بحثا عن آنسات بيكاسو في "شارع أفينيو" ببرشلونة

خطأ تاريخي لم يصححه الفنان باعتبار اللوحة فرنسية

MEHDI FEDOUACH / AFP
MEHDI FEDOUACH / AFP
زوار في متحف بيكاسو خلال عرض مخصص لرسومات بابلو بيكاسو في باريس، 2005

بحثا عن آنسات بيكاسو في "شارع أفينيو" ببرشلونة

ما الذي جئت أبحث عنه في المبنى رقم 44 من "شارع أفينيو" في برشلونة؟

عام 1907 رسم بابلو بيكاسو رائعته "آنسات أفينيون"، التي قلبت معادلات الحداثة الفنية ومهدت للأسلوب التكعيبي. بعد مئة وعشر سنوات أي عام 2017 وقفت لأكثر من نصف ساعة مذهولا أمام تلك اللوحة في "متحف الفن الحديث" (موما) بنيويورك.

فعلى الرغم من أنني قرأت عشرات المقالات عنها وقد صارت جزءا من الدرس التاريخي، فإنني لم أتوقع أنها كانت بتلك العظمة. رسم بيكاسو تلك اللوحة من أجل الفتيات الخمس اللواتي كن يعملن في المبنى رقم 44 الواقع في "شارع أفينيو" ببرشلونة.

يوم رسم آنساته كان بيكاسو في سن السادسة والعشرين. أعرف أن اللوحة قوبلت بالنفور حين عرضها بيكاسو على أصدقائه المقربين، لذلك لجأ إلى إخفائها زمنا طويلا ولم يعرضها إلا عام 1916. جان كوكتو (1889 ــ 1963) الشاعر والمسرحي والناقد الفرنسي، هو الوحيد الذي آمن بعبقرية بيكاسو في تلك اللوحة، لذلك أقنع بعد سنوات طويلة أحد الأثرياء الأميركيين بشرائها بمبلغ لا يزيد على الثلاثين ألف دولار.

لا تقدر اللوحة الآن بثمن. كما أن وقوفي في المكان المتخيل الذي وقف فيه بيكاسو أمام المبنى 44، سيكون خلاصة رحلتي إلى برشلونة التي جئتها متذرعا برؤية انطوني غاودي (مهندس معماري إسباني عاش ما بين عامي 1852 و1926) من خلال كاتدرائيته "العائلة المقدسة"، في حين أني جئت من أجل بيكاسو وآنساته.

ارتفع بيكاسو بنسائه المنسيات إلى مستوى خلود استثنائي، وكان ذلك حدثا يليق بالمرء الذي يزور برشلونة أن يعيشه مغمورا ببركة إلهامه

صحيح أنني لن أرى الآنسات الخمس. لن أرى بيكاسو. لن أتعرف الى السبب الذي جعلهن خمسا ولسن ستا أو أربعا. لن يكون مهما ما إذا كانت الواقعة قد حدثت في الصيف أم في الشتاء. ما كان يهمني أن أقف أمام المبنى الذي ارتاده بيكاسو باعتباره "زبونا" واستطاع أن ينسج من خلاله حكاية، سيكون أثرها ساحقا في تاريخ علاقة الإنسان بعاطفته ومن خلالها بالفن. لقد ارتفع بيكاسو بنسائه المنسيات إلى مستوى خلود استثنائي، وكان ذلك حدثا يليق بالمرء الذي يزور برشلونة، أن يعيشه مغمورا ببركة إلهامه.

