الحكومة البريطانية... حزب العمال يتصدع من الداخل

تشخيص الأزمة

اكسيل رانغيل غارسيا/المجلة
اكسيل رانغيل غارسيا/المجلة

الحكومة البريطانية... حزب العمال يتصدع من الداخل

يقترب موعد الحساب السياسي، ولا يستطيع أي مراقب جاد في بريطانيا أن يتجاهل ملامحه. ثمة عقاب انتخابي آتٍ، وكل المؤشرات تشير إلى أنه لن يكون رحيما.

ولن تكون انتخابات مايو المحلية على الأرجح مجرد تحذير اعتيادي في منتصف العهد؛ فاستطلاعات الرأي تلمّح إلى أنها قد تكون ضربة وجودية للحكومة لا جرس إنذار.

والسؤال الكبير الذي يحيّر المراقبين: كيف آل حزب وصل إلى السلطة بأغلبية ساحقة قبل أقل من عامين إلى هذا المصير؟ هل السبب في التراجعات المتلاحقة وتقلب المواقف؟ أم في تعيين ماندلسون سفيرا في واشنطن؟ أم في الهدايا والامتيازات التي تلقاها وزراء بعد أسابيع قليلة من توليهم مناصبهم؟ أم إن الناخبين ببساطة انزلقوا نحو اليمين، وجرفهم خطاب نايجل فاراج، على الرغم من سياسات الهجرة المتشددة التي أطلقتها وزيرة داخلية لم تُخفِ يوما مزاجها العقابي؟

مشكلة هذه التفسيرات أنها تبدو مقنعة كلٌّ على حدة، لكنها تتهاوى حين تُقرأ معا. فهي في نهاية المطاف ليست أسبابا، بل أعراض. وثمة تفسير أعمق لخمول رئيس الوزراء وحكومته الباهتة، وإن كان الجهر به يبدو اليوم ضربا من المحظور. تفسير يعود إلى نقاش رافق "حزب العمال" طوال معظم تاريخه.

حين تولّى توني بلير زعامة الحزب لأول مرة، كان البند الرابع من الدستور العمالي لا يزال يحمل طموحات صريحة. يعود هذا البند إلى عام 1918، حين صاغه سيدني وبياتريس ويب، الزوجان اللذان جسّدا روح الاشتراكية الديمقراطية البريطانية في ذلك الجيل.

أراد آل ويب أن يكفلا "للعمال، بجهد اليد أو الفكر، كامل ثمار صناعتهم وأعدل توزيع ممكن لها"، وذلك عبر الملكية المشتركة لوسائل الإنتاج والتوزيع والتبادل. قد تبدو هذه الصياغة اليوم جافة وأيديولوجية، غير أنها كانت تُقرأ في يسار الحزب كالشعر.

أ.ف.ب
ستارمر وزوجته فيكتوريا في طريقهما للتصويت في الانتخابات المحلية

السؤال الكبير الذي يحيّر المراقبين: كيف آل حزب وصل إلى السلطة بأغلبية ساحقة قبل أقل من عامين إلى هذا المصير؟ 

حين تولّى توني بلير زعامة الحزب، نجح في استبدال لغة البند الرابع بصياغة جديدة تحمل طابعه. لم تكن تخلو من البلاغة، وهو ما لم يكن غريبا على بلير الخطيب. لكنها أسقطت مفهوم الملكية المشتركة، واستعاضت عنه بحديث عن "القوة المشتركة" و"تحقيق الإمكانات"، وعن مجتمع "تكون فيه السلطة والثروة والفرص في أيدي الكثرة لا القلة".

نبرة رفيعة لا شك، لكن النص لا يقول شيئا عن الكيفية. إنه إعلان قيم لا برنامج عمل. وستارمر يحذو هذا الحذو بالضبط: مولع باستدعاء القيم، بارع في تجنب الالتزامات. وهكذا خلص ورثة بلير إلى معادلة واحدة: دور "حزب العمال" هو إدارة الرأسمالية بكفاءة أكبر مما أدارها المحافظون. وفي غضون ذلك، تواصل "القلة" استنزاف ثروة المجتمع دون عائق، بينما تنشغل "الكثرة" بهموم يومها. التاريخ لم يُعِد نفسه حرفيا، لكنه جاء، على حدّ تعبير مارك توين، على القافية ذاتها.

