بغداد المفقودة أبدا في "مزور الذكريات" لعباس خضرhttps://www.majalla.com/node/331164/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D8%A8%D8%BA%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D9%82%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D8%A3%D8%A8%D8%AF%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B2%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3-%D8%AE%D8%B6%D8%B1
تبدو بغداد في رواية "مزور الذكريات" للروائي العراقي عباس خضر مفقودة أبدا عند شخصية الرواية الرئيسة سعيد الواحد. فسعيد كما يظهر في الرواية التي صدرت حديثا عن "منشورات المتوسط "في إيطاليا (بترجة سمير جريس) يحاول أن يعود مرارا من منفاه في ألمانيا إلى المدينة التي عاش فيها طفولته وشبابه، لكنه يواجه أسبابا تدفعه إلى عدم التفكير في العودة لزيارة أسرته، وآخرها أمه التي جاء ليلقي النظرة الأخيرة على جثمانها بعدما كان قد علم باحتضارها.
حين يخبره أخوه حكيم بأن أمه تحتضر، يقرر سعيد فورا التوجه إلى مطار فرانكفورت، ومنه إلى بغداد عبر مطار آخر. وخلال مدة الرحلة يستذكر حياته في ميونيخ وبرلين، كما يستعيد ذكرياته العائلية في بغداد ورحلته الأولى عبر الأردن ومصر وليبيا واليونان وصولا إلى ألمانيا. هذا هو زمن الرواية، لكنه زمن يمتد عبر الذكريات إلى أزمنة أخرى. يرى السارد العليم أن من الصعب على سعيد أن يجمع شتات ذاكرته، لذا يلجأ إلى الخيال، أو تزوير الذكريات، حسب العنوان، باعتبار أن سعيد سبق له أن كتب أعمالا قصصية وشارك في ندوات لفتت اهتمام الحضور.
الرجل الأبيض
هناك وجهتان سرديتان شكلتا تفاصيل الرواية، أو حياة سعيد، الأولى تتمثل في معاناته كشخص جاء إلى ألمانيا من بلد وثقافة مختلفين، والثانية حال العراق الذي صارت الطائرات تذهب إليه فارغة وتعود منه ممتلئة.
الوجهة الأولى تبدو من خلال حساسية سعيد تجاه كل إنسان "أبيض" في البلد الذي يعيش فيه ألمانيا، وربما تكون هذه الحساسية انعكاسا لنظرة "البيض" تجاه كل من هو "أجنبي" وذو بشرة مختلفة.
سلاسة السرد وانزياحاته من خلال الأسئلة والمفارقات أعطت الرواية تميزا فنيا قل أن نجده في عشرات الروايات التي تناولت موضوع اللجوء
هكذا، نجد عبارات كثيرة تتحدث عن "الرجال البيض" ونظرتهم الى كل من يختلف عنهم، "كان من الأفضل أن ينجز أبناء البلد ذوو البشرة البيضاء مثل هذه الأمور في ما بينهم: البحث عن سكن، والمواعيد بأنواعها كافة، فشخص مثل سعيد عليه ألا يقوم بأي إجراءات رسمية بمفرده، هذا مجال أبناء البلد". والأجانب "بحاجة إلى المحليين البيض"، وهناك رؤساء الأقسام البيض و"حماة القانون البيض". وفي أي مكان في الشارع قد "يظهر شرطيان يتركان ذوي البشرة الفاتحة والشقر في حالهم ويشيران مباشرة إلى سعيد: بطاقة الهوية من فضلك".
وهو يعاني أولا في وضعه كلاجئ حين يبلغ بانتهاء الصفة التي يحملها لأن الأوضاع استتبت في العراق، فيما كانت الأخبار تتحدث عن "معارك شرسة في الشوارع". كما يعاني بعد أن يحصل على الجنسية الألمانية، حيث يصير في حال تحقق دائم مما إذا كانت له جنسية أخرى، وهل يجيد الألمانية، "هل سيسأل الشرطي رجلا أبيض معه جواز سفر ألماني ما إذا كان يتحدث الألمانية؟". ويصير على استعداد دائم لمواجهة أي تغيرات مع الانتخابات أو غيرها، "لماذا يجب عليه أن يفعل ذلك من الأساس؟ لماذا ينبغي له هو تحديدا أن يعيش إلى الأبد مع هذا الشعور بعدم الأمان؟".
تبدو الإشكالية متنامية مع ظهور أولئك الذين يستعيدون تجربة النازية بشكل معاصر ويتمنون أن يأتي يوم يجيء فيه شخص مماثل لسلفهم النازي يعيد الأفارقة والعرب إلى بلدانهم.