لحظة جمال حررت شارعا من الجغرافيا

يوم اندفع بيكاسو إلى تفكيك الشكل البشري وإعادة تركيبه في لوحته الشهيرة، لم يكن يفعل ذلك تعبيرا عن رغبة في الوصول إلى ترف شكلي قد ينطوي على نوع من المتعة الانتهاكية، بل فعل ذلك استجابة لمنطق علمي وفني مزدوج. ليس ما نراه يمثل حقيقة الشيء كاملة، فإضافة إلى البعد المتخيل هناك العالم الموجود الذي لا يتم التعرف اليه من خلال النظر المباشر. لقد التقط آنساته بعيني خياله ومعرفته في الوقت نفسه. وإذا ما كان تأثير المنهج السيزاني، نسبة إلى الفرنسي بول سيزان (1839ــ 1906) قد ظهر مبكرا في تجارب بيكاسو وعدد من معاصريه، فإن ما توصل إليه العلم من اختراعات يتحدى ما لا يرى (الأشعة السنية مثلا)، وهب الفنانين ثقة بما فعلوه حين أقدموا على تحطيم الشكل التقليدي للإنسان وإعادة بنائه في سياق البحث عما لا يظهر منه.

 AFP
بابلو بيكاسو في محترفه الباريسي في كليشي إلى جانب إحدى لوحاته الكبيرة

لا يخلو كتاب تاريخي عن الحداثة الفنية من صورة أو أكثر للآنسات. من يقف أمام اللوحة الأصلية لا بد أن يعترف أن الصورة الفوتوغرافية تخون الحقيقة. لقد عبر بيكاسو من خلال لوحته عن عمق الأثر الإنساني الذي تتركه الكائنات التي يرسمها على فنه. ذلك التعبير لا يمكن اختزاله في عيون النساء اللواتي رسمهن بيكاسو وطريقة وقفتهن في انتظار زبائنهن، بل وأيضا في تقنيات مشهدية مسرحية حاول بيكاسو من خلالها أن يمزج بين مهاراته الأكاديمية التي قيل إنها أهلته للرسم، كما رافايل، والتحرر من تلك المهارات بطريقة تسمح بتكريس طريقة فنية جديدة في الرؤية.

لم آت إلى الحي القوطي الذي يقع فيه "شارع أيفنيو" مفتونا بتاريخه، بل إن لحظة الإلهام التي حررت الشارع من محيطه الجغرافي

معجزة بيكاسو تدفعني إلى التفكير في لوحة تعرض في متحف يقع على بعد آلاف الكيلومترات عن الشارع الذي ألهم رسامها والذي كان يومها مركزا اقتصاديا وملتقى ثقافيا بديلا ومساحة تجارية بوهيمية. كان "شارع أفينيو" يمثل الحد الغربي لمدينة بارتشينو الرومانية القديمة، نظرا لهيكله الذي امتد عبر أول الأسوار التي بنيت لحماية المدينة. غير أنني لم آت إلى الحي القوطي الذي يقع فيه "شارع أفينيو" مفتونا بتاريخه، بل إن لحظة الإلهام التي حررت الشارع من محيطه الجغرافي لتضعه في مسار كوني، هي التي قادتني إليه.

 Josep LAGO / AFP
مارة تحت "جسر الأسقف" في الحي القوطي ببرشلونة، 2024

واحدة من الآنسات كانت في انتظاري

حين عثرت على "شارع أفينيو" في الحي القوطي، كنت كمن عثر على كنز. أحيانا يفاجئ المرء نفسه أو يصدم بمفاجآتها. ما الذي جئت أبحث عنه؟ لا أعتقد أن إلهام اللوحة لا يزال يسكن المكان. غير أن التفكير بمصير المكان ينطوي على شيء من الغواية. من أجل انجاز لوحته الشهيرة، رسم  بيكاسو أكثر من 800 دراسة تحضيرية شملت رسومات تفصيلية لكل شخصية - رؤوسها وأجسادها وما إلى ذلك موزعة على 16 دفترا. تلك ثروة ما كان لبيكاسو أن يستخرجها من خياله لولا تأثير هذا المكان الساحر عليه. معبد للأوهام هو أم متحف للحواس؟

على يمين الشارع الضيق تقع البيوت ذات الأرقام المزدوجة. انتقلت إلى الرصيف الآخر وأبطأت الخطو. رغبت في أن تكون طريقي طويلة. بيوت كلها فخمة غادرها أثرياء القرن التاسع عشر لتتحول إلى مطاعم وصيدليات ومحلات لبيع الألبسة والعطور والقبعات والمراوح والنظارات والهدايا والكتب المسلية واسطوانات الموسيقى والصحون وسواها من لوازم المطبخ. كل ذلك يدفع المرء إلى أن يكون واقعيا ويتخلى عن الذهاب إلى قارة إلهام لن يجدها في ذلك المحيط السياحي المحبط. 