أ.ف.ب
رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير في إحدى جلسات الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في مدينة دافوس، في 22 يناير 2025

 

ستارمر يحذو هذا الحذو بالضبط: مولع باستدعاء القيم، بارع في تجنب الالتزامات

واكتمل الاستيلاء البليري على الحزب في أعقاب الهزيمة الساحقة التي مُني بها جيريمي كوربين عام 2019، وهي من أسوأ نتائج الحزب منذ ثلاثينات القرن الماضي. وقبيل تلك الهزيمة، كان خلافٌ حول معاداة السامية يشقّ صفوف الحزب ويستنزفه.

ويروي كتاب "كواليس وصول حزب العمال إلى السلطة" لغابرييل بوغروند وباتريك ماغواير بتفصيل كيف وظّف مورغان ماكسويني، المستشار السياسي غير المنتخب، هذا الملف أداة لتقويض كوربين وإضعاف تياره. والكتاب صريح بما يكفي في كشف الغرض الذي سُخّرت له اتهامات معاداة السامية. ربما بدا الأمر آنذاك سجالا داخليا محدود الأثر، لكن الخلاصة التي يصعب دفعها هي أن ماندلسون وماكسويني نجحا، تحت ستار محاربة معاداة السامية، في اجتثاث السياسة الراديكالية من جذورها.

وقد فعلا ذلك بمساعدة شخص بعينه: تريفور تشين، وهو بريطاني-صهيوني تبرع بأموال لمنظمة "Labour Together"، الذراع الانتخابية لماكسويني. وليست  صهيونيته المتحمسة تفصيلا هامشيا. فبحسب تقارير صحافية، موّل تشين طوال مسيرته كلا من أصدقاء إسرائيل في حزبي "المحافظين" و"العمال" كليهما. وفي مطلع عام 2025، منحه الرئيس إسحاق هرتسوغ وسام الرئيس الإسرائيلي تقديرا لخدماته لإسرائيل.

تصفية اليسار داخل "حزب العمال"

وحين يعبّر المعلقون السياسيون عن ذهولهم من هذا القدر من التيه والتخبط في أداء الحكومة، فإنهم غالبا ما يغفلون أن هذه الحكومة نفسها خرجت من معركة كان هدفها الأول تصفية اليسار داخل "حزب العمال". فبعدما كان كوربين زعيما للحزب، انتهى به الأمر مطرودا من صفوفه بالكامل. أما اليوم، فقد صار واجهة لكيان جديد لا وزن له تقريبا، اختار لنفسه اسما عاطفيا يمد يده إلى الناخبين طلبا للقرب، وهو "حزبكم" (Your Party)، غير أن قلة قليلة منهم تبدو مستعدة لأن تراه كذلك.

ويمكن النظر إلى إسقاط جيريمي كوربين، والحملة على ما وُصف بمعاداة السامية بقيادة بيتر ماندلسون ومورغان ماكسويني، أو ماندي ماكسويني اختصارا، كإعادة عرض لانتصار "حزب العمال الجديد" بقيادة بلير على الاشتراكية التي لا تزال قلعة "حزب العمال" الكبيرة.

غير أن هذه القلعة باتت اليوم مسكونة بأشباح بلير أيضا. وكان اللورد ماندلسون، أحد أفراد الطاقم الأصلي، حضورا بطيفه هو الآخر على نحو خاص في الآونة الأخيرة. ولهذا تبدو انتخابات مايو/أيار، والأسابيع والأشهر التي ستليها، مرشحة لأن تشبه طقسا طويلا لـ"طرد الأرواح".

هل هي حكومة عديمة الجدوى؟

لماذا تبدو هذه الحكومة عديمة الجدوى إلى هذا الحد؟ ولماذا أقدمت على خطوات لا تحظى بأي شعبية تقريبا، مثل التلويح، على سبيل المثال لا الحصر، بسحب مخصصات وقود الشتاء؟ ثم لماذا أهدرت الوقت في تراجعات صاخبة، من قبيل قرارها لاحقا بإعادة تلك المخصصات؟

نادرا ما يُعطى الجواب الواضح لهذا السؤال وهو أن "حزب العمال" حين شن حملة لتطهير نفسه مما وُصف بمعاداة السامية في عهد كوربين، لم يتخلص من معاداة السامية وحدها، بل تخلص معها من الاشتراكية نفسها. وبدلا من الجواب، تُركنا أمام ضجيج لا ينقطع من المعلقين عن عيوب كير ستارمر.

