"المجلة" تنشر وثائق سورية عن اللقاءات السرية اللبنانية – الإسرائيلية قبل توقيع "17 أيار" (1 من 6)

لماذا غضب مناحيم بيغن من بشير الجميل وما كان رده؟ شارون لبشير: إذا لم نوقع معاهدة سلام فوحدة لبنان في خطر

المجلة
المجلة

"المجلة" تنشر وثائق سورية عن اللقاءات السرية اللبنانية – الإسرائيلية قبل توقيع "17 أيار" (1 من 6)

تسرب الكثير عن اللقاءات السرية التي عقدها رئيس الجمهورية بشير الجميل، قبل اغتياله وانتخاب شقيقه أمين، ثم والدهما زعيم "حزب الكتائب" بيار الجميل، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن وآرييل شارون ومسؤولين إسرائيليين آخرين، تمهيدا لتوقيع اتفاق 17 مايو/أيار في 1983.

لكن وثائق سورية سرية، حصلت "المجلة" على نصوصها من أوراق نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدّام، تكشف أن النظام السوري عبر استخباراته أو استخبارات حلفائه، ربما الاتحاد السوفياتي، كان على علم بتفاصيل هذه اللقاءات السرية، وكانت لديه وثائقها ونصوصها أولاً بأول.

من يقرأ الوثائق يواجه ثلاث طبقات متداخلة، الطبقة الأولى توثيق سياسي مباشر، يضم محاضر اجتماعات، ورسائل متبادلة، ونصوصاً تفصيلية لاتفاقات ومداولات، والطبقة الثانية تأويل سياسي يقدمه خدام من موقعه كأحد أبرز صناع القرار السوريين في تلك المرحلة، بحيث تصبح كل حركة لبنانية أو إسرائيلية أو أميركية جزءا من صراع أوسع على المنطقة. أما الطبقة الثالثة، فهي دفاع صريح عن الاستراتيجية السورية في لبنان، وتقديمها بوصفها سياسة هدفت إلى منع صيغة "الغالب والمغلوب"، والإبقاء على الصيغة اللبنانية، و"منع تحويل لبنان إلى منصة إسرائيلية ضد سوريا والعرب".

وضمن هذه الطبقات أو المستويات، كانت لحظة "الثمن الإسرائيلي" الذي عبر عنه بيغن بوضوح لدى لقائه الجميلَ بعد انتخابه رئيسا في الشهر السابق، في بداية سبتمبر/أيلول 1982، ثم لحظة التفاوض اللبناني-الإسرائيلي وما رافقها من اتصالات سورية-لبنانية متشابكة، ثم لحظة المواجهة الحاسمة حول اتفاق 17 مايو/أيار، وصولا إلى إلغائه.

الوثائق السورية عن تلك المرحلة، لا تروي القصة الكاملة، ولا تقدم وقائع محايدة، بل ترويها من وجهة نظر النظام السوري، الذي أرسل جيشه إلى لبنان في منتصف 1976 قبل الاجتياحين الإسرائيليين، والوصول إلى بيروت في 1982، وخروج منظمة التحرير الفلسطينية في العام ذاته، واغتيال بشير الجميل في 14 سبتمبر/أيلول، أي بعد ساعات من لقائه السري مع شارون، ثم إسقاط خطة دمشق لإسقاط اتفاق 17 مايو بتحالفات داخلية وخارجية، ومحاضر اتصالات أمين الجميل مع الأسد، والرسائل المتبادلة بينهما، وصولا إلى إسقاط الرئيس حافظ الأسد للاتفاق في مارس/آذار 1983.

سيعاود الجيش دخوله إلى بيروت ويضع يده على الأسلحة كافة، يجب أن نضم الشمال والجنوب إلى هذه المرحلة

بشير الجميل

وسنعرض في هذه الحلقات النصوص الكاملة للمحاضر السرية وتعليقات خدام عليها؛ إذ يخصِّصُ قسما مهماً من أوراقه للجلسة الموسعة التي عقدت في نهاريا في 1 سبتمبر 1982 "بعد انتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية وقبل اغتياله في (22 أغسطس/14 سبتمبر 1982)".

يروي خدّام أن مناحيم بيغن "استهل بكلمة ركز فيها على مساعدة إسرائيل لبشير الجميل وأنصاره، وتقديم التضحيات الكبيرة لتحرير لبنان من منظمة التحرير الفلسطينية، وإجبار المحتل السوري على الخروج من لبنان، على أن يتزامن هذا الانسحاب مع انسحاب الجيش الإسرائيلي، تنفيذاً للمرحلة الثانية من خطة أميركية شاملة تهدف إلى استعادة لبنان سيادته وحريته".