REUTERS/Nacho Doce
سياح مع حقائبهم في الحي القوطي في برشلونة، 2024

حين رأيت فتاة ممشوقة القامة تخرج نصف جسدها من باب صغير حفر في البوابة الكبيرة لمنزل "كالا ميرسي" الذي يحمل رقم 44، حسبتها واحدة منهن. آنسة هربت من لوحة بيكاسو وجاءت لتفاجئني باستقبالها. كن في عمرها يوم رسمهن صاحب "غيرنيكا". رأتني أصورها فلم تكترث. ظلت واقفة "هل تريد أن أصوركما معا؟"، تقصد زوجتي. صورتنا كأننا في حديقة عامة. أهكذا سينتهي الحدث باعتباره جزءا من نزهة سياحية لا يفسدها جانبها العبثي؟!

 

 Josep LAGO / AFP
مارة تحت «جسر الأسقف» في الحي القوطي ببرشلونة، 2024.

المبنى ذو الطبقات الخمس هو نفسه الذي كان يرتاده بيكاسو في عشريناته. المبنى الذي رسم فيه تخطيطاته التي مهدت لاختراع أعظم ملكات الحداثة الفنية. وإذا كنت قد توقعت أن أرى حشدا من المعجبين المأسورين بفتنة تلك المعجزة، فإن ما صدمني خلو المبنى من أية شارة إلى ذلك الحدث العظيم.

 Josep LAGO / AFP
زائرة في معرض "لولا رويز بيكاسو" المخصص لشقيقة بابلو بيكاسو في متحف بيكاسو ببرشلونة، 2021

إذا أكلت هناك، تذكر بيكاسو

إذا كانت بلدية برشلونة قد أخطأت أهمية علاقة ابن ملقة بشارع أفينيو، فإن التجار المرتبطين بسوق السياحة لم تفتهم تلك البركة. أنت في شارع بيكاسو. أنت في شارع آنساته الخمس. ترى اللوحة بأشكال وتقنيات مختلفة مرسومة على الجدران والواجهات الزجاجية والقمصان والأربطة والصحون والمناديل والهدايا الصغيرة التي توثق لحظة فالتة. "شغل يدوي"، قالت لي صاحبة محل بيع الملابس الذي يقع أمام المبنى 44. لوحات بيكاسو المنفذة بالحياكة على القمصان، تبدو بشعة بطريقة لا تطاق. حين شعرت أنني أنظر بطريقة غير مرتاحة إلى نتاجها، أشارت إلى صورة كبيرة للآنسات علقتها وسط المحل وقالت "هل تعرف أن هذه اللوحة رسمت لتخليد المكان الذي تراه أمامك؟".

ترى اللوحة بأشكال وتقنيات مختلفة مرسومة على الجدران والواجهات الزجاجية والقمصان والأربطة والصحون والمناديل والهدايا الصغيرة

كان بيكاسو حاضرا في "شارع أفينيو". ولكنه ليس كحضور آنساته في لوحته التي ظلت تحمل الاسم الخطأ "آنسات أفينيون" كأنها رسمت من أجل تخليد المدينة الفرنسية الشهيرة بمهرجانها المسرحي. ولكن بيكاسو لم يسع في حياته إلى تصحيح الاسم. لم يسأله أحد "لم فعلت ذلك؟". في مدن متاحة لذائقة شعبية مفتوحة على شهية ثقافية مثل برشلونة، يمكن أن يفتتح مطعم للأكلات الغرائبية باسم بيكاسو ولا يعني ذلك أن المعجبين بالأكلات البيكاسوية قد زاوا متحف الفنان في المدينة، ذلك المتحف الذي يقع في الحي القوطي، ليس بعيدا من آنساته.   

font change

مقالات ذات صلة