بين "متروبوليس" فريتز لانغ و"أشياء مسكينة" ليورغوس لانثيموس

تطور عالم الآلة والعبودية والتكنولوجيا خلال مئة عام

"متروبوليس" و"أشياء مسكينة"

بين "متروبوليس" فريتز لانغ و"أشياء مسكينة" ليورغوس لانثيموس

يعد فيلم "متروبوليس" للمخرج النمساوي فريتز لانغ (1927) واحدا من أهم الأفلام على مدار تاريخ السينما، فهو من الأفلام المؤسسة لسينما الخيال العلمي واعتُبِر مرجعا لها في زمنه كما تأثرت به أشهر أفلام الخيال العلمي الحديثة، مثل "ستار وورز" و"بليد رانر" وغيرها الكثير. وإن قلنا إن هناك ثلاثة أفلام في حقبة السينما الصامتة قد أثرت على كل الإرث السينمائي الذي تلاها فهي، "حجرة الدكتور كاليغاري" (1920) لروبرت فيني، "المدرعة بوتومكين" (1925) لسيرغي آيزنشتين و"متروبوليس"، وهو اقتباس لرواية تيا فون هاربو، زوجة فريتز لانغ، التي بدأت بكتابتها عام 1925 وتزامنت مع كتابة سيناريو الفيلم وحتى صناعته.

تصور كابوسي لعام 2026

تدور أحداث "متروبوليس" في العام 2026 فنرى مدينة متطورة بشكل غير مسبوق، ويبدأ الصراع حين يعجب فريدر، ابن مالك ومخطط المدينة جو فرديرسن، بالعاملة المتمردة ماريا. ينزعج فرديرسن من نشاط ماريا فيطلب من صديقه العالم المجنون روتوانغ اختطافها واستبدالها بآلة تشبهها لتضليل العمال وإبعادهم عن ثورتهم.

بالرجوع إلى كل من الرواية والفيلم، نجد أن غالبية التكهنات السوداوية فيهما حول المستقبل لا تبدو بعيدة عن واقعنا الراهن. ففي الفيلم مثلا نرى جو فريدريسن مالك المدينة يعيش مع النخبة في برج عاجي في وسط المدينة التي يتجسد فيها أثر التطور والتكنولوجيا بشكل لافت في مبان شاهقة وعربات طائرة وجسور معلقة وآلات شديدة التطور، بينما نرى العمال طوال الوقت تحت الأرض يعانون برفقة الآلات، وهي صورة لا تختلف عن الواقع المعاصر الذي اتسعت فيه الفوارق الطبقية الى درجة وجود مسميات واضحة ومسلم بها مثل عالم أول وعالم ثالث.

يعد فيلم كوبولا "ميغالوبوليس"المحاكاة الأقرب لفيلم فريتز لانغ، وإن كان نصيب هذا الأخير الفشل التام

 سينمائيا، رأينا تلك الصورة تتكرر في أفلام أخرى مثل "أوقات حديثة" (1936) لشارلي شابلن الذي نرى فيه العامل يتحد حرفيا مع الآلة ويكون جزءا منها، كما نرى فكرة العيش تحت الأرض في فيلم "أندرغراوند" (1995)، للمخرج الصربي إمير كوستاريتسا. ويعد فيلم فرنسيس فورد كوبولا "ميغالوبوليس" المحاكاة الأقرب لفيلم فريتز لانغ، وإن كان نصيب هذا الأخير الفشل التام نقديا وجماهيريا على السواء.

Imdb
مشهد من "متروبوليس"

أما عن الآلة المضللة التي رأينها تحل محل ماريا في الفيلم، فنجد ذلك متمثلا في التطور السريع والمرعب للذكاء الاصطناعي، والحديث المستمر حول خطره على البشر والتخوف من أن يحل محلهم، وهو ما نراه في الفيلم حين تحل الآلة التي صنعها روتوانغ محل ماريا وكيف يودي ذلك بالعمال للهلاك، فيما يخدم ذلك كله مصلحة فرديرسن.

غوبلز وهتلر بالمرصاد

لم يكن فريتز لانغ مخرجا عاديا، فلقد كان من رواد التعبيرية الألمانية في فترتيها، فمثلما أخرج في عهد جهورية فايمار الأولى أفلاما مثل "قدر" (1921) و"دكتور مابوزو المقامر" (1922) شارك في عهد فايمار الثاني بفيلمين اعتبرا الأهم على الإطلاق فيها، "متروبوليس"، و M (1931). وفيما عد الأول من الأفلام الرائدة في سينما الخيال العلمي، عد M أول فيلم يقدم شخصية القاتل المتسلسل ويتوغل في نفسيته، وقد قدمه لانغ بحرفية وإتقان شديدين عبر الأساليب والسمات الطليعية لسينما التعبيرية الألمانية. وبالمثل كان "متروبوليس". فعلى مستوى الصورة كان مختلفا كل الاختلاف بمقاييس عصره، وذلك بسبب خلفية لانغ المعمارية التي انعكست بوضوح أيضا في تصاميم المدينة الخارجية، وحتى في المصنع القائم تحت الأر.، وعبر التكوينات الذكية جدا رفقة التصاميم التي نفذت بحرفية عالية وغير مسبوقة، اكتسب الفيلم طابعا شكليا لا يزال مميزا إلى يومنا.

