فيلسوف "بالانتير" المتوَّج... أليكس كارب يقول على منصة "إكس" ما لا يقال عادة

من يدري إلى أين تمضي الأمور، وما إذا كان الذكاء الاصطناعي خطرا وجوديا على النوع البشري أم مجرد فقاعة هائلة تقترب من الانفجار؟

مارك سميث
مارك سميث

فيلسوف "بالانتير" المتوَّج... أليكس كارب يقول على منصة "إكس" ما لا يقال عادة

تقال هذه الأيام أشياء قاسية في وصف أفكار أليكس كارب. فقد وصف نائب بريطاني "بيانه" بأنه "هذيان شخصية شريرة خارقة"، فيما قال نائب آخر إنه "إما محاكاة ساخرة لفيلم (الشرطي الآلي- RoboCop) أو نوبة نرجسية مقلقة صادرة عن مؤسسة متغطرسة". والحقيقة أن أليكس كارب ليس معلقا عاديا، بل هو ملياردير ورئيس تنفيذي لشركة "بالانتير تكنولوجيز".

بات الناس اليوم أكثر ارتيابا بالتكنولوجيا. وقد لمست ذلك قبل أيام في دار السينما، ومن خلال عمل يفترض أنه خفيف وبعيد عن الجدل مثل "The Devil Wears Prada"، فحتى هناك، في قلب الثقافة الشعبية، يبدو مصير مجلة "رانواي" وصحافييها معلقا بإرادة شركات تكنولوجيا باردة، فظة الذائقة، لا تمتلك حسا ثقافيا ولا تكترث بحرية الصحافة. وكأن الريبة من العالم الرقمي لم تعد شأنا يخص النقاشات الفكرية والسياسية وحدها، بل صارت تتسلل إلى أبسط الحكايات السينمائية وأكثرها ألفة. وحتى قبل أن يبدأ الفيلم، مر إعلانان يلمحان إلى فضائل الانقطاع عن الإنترنت؛ كان أحدهما يروّج للعطلات. هكذا صار التعب من كل ما هو رقمي، والارتياب بالعالم المتصل على الدوام، مدخلا ذكيا لتسويق الوجهة التي يحلم بها الجميع. وغني عن القول إن تلك الوجهة ليست واديا بعينه في كاليفورنيا.

لذلك يبدو التوقيت غريبا، على أقل تقدير، لكي يطرح أليكس كارب أفكاره عن التكنولوجيا وعن هيمنة أميركا على الكوكب. ففي اللحظة نفسها التي يتساءل فيها المتشككون، مثلا، عما إذا كان ينبغي منح "بالانتير" السيطرة على بيانات هيئة الخدمات الصحية الوطنية، أو إدماجها في منظومتنا الدفاعية، خرج كارب على منصة "إكس" ليقول جهارا ما يبقى عادة طي الكتمان: مستقبل العالم يتوقف على الهيمنة الأميركية.

قد يكون من غير المنصف التوقف طويلا عند مظهر كارب، لكنه يدعو، على نحو ما، إلى المقارنة. فله هيئة أستاذ مجنون يصلح، من دون كثير تعديل، لأداء دور شرير خارق. ولا يمكن قول الشيء نفسه عن الشريك المؤسس لشركته. فبيتر ثيل، الذي يفضل الظهور بهيئة مصقولة ونظيفة الملامح حين يطلق آراءه، لا يبدو غريب الأطوار من الخارج. ومع ذلك، فقد تردد في حوار حديث على بودكاست مع روس دوثات حين سئل عما إذا كان ينبغي للجنس البشري أن يبقى. ومن الصعب تخيل شخص لا يحمل ملامح الشرير الخارق يتوقف أمام سؤال كهذا.

بخلاف ماسك، لا يطمح الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" إلى أن يكون الفاشي الرقمي الأول في العالم. وعلى العكس من ذلك، فقد اعترف بميول ديمقراطية، وإن كان ذلك في الماضي

وهكذا، إذا كان جنون ثيل يتسلل في الخفاء، فإن أليكس كارب يبدو كأنه ينذر جمهوره بالكارثة المقبلة من خلال شَعره وحده. وهذا، في ظني، يفسر قدرا كبيرا من الضجة التي أثارتها تصريحاته الأخيرة، وهي في جوهرها خلاصة للأفكار التي عرضها في كتابه "جمهورية التكنولوجيا". أما الاتجاه العام لحجته فقد كان مطروحا في المجال العام من قبل، على نحو لا يختلف كثيرا عن ذائقة بيتر ماندلسون المعروفة في اختيار أصدقائه الحميمين. ومع ذلك، لا تحمل أفكاره تلك النبرة القيامية الكرتونية التي تظهر في كلام ثيل، ولا تبلغ حد الابتهاج الفج الذي يرافق تصريحات إيلون ماسك الصادمة وقد عادت في ثوب جديد.