وشدد بيغن- بحسب خدام- على تتويج الجهود التي قام بها الجنود الإسرائيليون دون انتظار أي مقابل، بمعاهدة سلام مع لبنان تتبعها اتفاقات تعاون في شتى المجالات، وأعرب بيغن عن "أسفه الشديد لموقف الرئيس السابق كميل شمعون، الذي صرح بأن لبنان لن يوقع معاهدة سلام مع إسرائيل كونه بحاجة إلى الدعم العربي".

أ.ف.ب
الرئيس اللبناني الراحل بشير الجميل، الذي اغتيل خلال اجتماع في مقر حزب الكتائب في حي الأشرفية ببيروت في 14 سبتمبر 1982

من جهته، أجابه بشير الجميل شاكراً الجهود والدعم الذي قدمه الجيش الإسرائيلي... وعلق أنه سيقوم بصفته رئيساً للجمهورية بإخراج اللاجئين الفلسطينيين من لبنان، وذكر: "لقد انتخبت دون منّة من أحد، وسأحاول الوفاء بكل الوعود التي أعطيتها لشعبي"... ورأى أنه يجب القيام بمفاوضات لتحقيق السلام، وبعد شكر المسؤولين الإسرائيليين، انتهى الاجتماع وتلاه اجتماع سري.

وهنا النص الحرفي للقاء حسب وثائق خدام:

اجتماع في 1 سبتمبر 1982 في نهاريا، حضر عن الجانب الإسرائيلي: بيغن- شارون- شامير- الدكتور كمحي- جنرال هوفي (رئيس سابق لجهاز الموساد)- جنرال تامر (المكلف بإعداد اتفاق السلام بين إسرائيل ولبنان)- بيتر (المسؤول الثاني في جهاز الموساد سابقاً والرئيس الحالي للموساد)- ماندي (رئيس الدبلوماسية السرية، حالياً مساعد رئيس جهاز الموساد)- ساغي (الرئيس السابق للمخابرات العسكرية).

وحضر عن الجانب اللبناني: بشير الجميل- ج. فريحة- ج. نادر- ج. أبو فاضل- ج. سعادة- ف. أفرام- ز. بستاني.

- بيغن: كيف هي الأوضاع في بيروت؟

- بشير الجميل: الوضع يتحسن، سنتمكن من السيطرة على المدينة في غضون أيام، ننتقل بعدها مباشرة إلى المرحلة الثانية، يجب أن نتحدث عـن المرحلة الثانية.

- بيغن: ما هي قضية المرابطين؟

- بشير الجميل: (يشرح) وفيما يتعلق بالمرحلة الثانية، سيعاود الجيش دخوله إلى بيروت ويضع يده على الأسلحة كافة، يجب أن نضم الشمال والجنوب إلى هذه المرحلة، لقد قام الراديو بتضخيم قضية المرابطين.

لن نبقى في لبنان، تربطنا الآن علاقة صداقة مع لبنان، وعلى جنودنا العودة إلى ديارهم، سيغادر الجيش الإسرائيلي بالتزامن مع الجيش السوري، لقد تم الاتفاق على هذا الأمر مع الولايات المتحدة

بيغن

- بيغن: (يقف لاقتراح نخب، ويلقي خطاب ترحيب) إني أتوجه بالشكر إلى إسحق رابين رئيس الوزراء السابق، وإلى حكومته، إن التعاون بين إسرائيل والمقاومة اللبنانية كان أسطورياً وسرّياً، لقد أنشأت "منظمة التحرير الفلسطينية" دولة داخل دولة، وأدت إلى حصول كارثة في لبنان، وإلى حرمان لبنان من وظائفه ومن استقلاله، وعرّض هذا الأمر المسيحيين للخطر مسبباً إذلالهم في الجنوب وفي مناطق أخرى، لقد تعرض المدنيون لأعمال قصف فظيعة، وقرر الرائد حداد تقديم استقالته والعيش في إسرائيل، أقف أمامكم هذا المساء لأقول إن لبنان اليوم محرر من أي وضع يد من قبل "منظمة التحرير"، لقد سحق الجيش الإسرائيلي هذه المنظمة، جردها من سلاحها وطردها خارج لبنان، الجيش السوري مهزوم، لقد دمرنا 405 دبابات مدرعة سورية، 102 طائرة، إضافة إلى طائرة ميغ 25، وهي المرة الأولى التي يتم فيها إسقاط هذه الطائرة، 21 بطارية صواريخ سام 6 و8 و9، كما دمرت الوحدات الهامة في الجيش السوري. لن تشن سوريا الحرب على إسرائيل، إن الأسد يعرف أنه إذا فكر بإعلان الحرب علينا، فإن جيشه سوف يُسحق، إن سوريا لا تعترف بلبنان، وليس لديها تمثيل دبلوماسي فيه، سيترك كل السوريين لبنان، عندها تُتَّبع المرحلتان 2 و3.

