بعد التوقعات العالية التي أثارتها قمة الصين الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، بدا وصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لاحقا إلى بكين حدثا أكثر رصانة وأقل تفاؤلا. ففي حين كان الهدف الأساسي من قمة ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ في وقت سابق من هذا الشهر تطوير روابط تجارية أوثق، كان حل النزاع مع إيران أحد الملفات التي هيمنت على مناقشاتهما الخاصة.
ومع تعرض ترمب لضغط داخلي متزايد لإنهاء حرب يزداد رفض الناخبين الأميركيين لها، وبدء ظهور تداعيات إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد الصيني، بات لدى الزعيمين مصلحة مشتركة في تسوية الأزمة. وكان ترمب يأمل أن يكون شي، في ضوء اعتماد بكين الكبير على واردات النفط الإيراني لتغذية اقتصادها، مستعدا لاستخدام نفوذه لدفع طهران إلى طاولة المفاوضات.
لكن القمة انتهت من دون اختراق واضح في ملف إيران، إذ ظل الزعيمان غامضين بشأن تفاصيل مناقشاتهما. وفي مقابلة لاحقة مع "فوكس نيوز"، قال ترمب إنه يعتقد أن الزعيم الصيني يرغب في رؤية مضيق هرمز مفتوحا، وأضاف: "إذا استطعت أن أكون عونا بأي شكل، فأود أن أساعد".
وكانت وزارة الخارجية الصينية أكثر غموضا، إذ اكتفت بإصدار بيان يدعو إلى "وقف إطلاق نار شامل ودائم". وأضافت: "ينبغي إعادة فتح ممرات الشحن في أقرب وقت ممكن استجابة لنداءات المجتمع الدولي".
في المقابل، ركز ترمب على المكاسب التجارية المحتملة التي قد تجنيها الولايات المتحدة من القمة. وبدا ذلك جليا في إصراره على جعل التجارة محور زيارته إلى بكين، إذ رافقه وفد من كبار قادة الأعمال في مجالات الزراعة والطيران والمركبات الكهربائية ورقائق الذكاء الاصطناعي. واختتم ترمب زيارته بالقول إنه أبرم "صفقات تجارية رائعة، مفيدة للبلدين"، رغم أن تفاصيل قليلة جدا أُعلنت بشأن ما اتفقت عليه القوتان العظميان.
على الرغم من التفاوتات في الشراكة التجارية بين البلدين، لا تزال الصين وروسيا تنظران إلى تحالفهما بوصفه حصنا ضروريا في وجه محاولات إدارة ترمب الهيمنة على جدول الأعمال الدولي
وعلى النقيض من ذلك، بدت زيارة بوتين، التي جاءت بعد أيام قليلة من مغادرة ترمب بكين، أقرب إلى استعراض لقوة العلاقات بين روسيا والصين، حتى لو أصبحت الروابط بين البلدين منذ اندلاع حرب أوكرانيا في فبراير/شباط 2022 أكثر ميلا لمصلحة بكين. وكان دعم الصين لموسكو حاسما في استمرار المجهود الحربي الروسي، إذ تشير التقديرات إلى أن الصين اشترت نفطا روسياً بنحو 372 مليار دولار منذ بداية النزاع.
كما اشترت الصين جزءا كبيرا من النفط والغاز الروسيين بخصومات كبيرة، مستفيدة من محدودية خيارات روسيا التصديرية بفعل العقوبات الدولية المفروضة على قطاع الطاقة لديها. ورغم أن بوتين هو الشريك الأضعف في العلاقة مع الصين، حرص الرئيس الروسي على التشديد على أهمية الروابط الثنائية خلال زيارته الرسمية الخامسة والعشرين إلى الصين منذ توليه الرئاسة. وحقيقة أن أربع عشرة زيارة من هذه الزيارات جاءت منذ أن أصبح شي زعيم البلاد في عام 2013 تظهر الأهمية التي يوليها بوتين لهذه الشراكة الاستراتيجية الحيوية.
وعلى الرغم من التفاوتات في الشراكة التجارية بين البلدين، لا تزال الصين وروسيا تنظران إلى تحالفهما بوصفه حصنا ضروريا في وجه محاولات إدارة ترمب الهيمنة على جدول الأعمال الدولي. وقد بدا ذلك واضحا حين استقبل شي الرئيس الروسي بمراسم استقبال عسكرية كاملة في ساحة تيانانمن، بعد أقل من أسبوع على استضافته ترمب في بكين.
وجدد الزعيمان التأكيد على قوة علاقتهما، محذرين القوى الغربية من أنها لم تعد قادرة على السيطرة على الشؤون العالمية بروح الحقبة الاستعمارية. وقالا في بيان مشترك: "يواجه جدول أعمال السلام والتنمية في العالم مخاطر وتحديات جديدة، ويبرز خطر تفتت المجتمع الدولي والعودة إلى قانون الغاب". وأضاف البيان: "فشلت محاولات عدد من الدول في إدارة الشؤون العالمية من طرف واحد، وفرض مصالحها على العالم بأسره، وتقييد التطور السيادي للدول الأخرى، بروح الحقبة الاستعمارية".
ورغم أن البيان لم يسم أي دولة، أدانت الصين وروسيا ما تعتبرانه نهجا استعماريا تتبعه الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون، مثل استخدام العقوبات الاقتصادية للرد على قضايا الأمن العالمي، من أوكرانيا إلى إيران. وبينما لم ترد أي إشارة إلى الحرب في أوكرانيا، طُرحت مسألة الحرب الأميركية ضد إيران، إذ دعا شي إلى وقف فوري لإطلاق النار في الحرب الأميركية ضد إيران، وأبلغ بوتين أن اتساع الصراع في المنطقة غير مستحسن. وقال: "وقف إطلاق النار الشامل بالغ الإلحاح، واستئناف الأعمال القتالية أبعد ما يكون عن الحكمة، والحفاظ على المفاوضات بالغ الأهمية".
ورغم سعي الزعيمين إلى إظهار جبهة موحدة حيال القضايا العالمية، سيكون بوتين قد غادر بكين- مع ذلك- شاعرا بخيبة أمل لعدم تحقيقه تقدما أكبر في إقناع بكين بالموافقة على خط أنابيب الغاز "قوة سيبيريا-2"، وهو مشروع قيد النقاش منذ 20 عاما، ويهدف إلى نقل ما يصل إلى 50 مليون متر مكعب من الغاز سنويا من حقول يامال الروسية عبر منغوليا إلى الصين.
ويمثل ذلك نحو 12 في المئة من الاستهلاك السنوي للصين من الغاز، لكن الطرفين عجزا حتى الآن عن إتمام الاتفاق بسبب خلافات تتعلق بالسعر ومسار الخط. وكانت التوقعات قد ارتفعت قبل زيارة بوتين بإمكان التوصل أخيرا إلى اتفاق، إذ عُدت صعوبات روسيا الاقتصادية- إلى جانب رغبة الصين في تنويع الإمدادات بعيدا عن الخليج بعد حرب إيران- عوامل قد تدفع الطرفين نحو اتفاق.
لكن في نهاية المطاف، لم يجر التوصل إلى اتفاق، إذ قال المتحدث الصحافي الروسي ديمتري بيسكوف: "ما تزال بعض التفاصيل بحاجة إلى تسوية". ويمثل عدم تطرق شي حتى إلى خط الأنابيب المقترح خلال قمته مع بوتين ضربة كبيرة للرئيس الروسي، ويظهر مجددا أنه، في ما يتعلق بالتحالف بين موسكو وبكين، تبقى الصين الشريك المهيمن.