وليس دعم كارب لفورات إيلون ماسك هو ما أقلق المعلقين. ففيما يبدو، لا حقّ لنا في تقييد حرية ماسك في الكلام. وبالنظر إلى ما يتمتع به مالك منصة "إكس" من ترخيص ظاهر لإطلاق آرائه المليئة بالشتائم، سيرد معظم الناس بأن تحقيق ذلك سيكون أمرا حسنا لو أمكن. ومع ذلك، رأى كارب أن من المناسب أن يهب دفاعا عن أغنى رجل في العالم، حين يقول: "تكاد الثقافة تسخر من اهتمام ماسك بالسرديات الكبرى، كأن على المليارديرات أن يكتفوا بالبقاء في مجالهم المعتاد والاكتفاء بمراكمة ثرواتهم". وبما أن كارب نفسه واحد من أولئك الأثرياء شديدي الصخب والحضور، فلا عجب في أن يندفع للدفاع عن حق رفاقه في إطلاق العنان لآرائهم المفهومة.

رويترز
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير"، في قمة بنسلفانيا للطاقة والابتكار، التي عُقدت في جامعة كارنغي ميلون بمدينة بيتسبرغ، بنسلفانيا، الولايات المتحدة، في 15 يوليو 2025

ولكن بخلاف ماسك، لا يطمح الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" إلى أن يكون الفاشي الرقمي الأول في العالم. وعلى العكس من ذلك، فقد اعترف بميول ديمقراطية، وإن كان ذلك في الماضي. ولكن، أيضا، حتى ماسك تحدث بحماسة عن مصافحة أوباما.

ويستطيع كارب أن يدعي أيضا أن لديه مؤهلات أكاديمية معتبرة تسند تصريحاته. فقد كان طموحه الأصلي، قبل أن يتعثر في طريقه إلى حياة بلوتوقراطية باهرة، كما يحدث عادة، أن يصبح منظرا اجتماعيا متواضعا. ففي عام 1989، حصل على درجة البكالوريوس في الفلسفة من جامعة هافرفورد بنسلفانيا. ثم التحق بكلية الحقوق في ستانفورد، ونال درجة الدكتوراه في القانون عام 1992.

غير أن ستانفورد عالم صغير. وفي أثناء وجوده هناك، أغراه لقاء عابر ببيتر ثيل بالابتعاد عن بساتين الأكاديميا الهادئة. وقد جمعت بين الرجلين نقمتهما على كلية الحقوق وشغف مشترك بالجدل السياسي. ويتذكر ثيل أن كارب "كان أكثر ميلا إلى الاشتراكية، وكنت أنا أكثر ميلا إلى الرأسمالية. كان يتحدث دائما عن النظريات الماركسية في العمل المغترب، وكيف أن ذلك ينطبق على كل الناس من حولنا".

وليست النظريات الماركسية وافرة تماما في خيوط النقاش على منصة "إكس". وكارب نفسه لا يقيم حتى في وادي السيليكون، بل في فلوريدا. وقد قال إنه كان يشعر بالاختلاف في "كل مؤسسة تعاملت معها". وفي كل منها كان يقول لنفسه: "أستطيع أن أتنقل داخل هذا المكان، لكنني لست جزءا منه". ومع ذلك، ورغم كل اغترابه، احتفظ من تلك المرحلة بهالة المثقف الحقيقي. ومن هنا الشعر الجامح. وباختصار، يمكن القول إن كارب يعرف ما يتحدث عنه. فلماذا أثار "بيانه" كل هذه الضجة إذن؟

علينا أن نقاوم الإغراء السطحي لتعددية فارغة وجوفاء. فنحن، في أميركا وفي الغرب على نطاق أوسع، ظللنا طوال نصف القرن الماضي نخشى تقييم الثقافات الوطنية باسم الشمولية. يجب أن يتوقف هذا