المرحلة الثانية: يغادر كل الإرهابيين الشمال والبقاع، باشر هذه المرحلة اعتباراً من يوم غد.

المرحلة الثالثة: تبدأ بمغادرة كل الجيوش الأجنبية، أنا رئيس الوزراء الإسرائيلي، أعلن أن الجيش الإسرائيلي هو جيش أجنبي، لقد استخدمت سوريا لبنان كقاعدة لشن هجمات على إسرائيل، إن عملية سلام الجليل حققت نجاحاً باهراً.

نحن اليوم في نهاريا وليست لدينا أية مخاوف، إن الجيش السوري هو جيش احتلال حالياً، لذا عليه في المرحلة الثالثة مغادرة لبنان، ونحن سنغادر بالتزامن معهم، علينا الاختيار بين معادلتين:

1 ـ إما أن نبقى في لبنان حتى يغادره السوريون (موقف سلبي).

2 ـ إما أن نغادره سوياً (موقف إيجابي).

وقد اخترنا الموقف الإيجابي، لن نبقى في لبنان، تربطنا الآن علاقة صداقة مع لبنان، وعلى جنودنا العودة إلى ديارهم، سيغادر الجيش الإسرائيلي بالتزامن مع الجيش السوري، لقد تم الاتفاق على هذا الأمر مع الولايات المتحدة، من الممكن أن تستغرق عملية الانسحاب أسبوعين، في اليوم الأول تغادر وحدة سورية ووحدة إسرائيلية، وفي اليوم التالي وحدة أخرى من كل جهة، وهكذا دواليك، نريد العيش بسلام مع لبنان، عندما تنتهي هذه المرحلة، سيكون هناك لبنان سيد، حر، ديمقراطي ومستقل، يجب أن يتمتع لبنان بجيش قوي مجهز بمختلف الأعتدة العصرية والمتطورة، وبموجب الصداقة التي تربطنا أستطيع القول إنه لا يجب أبداً أن ينقسم الجيش اللبناني مجدداً، على الضباط أن يضمروا الولاء لرئيس الجمهورية الذي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، إن خضوع الجيش لقيادة مدنية هو خطوة متقدمة للديمقراطية. على لبنان أيضاً أن يتمتع بجهاز أمن داخلي (مخابرات) فاعل؛ حتى لا يتمكن أحد من لبنان غدراً، ونحن على استعداد للمساعدة في هذا المجال.

نحن سعداء بانتخابك رئيساً للبنان بطريقة ديمقراطية، ويمكننا القول إن لك صديقاً في أورشليم تماماً كما أن لي صديقا في بيروت

بيغين لبشير الجميل

أضاف بيغين متوجها إلى الجميل: سيدي الرئيس، منذ عام 1948 وحتى هذا المساء كان بلدانا في حالة حرب، نحن أصدقاء، ورغم ذلك فإن بلدينا وحكومتينا هما في حالة الحرب، يجب أن نضع حداً لهذا التناقض.

سيدي الرئيس، لقد تألمت عندما تم نكراني، تستحق إسرائيل أكثر من ذلك، إن أميركا وفرنسا والباقين لم يمدوا لكم يد المساعدة، نحن ساعدناكم ونحن لا نريد أي ثمن سوى العرفان بالجميل، لقد قمنا بواجباتنا، صرح الرئيس شمعون أن لبنان لن يوقع معاهدة سلام مع إسرائيل، ولم نتردد في التورط لمساعدتكم وإنقاذكم، منحناكم حريتكم، وقد نبع التزامنا من القلب، فوجئت بقول الرئيس شمعون إنه لن يكون هناك معاهدة سلام مع لبنان، وذلك دون أن يشرح الأسباب، كما قال إنه سيحتاج إلى الدعم العربي، وهذا يؤلمني كثيراً، كيف أن لبنان غني، ولكنه يحتاج إلى الدعم العربي حسب قول شمعون، إن مصر دولة فقيرة، وتحتاج أكثر من لبنان إلى الدعم العربي، ورغم ذلك فإن معاهدة السلام قد أبرمت، هذا أمر مخزٍ، هل على الفقير أن يبقى فقيراً؟ وهل سيتحكم المال بعلاقاتنا؟ يجب أن ترتكز علاقاتنا على الكرامة والشرف، يجب تصفية الحرب، إلغاؤها وتحطيمها نهائياً، ولكي يتم ذلك يجب إبرام معاهدة سلام.