ولا شك في أنه لا يخلو من هذه العيوب، التي قد تكون كافية حتى لتفسير تراجع شعبيته. والحق أن ستارمر لغز عصي على التفسير. ومن هنا تلك البروفايلات التي لا تنتهي، وتندب افتقاره إلى حسن التقدير، أو المبادئ، أو مهارات التواصل، وتشرح كيف أنه لا يفهم السياسة، إذ يغلب عليه طبع محامي حقوق الإنسان، ولا يفهم الاقتصاد، إذ يترك ذلك لوزيرة الخزانة، وكيف أنه لا يلتفت إلى ما يجري داخل حكومته نفسها كي يضمن لنفسه إمكانية إنكار معقولة. فإذا لم يكن يعرف ما كان يحدث، أمكنه أن ينفي، بمصداقية، أن يكون الخطأ خطأه.

هذا التشخيص ليس بلا أساس. لكن المشكلة أن التركيز على ما يفتقر إليه ستارمر شخصيا يصرف الأنظار عمّن صنعوه وما يريدونه. فهم يستفيدون من فراغه، ويختبئون خلف محدوديته. ولفهم ما يجري حقا، لا بد من تجاوز الرجل والنظر إلى ما وراءه.

رويترز
ستارمر واللورد ماندلسون في اجتماع عام 2025

 

المشكلة أن التركيز على ما يفتقر إليه ستارمر شخصيا يصرف الأنظار عمّن صنعوه وما يريدونه. فهم يستفيدون من فراغه، ويختبئون خلف محدوديته. ولفهم ما يجري حقا، لا بد من تجاوز الرجل والنظر إلى ما وراءه

هناك قراءة ساذجة على نحو غريب لقرار ستارمر تعيين اللورد ماندلسون سفيرا في واشنطن. كتب جون إلدج في "نيو ستيتسمان"، واصفا رئيس الوزراء بأنه "رجل يبدو كأنه يظن أن حكم البلاد وظيفة شخص آخر، ويستحسن أن تكون هذه الوظيفة في يد شخص يمكن أن يتحول لاحقا إلى كبش فداء لإخفاقاته". وفي هذه الواقعة، عُثر على ذلك الشخص في أولي روبنز، الموظف المدني الرفيع الذي أُقيل على عجل بدعوى أنه أبقى رئيس الوزراء في الظلام بشأن ملابسات تعيين ماندلسون. غير أن ذلك لم يحدث حقا. فإذا كان أحد قد تُرك في الظلام، فهو روبنز نفسه، الذي وجد نفسه مطالبا بدفع التعيين إلى الأمام من دون أن تُتاح له الصورة كاملة. لم يكن يفعل أكثر من محاولة تقديم العون، فانتهى به الأمر كبش فداء.

وقد ظهر على الطريق كثيرون غيره من أكباش الفداء. وصارت حملات الإقصاء منتظمة إلى حد أن ستارمر بدأ يبدو أكثر وحدة في القمة من أي رئيس وزراء سبقه.

ومع ذلك، قد يكون في تشبيه ستارمر بالقدر الفارغ شيء من الصحة. وكثيرا ما يجادل منتقدو ستارمر بأن تعيين ماندلسون كان دليلا على سوء التقدير، غير أن الأدق أنه دل على غياب التقدير من الأساس. فقبل أن تكتمل أي إجراءات للتحقق، كان ماندلسون قد سبق الجميع وحزم طريقه إلى "بلير هاوس"، مقر إقامة السفير، وهو اسم لا صلة له بتوني بلير إلا بالمصادفة. لماذا كل هذا الاستعجال؟ لأنه اللورد ماندلسون، بطبيعة الحال.

تصفية حساب

وصول ستارمر إلى "داونينغ ستريت" لم يكن مجرد انتصار انتخابي، بل كان ثمرة مشروع سياسي محدد المعالم، شارك في صياغته ماندلسون وماكسويني، وموّله أصحاب مصالح بعينهم. وقد بدأ هذا المشروع باستخدام ملف معاداة السامية سلاحا لتصفية يسار الحزب، وانتهى بتسليم الحزب العمالي حكومة عاجزة عن تبني أي موقف مستقل.