أولا، لا بد من تلخيص النقاط الواردة في ملخص كارب سيئ الصيت. وإذا أخذنا أكثر عناصره إثارة للجدل من دون ترتيب معين، نجده يدعو إلى إعادة التجنيد الإلزامي في أميركا، وإلى أن يكف الجيشان الألماني والياباني عن البقاء في حال "خصاء". ويؤكد كذلك أن على وادي السيليكون أن ينهض بدوره ويشارك في الدفاع عن الأمة. وعليه أن يعترف بطغيان التطبيق وأن يقاومه. وما دامت القوة الصلبة مطلوبة للدفاع عن الغرب، فإن ذلك سيتحقق عبر البرمجيات. فالسؤال ليس هل ستصنع أسلحة الذكاء الاصطناعي، بل من سيصنعها ولأي غاية. أما خصومنا فلن يتوقفوا لينغمسوا في "نقاشات مسرحية" حول جدوى تطوير تقنيات ذات تطبيقات عسكرية وأمنية وطنية حاسمة. سيمضون قدما.

ويهاجم البيان كذلك نقص الثقة بالثقافة الأميركية. فهو يزعم أن بعض الثقافات أنتجت تطورات حيوية، بينما بقيت ثقافات أخرى معطوبة ورجعية. ومع ذلك، تعامل الثقافات كلها اليوم على قدم المساواة. لقد غدا النقد وإصدار أحكام القيمة أمرين محظورين. ويتغافل هذا المذهب الجديد عن حقيقة أن ثقافات بعينها، بل وثقافات فرعية بعينها، أنتجت عجائب. أما ثقافات أخرى فقد أثبتت أنها متوسطة القيمة، أو أسوأ من ذلك، رجعية وضارة. لذلك، علينا أن نقاوم الإغراء السطحي لتعددية فارغة وجوفاء. فنحن، في أميركا وفي الغرب على نطاق أوسع، ظللنا طوال نصف القرن الماضي نخشى تقييم الثقافات الوطنية باسم الشمولية. يجب أن يتوقف هذا.

أ.ف.ب
وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف والرئيس التنفيذي لشركة "بالانتير"، أليكس كارب، خلال اجتماع في كييف، في 12 مايو 2026

وتسود النص كله نبرة تقريع تلوح بإصبع الاتهام. وقد كتب بأسلوب يقترب من نبرة إرميا النبي، حتى إن مجرد قراءة هذا الكلام قد تكون مرهقة. وهو مصمم، عن قصد واضح، كي ينفر جمهوره. إنه صوت الحقيقة القاسية، وصوت الواقع الخشن، وصوت الأب العارف بكل شيء وهو يأمر الطفل بأن يكبر ويتصرف بما يليق بعمره.

وعندما أدرجت مجلة "التايم" هذه الشخصية الأبوية الصارمة في قائمة المئة الأكثر تأثيرا، أشارت إلى أن كارب كان قد اقتبس مرة، في رسالة إلى المستثمرين، من كتاب صامويل هنتنغتون "صدام الحضارات": "لم يكن صعود الغرب ممكنا بفضل تفوق أفكاره أو قيمه أو دينه، بل بفضل تفوقه في استخدام العنف المنظم. الغربيون كثيرا ما ينسون هذه الحقيقة، أما غير الغربيين فلا ينسونها أبدا".

وفي مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز"، كانت نصيحة كارب بأن "ترعب خصومك حتى النخاع"، متسائلا: "هل نحن أقوياء بما يكفي لإرعاب خصومنا حتى لا نذهب إلى الحرب؟ هل يعتقد الصينيون والروس والفرس أننا أقوياء؟". وكان من حدة لغة كارب أن جعلت الصحافية مورين داود تقول إن المقابلة كانت "مفعمة بالشوفينية الأميركية".

إذا كانت نقاط كارب الاثنتان والعشرون قد أثارت ضجة أكبر بكثير حتى من أشد نوبات مالك منصة "إكس" نزقا، فذلك يعود إلى حد كبير إلى ما تحمله من نزعة شوفينية أميركية. وقدمت فيكتوريا كولينز، النائبة عن "حزب الديمقراطيين الأحرار" البريطاني، مثالا على هذا الرد. فقد اتهمت "بالانتير" بأن لديها "دوافع أيديولوجية عارية" وتظهر "افتقارا إلى احترام حكم القانون الديمقراطي"، وخلصت إلى أن الشركة "ينبغي أن لا تقترب إطلاقا من خدماتنا العامة".