أ.ف.ب
الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات (في الوسط) بين أنصاره في بيروت خلال الأيام الأولى للغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982

وتابع بيغين: نحن أشخاص أحرار، ودولة حرة، لنوقف الحرب والدم، السلام لنا جميعاً، علي القول إنه بناءً على رغبتكم سنوقع على معاهدة سلام باللغتين العربية والعبرية، العبرية في أورشليم والعربية في بيروت، أصبحنا أصدقاء خلال الحرب، قلت سابقاً إني أعتبرك مثل ابني، والآن أنت رئيس للجمهورية، فلتنعكس صداقتنا إيجابياً على بلدينا لقد بنينا علاقتنا، لنبن الآن علاقات اقتصادية وصناعية، بإمكاننا أن نصبح بلدانا مزدهرة، هناك وحدة اقتصادية بين بلدينا، نستطيع أيضاً العمل سـوياً على الساحة الدولية، هذا ما أتوقعه هذا المساء، سوف نحصل على السلام في الشرق الأوسط. لن تجرؤ سوريا على الهجوم على لبنان وإسرائيل، والأردن لا يعتدي علينا، إني أرى  حقبة  من  السلام  في الشرق الأوسط حقبة من 20 إلى 40 عاماً أو حتى أكثر، قد تواجهون مشكلات، قد تظهر بعض عمليات الانتقام، ولكن إنجازات كبيرة قد تحققت. تم سحق أعدائنا، لنشكر الرب على كل ما تم إنجازه، فقدنا 340 شاباً من خيرة شبابنا من الوحدات الخاصة، كان شعارهم "اتبعوني" وليس "إلى الأمام سر"، تعرض عدة مئات من جنودنا للإصابات والإعاقات، خسرنا دماءً كثيرة، إنها مجزرة حقيقية، ولكن يجب على الإنسان القيام بالعمل رغم الألم.

وأردف بيغين: نحن سعداء بانتخابك يا بشير الجميل رئيساً للبنان بطريقة ديمقراطية، ويمكننا القول إن لك صديقاً في أورشليم تماماً كما أن لي صديقا في بيروت، وأن بلدينا القديمين للغاية، والمتحضرين، قد عانيا دائماً في سبيل الحرية والاستقلال، لنلتزم بالسلام والحرية ولبعضنا بعضاً.

سأل شارون بشير الجميل عن صحة اشتراط المسلمين في لبنان عدم عقد معاهدة سلام مقابل التعاون معه، فأكد بشير هذا الأمر وأشار إلى أن الإعلان عن معاهدة السلام قد يهدد 500 ألف مسيحي موجودين تحت الاحتلال السوري والفلسطيني

- بشير الجميل: لقد قدمتم المساعدة في كل مرحلة للوصول إلى الوضع الحالي، قلتم إنكم لن تتخلوا عنا، وقد حصلنا على مساعدتكم، إننا محظوظون في الحصول على دعمكم غير  المشروط، والآن فإن صديقكم أصبح رئيساً للجمهورية، سنباشر خطوة تلو الأخرى بإخراج 500 فلسطيني من لبنان، لن يكون عندنا إرهابيون بعد اليوم، في المرحلة الثانية سيغادر السوريون لبنان، نحن لا نريد مساواة الانسحاب السوري بالانسحاب الإسرائيلي، ستكون المرحلتان الثالثة والرابعة تطبيع البلاد، لا حاجة للتطبيع بين شعبينا، بصفتي رئيساً للبلاد سأفعل ما بوسعي لتحقيق أحلامنا، وإنجاز العمل في هذا السياق السياسي، لإقامة تحالف يكون من صالح شعبينا، لقد انتخبت دون منّة من أحد، وسأحاول الوفاء بكل الوعود التي أعطيتها لشعبي، فقدت ابنتي، 5000 شاب و100 ألف مدني، علينا إنجاز عملية السلام، نرغب بإنجازها بأنفسنا، سنتفاوض، ونتخطى الصعوبات للوصول إلى الاستنتاجات الصائبة، ربحنا الآن الحرب بفضل مساعدتكم ودعمكم وتدريباتكم، إن مزيجَ كل هذا أعطى نتائج باهرة، لقد كنت سيداً عظيماً ويجب أن نتفاوض لتحقيق حلم شعبينا، كنا نصلي في كنائسنا قبل التعرف عليكم، الآن يجب أن نتفاوض لتحقيق السلام، أشكركم جميعاً حضرات السادة شارون، شامير، رافول، الموساد، جميعكم. وآمل مرة جديدة أن يصبح لبناننا حراً ويفاوض لحصول تحالف معكم، لقد كنتم جميعاً أسياداً حقاً.