وحين وقعت أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، تكشّف حجم الأثر الذي خلّفه ذلك المشروع. فقد صرّح ستارمر من قبل بأن لإسرائيل "الحق" في قطع الكهرباء والماء عن المدنيين في غزة، مضيفا استدراكا قانونيا جاء متأخرا ومخففا. ولم يكن في وسع حكومة وُلدت من رحم معركة معاداة السامية أن تتخذ موقفا متوازنا؛ إذ باتت مضطرة دائما إلى إثبات أنها على الطرف الصحيح من تلك المعركة.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم لماذا يظل تحليل المعلقين سطحيا: ثمة كلمتان تشلّان النقاش، هما معاداة السامية والاشتراكية. الأولى تُخلط باستمرار بانتقاد إسرائيل، والثانية تُعامَل باعتبارها وصفة مضمونة للهزيمة الانتخابية. وبين هذين المحظورين، تضيق مساحة التشخيص الصادق.

والمفارقة أن المراثي تُكتب والصناديق لم تُفتح بعد، فيما يتحرك المتنافسون على الخلافة بهدوء. أزمة "حزب العمال" ليست أزمة قيادة فحسب، بل أزمة هوية مزمنة لم تُحسم منذ أن قرر الحزب أن يُدير الرأسمالية بدلا من أن يتحداها.

ثمة كلمتان تشلّان النقاش، هما معاداة السامية والاشتراكية. الأولى تُخلط باستمرار بانتقاد إسرائيل، والثانية تُعامَل باعتبارها وصفة مضمونة للهزيمة الانتخابية. وبين هذين المحظورين، تضيق مساحة التشخيص الصادق


وفي الجناح اليميني من الحزب، يبرز اسمان رئيسان: شبانة محمود وويس ستريتنغ. وقد أثبتت الأولى، في منصبها وزيرة للداخلية، أنها شخصية شديدة الجدل، وهي تحاول أن تسحب السم من سياسات "حزب الإصلاح" (ريفورم) ذات القائمة على الفصل العنصري الصريح.

أما ستريتنغ، فطموحاته معروفة. وفي موقعه وزيرا للصحة والرعاية الاجتماعية، وقف بحزم في وجه مطالب الأطباء المقيمين بزيادة الأجور. وكان أيضا ضيفا منتظما على برامج الصباح التلفزيونية: فصيحا، قادرا على السخرية من نفسه، بل ظريفا أحيانا، إلى حد قوله مثلا إنه يفضل أن تُقتلع عيناه بملعقة شاي على أن يعرّض للخطر مبدأ الخدمة الصحية المجانية عند نقطة الاستخدام. غير أن العقبتين الأساسيتين في طريقه هما ضعف شعبيته بين نواب المقاعد الخلفية، وهي مشكلة تشاركه فيها محمود، وصلته المؤسفة باللورد ماندلسون.

وعلى اليسار، تقف أنغيلا راينر، وهي امرأة ذات لكنة شمالية واضحة وشعبية لا جدال فيها داخل الحزب، لكنها تحمل أيضا عبء مشكلات ضريبية بعدما تبيّن أنها تجنبت دفع ضريبة الدمغة على منزل اشترته في هوف.

وأخيرا، هناك الوحش الأكبر بينهم جميعا: آندي بيرنهام. مشكلته الأساسية أنه عمدة مانشستر. وما لم يجد طريقا للعودة إلى البرلمان، وقد عرقلت اللجنة الحاكمة في الحزب محاولته الأخيرة، فلن يكون في وسعه تحدي حكم ستارمر.

ورغم كل العقبات التي تعترض منافسيه، قد تظل رئاسة كير ستارمر للحكومة محكومة بالفناء. ومن يدري؟ قد يظهر شخص لم يخطر ببال أحد بعد ليزيحه من "10 داونينغ ستريت". لكن إن حدث ذلك، فثمة أمر واحد لا مفر منه: سيتفق كتّاب المراثي السياسية على أن تعيين ماندلسون، ومن ورائه شبح جيفري إبستين، هو ما قضى عليه.

أخيرا، ماذا لو كانت الحقيقة أعقد من مجرد رجل لم يحسن قراءة الشخصيات؟ أنكون على وشك أن نكتشف أن الشبح الذي يطارد "حزب العمال" كله هو الاشتراكية التي ظن ستارمر ومهندسوه أنهم أودعوها القبر إلى الأبد؟

font change