أليكس كارب يندد بمعاداة السامية التي يقول إنها استولت على الجامعات. ويصف المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين بأنهم أتباع "ديانة وثنية" و"عدوى داخل مجتمعنا"

ومع ذلك، لن تصل إلى هذا الاستنتاج إذا قرأت مقدمة "الجمهورية التكنولوجية" (The Technological Republic)، فهناك، وبنبرة موزونة، يتحدث كارب عن الدفاع عن الغرب وقيمه الديمقراطية: "إن شرعية الحكومة الأميركية والأنظمة الديمقراطية في أنحاء العالم ستتطلب، بالفعل، زيادة في الناتج الاقتصادي والتقني، وهي زيادة لا يمكن تحقيقها إلا عبر تبني التكنولوجيا والبرمجيات بكفاءة أكبر".

وسواء كان المرء مولعا بالمجمع الصناعي العسكري أم لا، فمن الصعب المجادلة في الرأي القائل إن الحرب شهدت تحولا في السنوات الأخيرة. ويتابع كارب في مقدمته: "إن أحد أهم التحديات التي نواجهها في هذا البلد هو ضمان أن تتجاوز وزارة الدفاع الأميركية طبيعتها كمؤسسة صممت لخوض الحروب الحركية والانتصار فيها، كي تصبح منظمة قادرة على تصميم أسلحة الذكاء الاصطناعي وبنائها واقتنائها، من أسراب الطائرات المسيرة غير المأهولة إلى الروبوتات التي ستهيمن على ميدان المعركة المقبل. القرن الحادي والعشرون هو قرن البرمجيات. ومصير الولايات المتحدة وحلفائها يتوقف على قدرة أجهزتهم الدفاعية والاستخبارية على التطور، وبسرعة".

رويترز
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لشركة بالانتير، في جلسة نقاشية ضمن فعاليات منتدى ريغان للدفاع الوطني في سيمي فالي، الولايات المتحدة الأميركية، في 7 ديسمبر 2024

إنها نبرة إرميا، وإن جاءت هذه المرة بقدر من اللطف. ورغم أن شيئا فيها لا يبدو مصمما لطمأنة أحد أو ضمان نوم هانئ، فإنها أقرب إلى دعاية مؤسسية متوترة منها إلى نبوءة آخر الزمان. وليس مستغربا أن يصدر هذا النوع من الكلام عن شركة وُلدت أصلا في حضن الاستخبارات العسكرية الأميركية.

يدافع أنصار "بالانتير" بالقول إن الشركة لا تهدد بياناتنا الشخصية، ولا بيانات بريطانيا أو غيرها، بل لا تفعل أكثر من إصلاح أعطال البيروقراطيات الثقيلة وتحديث تمديداتها. ويستعير روري ستيوارت، المعلّق الرصين في بودكاست "The Rest Is Politics"، هذا التشبيه، محذرا من أن الخطر الحقيقي يطال السيادة الوطنية. وقد كشفت التوترات الأخيرة في "العلاقة الخاصة" بين لندن وواشنطن هشاشة الاعتماد على "سباكين" أميركيين قادرين، ببساطة مقلقة، على سحب السدادة من تحت أقدامنا.

وهنا تكمن عقدة المسألة بالنسبة إلى منتقدي "بالانتير" في بريطانيا: قلق جديد من أميركا نفسها. فبعد أن كانت الصحافة البريطانية ترتجف من "الدجاج المعالج بالكلور" خلال مفاوضات التجارة، بات الخوف اليوم من خطاب صريح عن غرب محاصر، وعن ثقافة وقيم تزعم تفوقها على ثقافات البلدان الأقل نجاحا، وعن واجب أخلاقي في البقاء مهيمنا عليها. ويزداد الانقباض حين يدرك البريطاني أن هذا الخطاب يشمله هو أيضا.

ولا يساعد الأمر أن أليكس كارب بدأ يبدو أقرب إلى ذلك الأستاذ المجنون الذي استعار شعره المستعار، وهو يندد بمعاداة السامية التي يقول إنها استولت على الجامعات. أو حين يصف المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين بأنهم أتباع "ديانة وثنية" و"عدوى داخل مجتمعنا". أو حين يشكو من مختلف أنواع سياسات "الووك". ما العبارة التي كان ماسك مولعا بترديدها؟ آه، نعم، "فيروس عقل الووك".

