وفي أبريل/نيسان 2026 أعلنت الشركة صفقة أكبر بكثير مع الحكومة الألمانية بقيمة تقارب 1.3 مليار يورو، تشمل إنتاج مسيرات بقيمة 300 مليون يورو، وتحديث منظومات الوحدات القتالية الصغيرة، وغير ذلك. وكان سهم "راينميتال" لا يتجاوز 148 يوروهات عند الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، ثم قفز منذ ذلك الحين إلى أكثر من 1,380 يورو للسهم في مطلع مايو/أيار الجاري.

التأثير في الصناعة

يتمثل أحد الهواجس الأساس لهذا التحول في أثره السلبي المحتمل على صعيد البطالة. فالمعارف والمهارات التي يحتاج إليها العامل في مصنع سيارات لا تنتقل تلقائيا إلى دور مماثل في مصنع ينتج معدات عسكرية. فمصنع "فولكس فاغن" في أوسنابروك، على سبيل المثل، يوظف 2,300 شخص بات مستقبلهم غير مؤكد، فيما تدرس الشركة التحول إلى التصنيع العسكري في أعقاب التراجع الأخير في أحجام إنتاجها. وفي تقرير حديث لقناة DW Espanol، لم يبد رئيس مجلس العمال في المصنع، يورغن بلاكه (Jürgen Placke)، ثقة كبيرة في أن هذا التحول سيحمل أخبارا طيبة لكل موظف. وقال: "نحتاج إلى أن نعرف قريبا الاتجاه الذي نستطيع أن نسلكه، وأين يمكننا أن نستثمر، وأن نبعث إلى الناس برسائل مفادها أن الأمر لم ينته، وأن هناك تغييرات ستحدث. نعم، آمل ألا تكون هناك حاجة إلى الخوف. وإذا نجحنا في ذلك، أعتقد أن الأجواء ستتحسن بسرعة نسبية، لكن القلق كبير في الوقت الراهن".

يلاحظ محللون أن قطاع السيارات في كثير من الدول الأوروبية أكبر بكثير من صناعة الدفاع. ففي ألمانيا، على سبيل المثل، يبلغ الفارق بين القطاعين عشرة أضعاف. وهذا يوحي بأن التصنيع الدفاعي، حتى مع زيادة الإنفاق، لن يكون علاجا شاملا للأزمات التي تواجهها شركات السيارات اليوم

غير أن دراسة أجرتها "إرنست آند يونغ" (EY) و "ديكابنك" (DekaBank) عام 2025 بدت أكثر تفاؤلا، إذ قدرت أن الاستثمارات في التسليح والمعدات الدفاعية في أوروبا ستطلق إنتاجا وخدمات على امتداد سلسلة القيمة تتجاوز قيمتها حجم تلك الاستثمارات. وبعبارات أكثر تحديدا، فإن كل يورو تستثمره دول حلف شمال الأطلسي الأوروبية في الدفاع يحرك إنتاجا بقيمة تتراوح بين 1.59 و1.94 يورو في قطاعات مختلفة من سلسلة القيمة داخل أوروبا. ومن المتوقع كذلك استحداث 665 ألف وظيفة إضافية، في وقت حذر فيه موردو السيارات الأوروبيون اخيرا من احتمال فقدان نحو 350 ألف وظيفة في قطاع السيارات في القارة بسبب المنافسة الصينية.

ويشير المكتب الألماني لشركة الاستشارات الأميركية "كيرني" إلى أن طفرة في الوظائف تلوح في أفق أوروبا، مع حاجة إلى 163 ألف عامل ماهر في حلول عام 2030 إذا ظل الإنفاق الدفاعي عند 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وما يصل إلى 760 ألف عامل من هذا النوع إذا ارتفع إلى 3 في المئة، وهو هدف حلف الناتو لعام 2035.

رويترز
عامل بداخل مركبة عسكرية في مصنع لإنتاج الذخائر في بلدة أولنترنيسس، ألمانيا 24 يوليو/تموز 2025

وفي بعض الحالات، تنقل الشركات موظفيها من مجال إلى آخر داخل المؤسسة نفسها، كما فعلت "راينميتال" حين نقلت نحو 100 موظف من وحداتها المدنية إلى التصنيع الدفاعي عام 2025. وفي حالات أخرى، تستحوذ شركات على مصانع وعمال من مصنعين آخرين، مثل "كاي أن دي أس" (KNDS)، التي تنشط في مجال أنظمة الدفاع البرية، وتأسست من اندماج شركتي "كراوس-مافاي ويغمان" (KMW) الألمانية و"نيكستر" (Nexter) الفرنسية، التي تعتزم شراء مصنع في شرق ألمانيا كان مقررا أن يوقف عملياته عام 2026. ويتبع المصنع لشركة تصنيع القطارات "ألستوم" (Alstom)، ومن المتوقع أن تتيح الصفقة للعمال السبعمئة الذين كانوا يعملون هناك مواصلة عملهم لدى "كاي أن دي أس".

الرؤية الاستراتيجية

ثمة قصص نجاح في هذا التحول تكشف بعض دلالاته الاستراتيجية. فشركة "أف دبليو أم" (FWM) للإنشاءات المعدنية في ليباخ الألمانية، التي تصنع هياكل السيارات منذ عقدين، بدأت قبل سنوات قبول عقود صغيرة لقطاع الدفاع، قبل أن تدخل في الآونة الأخيرة مجال التصنيع الدفاعي بثقة أكبر. وتشكل التكنولوجيا الدفاعية اليوم 80 في المئة من مبيعات الشركة، التي اضطرت حتى إلى تعيين موظفين جدد قدموا من شركات أخرى في صناعة السيارات.

وقال المدير العام توماس فوكس لقناة "دويتشه فيله" (DW News)، في تقرير حديث، إن خدمة قطاع الدفاع تنطوي على مزايا كبيرة، إذ تُمنح الأولوية دائما للموردين المحليين. وأضاف: "في الأساس، لا تواجه منافسة إلا من شركات ألمانية. أما في صناعة السيارات، فالمنافسة عالمية، مع الصين والهند وأوروبا الشرقية". وتحدث كذلك عن أفق تخطيطي أطول، بما يتيح قدرا أكبر من القدرة على التنبؤ، قائلا: "في قطاع الدفاع، يتحدثون دائما بعقود زمنية. لدينا اليوم طلبيات تمتد حتى 2030، ونتحدث حاليا عن عقود يجري إبرامها وتمتد إلى 2040".

غير أن محللين يلاحظون أن قطاع السيارات في كثير من الدول الأوروبية أكبر بكثير من صناعة الدفاع. ففي ألمانيا، على سبيل المثل، يبلغ الفارق بين القطاعين عشرة أضعاف. وهذا يوحي بأن التصنيع الدفاعي، حتى مع زيادة الإنفاق، لن يكون علاجا شاملا للأزمات التي تواجهها شركات السيارات اليوم. أما في الإطار الاستراتيجي الأوسع، فإن إدارة ترمب ستنتهي يوما ما، كما ستنتهي الحرب الروسية الأوكرانية. فهل سيتغير الالتزام الأوروبي بالإنفاق الدفاعي إذا رأت أوروبا حليفا حقيقيا في البيت الأبيض، أو إذا تراجع مستوى التهديد القادم من الشرق؟ قد تصبح هذه الأسئلة ذات صلة بشركات السيارات في العقد المقبل، أما الآن، فهي ترى بصيصا في نهاية النفق لأزماتها الراهنة.

font change