اللقاء السري

انتهى الاجتماع الأول المفتوح، وتلاه لقاء سري. ويروي خدام في أوراقه، أن بيغن دخل مباشرة بالموضوع، معرباً عن رغبته الشديدة بتوقع معاهدة سلام مع لبنان، وأشار لضغوطات داخلية تتعلق بأسباب اجتياح الجيش الإسرائيلي للبنان، وألقى بيغن اللوم على بشير لعدم التطرق أبداً إلى وجوب إقامة سلام مع إسرائيل، أو على الأقل شكر الجيش الإسرائيلي على التضحيات التي قدمها، وأكد على تقديم الحماية للبنان في حال قيام سوريا بعدوان عليه، مشيراً إلى أنه لم يطلب من محدثه أي شيء قبل الانتخابات، ولكنه الآن رئيس الجمهورية، ويعرف ماذا يريد علماً أنه (بيغن) تألم لسماع شمعون يقول إن لبنان لن يوقع اتفاق سلام مع إسرائيل.

وسأل شارون بشير الجميل عن صحة اشتراط المسلمين في لبنان عدم عقد معاهدة سلام مقابل التعاون مع بشير. أكد بشير هذا الأمر وأشار إلى أن الإعلان عن معاهدة السلام قد يهدد 500 ألف مسيحي موجودين تحت الاحتلال السوري والفلسطيني، واعتبر أن البلد سينهار إذا أعلن عن المعاهدة، مؤكداً أن الهدف واحد مع محدثيه ولكن الخلاف هو على الأسلوب، واقترح تشكيل لجنة رباعية لدرس الموضوع والتوقيت المناسب له، ما أغضب بيغن وأشار إلى وجوب قيام محدثه بأمرين: أولاً الإعلان عن وجوب عقد معاهدة سلام، والثاني الإعداد لهذه المعاهدة.

ورفض بيغن درس هذا الموضوع محدداً تاريخ 15 سبتمبر، موعداً لعقد هذه المعاهدة في بيروت.

Getty Images
رئيس الوزراء الاسرائيلي مناحم بيغن يلقي كلمته في الكنيست في ذروة الاجتياح الاسرائيلي في 30 يونيو 1982

هدّأ شارون الأجواء بالإشارة إلى تنفيذ بشير لكل ما طلبوه منه سابقاً، ثم تطرق بيغن إلى وضع الرائد سعد حداد الذي أوصى بشير بمثوله أمام المدعي العام العسكري لوجود مذكرة توقيف بحقه، متعهداً بإطلاق سراحه، واتخاذ قرار بشأن مستقبله داخل أو خارج الجيش، على أن يعطيه حق الخيار، لم يوافق بيغن على هذا الطرح، ولا على طرح فيليب الذي أوصى بإحالة حداد إلى التقاعد ومنحه عفوا خاصا، إذ اعتبر شارون سعد حداد بمثابة بطل لبناني وطني دافع عن أرض الجنوب، ويجب مكافأته بتعيينه ملحقاً عسكرياً للبنان في إحدى الدول، أو حتى توزيره، وشدد على أنه لن يسمح بمثوله أمام أي قاضي تحقيق، كونه لا يترك أصدقاءه عند الشدة، تماماً كما لم يترك بشير، وتناوب بيغن وشارون على الكلام، حيث ربط الأخير مصير منطقة الجنوب التي تمتد على 50 كيلومترا من الحدود بتوقيع اتفاقية السلام، ثم ذكر أن الإسرائيليين عاشوا 3700 سنة دون هذه الاتفاقية وهم غير مضطرين للاستجداء بغية الوصول إليها.