في لحظات كهذه، يبدو كارب كأنه يخوض نقاشا محتدما في ستانفورد، وربما بعد كأس أو اثنتين، لا كأنه يكتب أطروحة محكمة عن الطريق الذي ضل فيه وادي السيليكون حين قطع صلته بواجباته الوطنية واستسلم لعبادة المال. فهو قادر، في لحظة، على أن يبدو معقولا تماما، كما حين يرثي الطريقة التي استنزف بها الوادي جيوشا من المهندسين الموهوبين "لمجرد بناء تطبيقات لتبادل الصور وواجهات دردشة للمستهلك الحديث". ثم لا يلبث، في اللحظة التالية، كما في مقابلة مع مجلة "وايرد" (Wired) في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أن يقول إنه لو واجهه أحد أفراد عائلته المختلفين معه: "لشرحت له أن قرارات ترمب في الذكاء الاصطناعي والشرق الأوسط مختلفة جدا عما كان الديمقراطيون سيفعلونه، وأنها جيدة جدا". ثم يضيف، بلا تردد، أنه سيعد "الحزب الديمقراطي" قد غادره إذا تولى جناح زهران ممداني زمامه.

بما أن "بالانتير" شركة برمجيات متخصصة في تكامل البيانات وتحليلها ومنصات الذكاء الاصطناعي، في المجالين العسكري والمدني معا، فمن الطبيعي أن يحيط الغموض بما تقدمه لعملائها

الكلام وفي مقابلة مع كاتب سيرته مايكل شتاينبرغر، يعزو كارب خيبته من "الحزب الديمقراطي" إلى مواقفهم من الهجرة وإيران ومعاداة السامية... "يتحدثون طوال الوقت عن العنصرية، لكنهم لا يتحدثون عن معاداة السامية"، يقول. وقد دفعته أحداث الشرق الأوسط إلى الابتعاد أكثر عن اليسار. ويؤكد شتاينبرغر أن كارب كان "قلقا" على نحو خاص من الاحتجاجات المناهضة لإسرائيل بعد هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. غير أن قلق رجل يملك شركة مثل "بالانتير" يمكن أن يتخذ شكلا عمليا جدا، إذ يُقال إن الشركة ساعدت في استهداف "إرهابيين" خلال القصف الإسرائيلي الوحشي على غزة.

وبما أن "بالانتير" شركة برمجيات متخصصة في تكامل البيانات وتحليلها ومنصات الذكاء الاصطناعي، في المجالين العسكري والمدني معا، فمن الطبيعي أن يحيط الغموض بما تقدمه لعملائها. فمن يدري إلى أين تمضي الأمور، وما إذا كان الذكاء الاصطناعي خطرا وجوديا على النوع البشري أم مجرد فقاعة هائلة تقترب من الانفجار؟ ربما، وربما فقط، يعرف رئيس بالانتير.

ويزيد اسم الشركة الغريب من هالة الغموض. فهو مشتق من لغة ابتكرها ج. ر. ر. تولكين في "سيد الخواتم" (Lord of the Rings)، ووفق اشتقاق الجان، يعني مقطع "palan" البعيد، فيما يعني مقطع "tir" الرؤية. وتُطلق الكلمة على الكرات البلّورية، أو الأدق على الأحجار الكروية، القادرة على رؤية الماضي وعبر المسافات الشاسعة.

وتشرح موسوعة "ويكيبيديا" الرقمية أنه، في حين تُظهر هذه الأحجار أشياء أو أحداثا حقيقية، فإن مستخدميها يحتاجون إلى "قوة عظيمة من الإرادة والعقل" كي يوجّهوا نظر الحجر إلى أقصى طاقته. ويبدو أن أليكس كارب يمتلك بالتأكيد قوة الإرادة اللازمة. بل إنه، تبعا لموقعك السياسي، قد يمتلك عقلا قويا أيضا. غير أن المدخل نفسه يمضي إلى القول إن هذه الأحجار دليل غير موثوق للعمل. فالخطر يكمن في أن من يملكون قوة كافية يستطيعون أن يختاروا ما يعرضونه وما يخفونه عن الأحجار الأخرى.

ولا نعرف حقا كم من هذا الكلام عديم المعنى ينطبق على الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير". ففي التلفزيون، حين يُسأل المعلقون عن المستقبل، يعتذرون قائلين إنهم لا يملكون كرة بلّورية. أما أليكس كارب، فليس معلقا عاديا. إنه يملك واحدة بالفعل.

font change