رجل يجلس في صالة المغادرة في مطار فرانكفورت
دون عودة
في زيارات سعيد الثلاث للعراق يندهش من استعجال أقربائه له العودة حالا من حيث جاء. يخاف أخوه عليه من الميليشيات، ومن أسباب كثيرة قد تؤدي إلى إعاقة عودته. يتذكر سعيد قول أمه، حين غادر العراق لأول مرة: "لا تعد أبدا". كانت أمه "تخشى لحظات السعادة، وتشعر بالخوف إذا كانوا بخير طوال فترة من الزمن". فعندما رحل آنذاك "كانت البلاد حفرة من اليأس، وبعد عقدين أمست حفرة من انعدام الأمل".
فهو ابن لشخص أعدمه الديكتاتور بتهمة الخيانة ولا يعرف أين دفن. وحين أبلغت الأجهزة الأمنية أمه بإعدامه، أمرتها بألا تبكي أو تصرخ، وألا تقام مجلس عزاء. "بعد الإعدام وجدت العائلة نفسها على درجة بائسة من درجات الوجود، لقد كان الأب خائنا، والعديد من المواطنين اعتبروه وصمة عار في جبين الوطن، ولم تحصل العائلة على راتب تقاعدي، أو على تعويض من الدولة، أو أي شيء من هذا القبيل. وتملك الخوف الجيران والأقارب والأصدقاء، ولم يعد أحد يتحدث معهم، أو يلقي عليهم التحية، إذ كلهم كانوا من رجال الأمن، ومن المخبرين. فأمست العائلة مثل المرض المعدي، وكل من يقترب منها يصبح محل شبهات".
عراقي يحمل جواز السفر العراقي من فئة G في عمّان
لم يتغير الحال كثيرا بعد سقوط الديكتاتور، فتبدلت صورته بصور زعامات الميليشيات و"الإمام"، وهو ما أدى بسعيد في زيارته السابقة إلى اتخاذ قرار سريع بالعودة إلى ألمانيا وألا يعيش في المستقبل في العراق، "في السنوات الماضية كلها كان يتخيل عودته يوما ما إلى الوطن، والاستقرار هناك، ويشعر بحنين كبير. كان ذلك حلما رافقه سنوات عديدة، والآن يتحطم مثل مرآة تتهشم وتتحول إلى شظايا. شعر بالغربة في قلب بغداد على نحو أقوى مما شعر بها في البلدان البعيدة".
مشهد عام لبغداد على ضفاف نهر دجلة
وهي تبدو غربة جماعية، حيث يقول له شرطي المطار "لو كنت مكانك لما عدت قط! لماذا جئت؟". وهكذا، توفيت أخته نبيلة وبعدها أمه دون أن تتعرفا الى زوجته الألمانية أو الى ابنه الذي يسأله متى سنذهب إلى بغداد؟
أسئلة الذاكرة
بما أن الرواية تقوم على تقنية الإيهام بأن شخصية الكاتب (سعيد) تجمع بين السرد الواقعي والخيال، كتعويض عن فقد ذاكرته للكثير من التفاصيل، فإن الأوصاف والأسماء والأحداث توضع في إطار أسئلة تؤكد لا يقينية السرد، فنقرأ مثلا: "هل ما زال مطار بغداد يعمل بالفعل؟ في أي حرب تم إغلاقه؟"، أو "ما اسم الشاب؟ لم يستطع سعيد تذكر الاسم، أو ملابسه، أو كيف بدت الغرفة، لكنه يتذكر أسنان الشاب، إذ كانت ناصعة كالثلج، ومستوية كأسنان المشط. لماذا يتذكر الأسنان؟".
لذا، فإن سلاسة السرد وانزياحاته من خلال الأسئلة والمفارقات أعطت الرواية تميزا فنيا قل أن نجده في عشرات الروايات التي تناولت موضوع اللجوء والهجرة والسفر عبر الحدود.
مبنى سكني مهجور في مدينة شويدت شرق ألمانيا، 2005
هذه رواية عن غربة الإنسان في وطنه وفي البلد البديل من وطنه. وهي في هذا المنحى تكشف عن التسلط القمعي الذي يتوارث من الأنظمة الديكتاتورية إلى سلطات الميليشيا، وكلها طاردة لأبناء وبنات البلد، كما تكشف عن زيف الادعاءات الكبرى في شعارات الأخوة البشرية والمساواة، حيث الفوارق ما زالت صارخة ومتنامية بسبب اللون أو أصل المنشأ.