تسرب الكثير عن اللقاءات السرية التي عقدها رئيس الجمهورية بشير الجميل، قبل اغتياله وانتخاب شقيقه أمين، ثم والدهما زعيم "حزب الكتائب" بيار الجميل، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن وآرييل شارون ومسؤولين إسرائيليين آخرين، تمهيدا لتوقيع اتفاق 17 مايو/أيار في 1983.
لكن وثائق سورية سرية، حصلت "المجلة" على نصوصها من أوراق نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدّام، تكشف أن النظام السوري عبر استخباراته أو استخبارات حلفائه، ربما الاتحاد السوفياتي، كان على علم بتفاصيل هذه اللقاءات السرية، وكانت لديه وثائقها ونصوصها أولاً بأول.
من يقرأ الوثائق يواجه ثلاث طبقات متداخلة، الطبقة الأولى توثيق سياسي مباشر، يضم محاضر اجتماعات، ورسائل متبادلة، ونصوصاً تفصيلية لاتفاقات ومداولات، والطبقة الثانية تأويل سياسي يقدمه خدام من موقعه كأحد أبرز صناع القرار السوريين في تلك المرحلة، بحيث تصبح كل حركة لبنانية أو إسرائيلية أو أميركية جزءا من صراع أوسع على المنطقة. أما الطبقة الثالثة، فهي دفاع صريح عن الاستراتيجية السورية في لبنان، وتقديمها بوصفها سياسة هدفت إلى منع صيغة "الغالب والمغلوب"، والإبقاء على الصيغة اللبنانية، و"منع تحويل لبنان إلى منصة إسرائيلية ضد سوريا والعرب".
وضمن هذه الطبقات أو المستويات، كانت لحظة "الثمن الإسرائيلي" الذي عبر عنه بيغن بوضوح لدى لقائه الجميلَ بعد انتخابه رئيسا في الشهر السابق، في بداية سبتمبر/أيلول 1982، ثم لحظة التفاوض اللبناني-الإسرائيلي وما رافقها من اتصالات سورية-لبنانية متشابكة، ثم لحظة المواجهة الحاسمة حول اتفاق 17 مايو/أيار، وصولا إلى إلغائه.
الوثائق السورية عن تلك المرحلة، لا تروي القصة الكاملة، ولا تقدم وقائع محايدة، بل ترويها من وجهة نظر النظام السوري، الذي أرسل جيشه إلى لبنان في منتصف 1976 قبل الاجتياحين الإسرائيليين، والوصول إلى بيروت في 1982، وخروج منظمة التحرير الفلسطينية في العام ذاته، واغتيال بشير الجميل في 14 سبتمبر/أيلول، أي بعد ساعات من لقائه السري مع شارون، ثم إسقاط خطة دمشق لإسقاط اتفاق 17 مايو بتحالفات داخلية وخارجية، ومحاضر اتصالات أمين الجميل مع الأسد، والرسائل المتبادلة بينهما، وصولا إلى إسقاط الرئيس حافظ الأسد للاتفاق في مارس/آذار 1983.