النص الحرفي للقاء خاص بين بشير الجميل ومناحيم بيغن

اللقاء الخاص تم بحضور عن الجانب اللبناني بشير الجميل- ج. فريحة- ج. سعادة، وعن الجانب الإسرائيلي مناحيم بيغن- إسحق شامير- آرييل شارون- غنوفي- ساغي.

لا أظن أن السوريين جاهزون للقتال ضدكم، نحن موجودون لحمايتكم، وسنقوم بإخراج السوريين، إن هذا الكابوس غير صحي لعلاقاتنا المستقبلية

بيغن لبشير الجميل

- بيغن: إني أرغب بتوقيع اتفاقية سلام معكم، ويجب الإعداد لذلك، إن شعبنا يقوم باتخاذ القرارات، وهو يسأل أين بشير؟! لماذا لم يقل أية كلمة؟! قل شيئاً بين الحين والآخر، اِطلب من أصدقائك الإدلاء بتصريحات حول وجوب حلول السلام وهذا أمر طبيعي، منذ سبع سنوات ونحن نعمل سوياً بطريقة سرية، وصلت إلى منصبي وأعلنت أني أساعدك، أنت ظهرت على شاشة التلفزيون ولم تقل أي كلمة إيجابية تجاه إسرائيل، قل شيئاً، قل إنه يجب وقف الحرب بين لبنان وإسرائيل.

- بشير الجميل: نحن نقوم بإعداد الأرضية اللازمة، سيتم تسيير مظاهرة.

- فريحة: يمكن التعبير عن مشاعرنا بطريقة غير مباشرة، من خلال المظاهرة.

أ ف ب
أعضاء في حزب "الكتائب" يعرضون ملصقا للرئيس اللبناني المنتخب حديثا آنذاك بشير الجميل، 26 أغسطس 1982

- بيغن: لا أظن أن السوريين جاهزون للقتال ضدكم، نحن موجودون لحمايتكم، وسنقوم بإخراج السوريين، إن هذا الكابوس غير صحي لعلاقاتنا المستقبلية، في السابق كان الرئيس كميل شمعون عدواً لدوداً لإسرائيل، علينا فتح حقبة من الصداقة، وإذا كان هذا الأمر يحرج مشاعركم، أرجو منك مصارحتي بذلك، من الممكن أن يستغرق تحسين علاقاتنا وقتاً طويلاً، لقد قالت دمشق إن السوريين سينسحبون من لبنان، قام الروس بتهديدنا مرتين عبر السفارة الفنلندية في إسرائيل، لم أعط أي جواب على ذلك كون البرقيات لم تحمل أي توقيع أو عنوان بريدي.

- بشير الجميل: إني أواجه صعوبة، وهي أن لدينا نصف مليون مسيحي تحت الاحتلال السوري الفلسطيني، ومن الممكن أن يؤدي التصريح العلني إلى إحراجهم.

شارون لبشير الجميل: لقد وافقنا على عدم التدخل بسير الانتخابات، الآن وقد تم انتخابك، إذا لم نوقع معاهدة سلام فإن وحدة لبنان مهددة بالانهيار

- شارون: إن السوريين غير قادرين على القيام بهجوم واسع، إن شعبنا وجنودنا يسألوننا باستمرار لماذا نحن موجودون هنا؟ لم يتم إطلاق أي موقف من جهودنا، لقد قمت بامتداح جنود المارينز والإيطاليين والفرنسيين، لماذا لم نسمع أي كلمة حولنا؟ إن السوريين يتركون لبنان تحت الضغط، ونحن نتركه بملء إرادتنا، لم نسمع كلمة شكر تعترف بأننا قمنا بإنقاذكم، إن صمتك قد يؤثر على علاقاتنا المستقبلية.

- بيغن: لم أطلب منك أي شيء قبل الانتخابات، أما الآن فأنت الرئيس... لقد قال شمعون سابقاً إنه لا يمكن توقيع اتفاق سلام بين إسرائيل ولبنان، والدك قال: "نحن جزء لا يتجزأ من العالم العربي"، إن كنت لا تريد معاهدة سلام قل ذلك، لقد عشنا 3400 عام دون سلام، يمكننا أن ننتظر أكثر، قل إنك تشكر الذين ساعدونا على التخلص من الفلسطينيين.

- شارون: هل صحيح أن المسلمين يضعون شروطاً للتعاون معكم بأن لا تكون هناك معاهدة سلام؟

- بشير الجميل: نعم.

- بيغن: وهل تستبدل الصداقة بالابتزاز؟!

- بشير الجميل: إن البلد قد ينهار إذا صرحت بذلك.

- بيغن: لا أريد أن ينهار بلدك، بالله عليك فلننه الأمر.

- شارون: لقد وافقنا على عدم التدخل بسير الانتخابات، الآن وقد تم انتخابك، إذا لم نوقع معاهدة سلام فإن وحدة لبنان مهددة بالانهيار (إشارة إلى سعد حداد).

- بشير الجميل: إن الحوار الذي نقوم به الآن هو موضوع درس معمق، وأنا أريد ما تريدونه، ولكن الخلاف هو على الأسلوب الذي سيتم به ذلك، لدينا الأهداف نفسها، لنقم بتأليف لجنة تضم عضوين من جانبكم وآخرين من جانبنا لصياغتها واختيار الوقت المناسب للتنفيذ.

- بيغن: لماذا لم تعط رأيك الشخصي بوجوب إبرام معاهدة سلام بين إسرائيل ولبنان؟ قلت إن الحكومة اللبنانية ستقرر ذلك، صحيح، ولكن أعط رأيك الشخصي، ثم قل إن لبنان بلد ديمقراطي وعليّ اتخاذ القرار النهائي مع الحكومة، إن عدم سماعك تقول ذلك يشكل خيبة أمل كبيرة لي، لقد قمنا بكل ما يمكن أن يقوم به بلد لبلد آخر، لماذا لا تقول إنه يجب حلول السلام، لماذا تتهرب من الإجابة على السؤال؟ لقد  أرسلت  لك  رسالة  وقمت بنشرها حتى لا أحرجك.

- بشير الجميل: إن اختيار الوقت هو بأهمية الحدث بحد ذاته، لماذا انتظرتم ثماني سنوات لتحرير لبنان؟ إن اختيار الوقت أمر مهم.

(بعصبية) أريد معاهدة سلام، لنقم بتحديد الموعد في بيروت، وأقترح ما يلي لروزنامة العمل: متى سيتم الإعلان عن ذلك؟ ومتى يمكننا إنجازه؟

بيغن

- بيغن: هل تريد معاهدة سلام أم لا؟

- بشير الجميل: نعم، ولكن لنقم بتحديد الآلية.

- بيغن: سأقوم بتلخيص تصوري:

1- إعلان من قبلكم بوجوب إبرام معاهدة سلام.

2- الإعداد لتوقيع معاهدة سلام.

إني أضع أمامك هذين البندين.

- بشير الجميل: سنقوم بدرس البندين.

- بيغن: إني أنتدب إسحق شامير وآرييل شارون ممثلين عنا، سمي مندوبين من قبلكم.

- بشير الجميل: نعم، سنقوم بدراسة ارتباط عميق.

Getty Images
قوات إسرائيلية في بيروت الغربية بعد اغتيال بشير الجميل، 1982

- بيغن: (بعصبية) ليس كذلك، ليس هذا موضوع البحث، لا تقم بتحويره، أريد معاهدة سلام، لنقم بتحديد الموعد في 15 سبتمبر في بيروت، وأقترح ما يلي لروزنامة العمل:

ـ متى سيتم الإعلان عن ذلك؟

ـ متى يمكننا إنجازه؟

- بشير الجميل: لم نتوان عن المشاركة بكل العمليات العسكرية، ويسرني القول إننا وفينا بكل وعودنا.

(أنكر بشير الجميل إرسال تعهد لمبعوث بيغن، واتهم الأخير بإرسال التقرير لبيغن بطريقة خاطئة).

- شارون: لقد قام بشير بتنفيذ كل ما طلبناه منه (أعطى عدة أمثلة) سألت بشير إذا كان يريد الدخول إلى بيروت الغربية فقال نعم، كل ما كنا نطلبه من بشير كان ينفذ مثلاً: سوق الغرب- عاليه- كلية العلوم، أنا شخصياً كنت أفضل أن ندخل إلى بيروت وحدنا، ولكن كل ما طلبناه من بشير قد تم تنفيذه.

- بيغن: يسرني سماع ذلك.

- بشير الجميل: إن التقرير الذي سمعته عن الرئيس شمعون غير دقيق.

- بيغن: بالنسبة إلى شمعون، لقد سمعت شخصياً، وأحزنني أن أسمع ذلك من شمعون الذي طلب منا مساعدة لبنان، لقد وعدت شمعون بتنفيذ هذا الطلب، وكررت أن الطلب قد نفذ، لقد نفذته رغم كل المخاطر، وكنت على وشك خوض الحرب مع سوريا، إن تصريح شمعون يبعث على الشعور بالحرمان. لنناقش الآن مشكلة سعد حداد، لقد قال فيليب حبيب إنه يجب أن يقدم حداد استقالته، وسيحصل على عفو عام، لن نترك أصدقاءنا وسط الشكوك، لن يكون هناك استقالة ولا عفو، لأنه ليس مجرماً، بل هو لبناني مخلص.

إذا لم يكن هناك معاهدة سلام فإن وضع جنوب لبنان سيكون مختلفاً، وأي ضغوط أميركية لن تتمكن من إزاحتنا خطوة واحدة

شارون

- بشير الجميل: إني أشاركك بتقديرك تجاه الرائد حداد، لأنه فعل في الجنوب ما فعلته أنا في جونيه، ولقد كانت إنجازاته في الجنوب موضع تقدير واحترام دائمين، سياسياً هناك "مذكرة جلب" بحق حداد، وأحمد الخطيب وغيرهما،  إني أوصي بأن يمثل أمام المدعي العام العسكري للإجابة على بعض الأسئلة، ويطلق سراحه، وأنا أقرر ما يفعله لاحقاً داخل أو خارج الجيش، وسأحترم قراره، يجب أن يمثل أمام المدعي العام بالطرق القانونية؛ لأن الحكومة السابقة طلبت منه ذلك، وأنا سأعمل وفقاً للدستور.

- بيغن: لقد قاتل حداد من أجل لبنان، وبدل أن تتم ترقيته يجب أن يمثل أمام المدعي العام؟! لن أدع ذلك يحصل، هذا عار هو ليس خائناً، إنه صديقي، ولبناني وطني، لقد ضحى كثيراً بوجه العدو، لماذا يجب أن يمثل أمام المدعي العام؟! عليك أن تمنحه ترقية بصفتك رئيساً للجمهورية، وأن تدرجه ضمن إطار المصالحة، حتى إنه يجب أن يكون عضواً في الحكومة، فكّر أيضاً برجاله يجب أن ينضم مع رجاله إلى الجيش الذي سيعاد إنشاؤه، لقد جازف الرجل بحياته، أنت لم تلتقِه منذ بضع سنوات، لقد دافع عن جنوب لبنان، ألا يجب الاعتراف له بذلك، لقد كان من جهتكم، وليس من الجهة المقابلة، إننا لا نستغني عن أصدقائنا، نحن لم نستغن عنك.

- شارون: نعرف تماماً ما هو الجيش اللبناني، حداد ضابط جيد، أفضل من باقي الضباط اللبنانيين لقد سيطر على منطقة تضم بين 100 إلى 150 ألف نسمة، جازف بحياته وخسر رجالاً.

- بيغن: سأقابل الرائد حداد قريباً، أرجو أخذ العلم بأننا لن نترك الرائد حداد ضحية مخاوفه، لن يمثل أمام أي قاضٍ، لن يسمح بتوجيه أي اتهام له، نحن لم نتركك في وضع مماثل، فكِّر بتسليمه منصبَ ملحق عسكري، أنا أيضاً سأفكر بالموضوع، ولكني لا أظن أن هذا الأمر سيكون لصديقنا فقط، وأظن أنه يفضل العيش في إسرائيل، إذا أردت توقيفه أظن أنه سيطلب اللجوء إلى إسرائيل، وسوف أمنحه هذا الحق، أقترح إحالة موضوع سعد حداد إلى اللجنة الرباعية.

- شارون: إذا لم يكن هناك معاهدة سلام فإن وضع جنوب لبنان سيكون مختلفاً، إن أي ضغوط أميركية لن تتمكن من إزاحتنا خطوة واحدة، إن معاهدة السلام مهمة لكم أيضاً، بواسطة هذه المعاهدة يمكننا تلافي احتلال 40 كيلومترا، نحن لا نحتاج إليها، إن الأميركيين لا يستطعيون الضغط علينا، عندما تشعر أنه يجب القيام بأمر ما فإننا سنقوم به، أقول لك كصديق هذا تحول في علاقتنا، لن نقوم باستجداء السلام، إننا نعيش منذ 3700 سنة، لن نستجدي السلام، ولكننا نخضع لضغوط داخلية كبيرة، سنحتفظ بهذا الحزام المؤلف من 40 إلى 50 كيلومترا، لماذا نستجدي، لسنا بحاجة لذلك.

انتهى الاجتماع عند الثالثة فجراً.

font change