 JOHN MACDOUGALL / AFP
نسخة مرممة من فيلم "متروبوليس" لفريتس لانغ تُعرض على بوابة براندنبورغ خلال مهرجان برلين السينمائي، 2010

لكل ذلك، اكتسب الفيلم خصوصية كبيرة في عصره، كما أنه، وبالإضافة إلى موضوعه وشكله الطليعيين، تعددت طبقاته، فمثلا نرى البعد اللاهوتي في شخصية ماريا التي تبشر بقدوم مخلص للعمال. ونرى في المقابل الروبوت ماريا وهي ترقص فوق مجسم تنين بسبعة رؤوس، وتلك الصورة نجدها مستقاه حرفيا من "سفر الرؤيا"، بجانب البرج العاجي الذي يقع في وسط المدينة والذي يحيل على برج بابل ويشير إلى المسافة الكبيرة بين طبقة تسكن ذلك البرج في مدينة متروبوليس وطبقة أخرى تعيش تحت الأرض. وهنا يتجسد أيضا الصراع الطبقي الذي يؤدي من منظور اشتراكي إلى صراع طبقي حتمي.

 AFP
صورة تعود إلى عام 1965 للمخرج النمساوي الأصل فريتس لانغ، صاحب فيلم "متروبوليس" وأحد أبرز رواد السينما الألمانية


ما كان لافتا في الفيلم خاصة لهتلر ووزير إعلامه جوزيف غوبلز، هو الحل النهائي الذي اختاره لانغ وزوجته هاربو، وهذا ما يعبر عن نقد واضح للحل الشيوعي المتمثل في ثورة البروليتاريا، فنرى في الأخير فرديرسن يصافح غروات قائد العمال في معاهدة صلح أخيرة بينهما من أجل مصلحة المدينة.
كانت المفاجأة بعد ذلك رفض لانغ دعوة غوبلز بأن يكون مخرج النازية الأول، وبناء عليه ترك لانغ ألمانيا وذهب إلى هوليوود ليصنع اسما خالدا في حقبتها الذهبية. أما زوجته وكاتبة السيناريو تيا فون هاربو فاختارت موالاة النازية، وبرز بعد ذلك اسم المخرجة ليني ريفنتشال بوصفها المخرجة الأهم في الحقبة النازية.



راديكالية لانثيموس

بعد مرور ما يقارب المائة العام على فيلم "متروبوليس"، صدر للمخرج اليوناني يورغوس لانثيموس عام 2023 فيلم "أشياء مسكينة"، من بطولة إيما ستون ومارك رافالو وويليام دافو، ويرصد رحلة الفتاة بيلا في استكشاف العالم الخارجي بعدما انتحرت في حياتها السابقة وأعاد إحياءها العالم الفذ غادوين باكستر.
نلمس الأثر الكبير لفيلم فريتز لانغ على فيلم لانثيموس، على مستوى الفكرة والمضمون وحتى الشكل، وفي الوقت نفسه نلمس اختلافات طفيفة وأخرى جذرية في فيلم لانثيموس، مما يذكرنا بأن السينما دائما ما كان لها سحرها الخاص، وهو سحر كامن في قابليتها اللامحدودة للتجدد وإعادة القراءة بشكل مختلف في كل مرة.

رفض لانغ دعوة غوبلز بأن يكون مخرج النازية الأول، وبناء عليه ترك لانغ ألمانيا وذهب إلى هوليوود ليصنع اسما خالدا في حقبتها الذهبية

في فيلم لانثيموس نرى موتيفات أولية كثيرة كانت بمثابة حجر الأساس في فيلم لانغ، فمثلا لا يختلف الخالق هنا وهو غادوين باكستر عن العالم المجنون روتوانغ، ولا تختلف محاولة باكستر إعادة الحياة الى بيلا منطلقا من نزعة أنانية عن محاولة استبدال ماريا بآلة من قبل روتوانغ، كما لا يختلف محب بيلا دونكان (مارك رافالو) عن الابن المحب فريدر في فيلم لانغ. لكننا نلمس تباينا طفيفا بين شخصيات لانثيموس ونظيراتها في فيلم لانغ، يتجاوز فكرة الاقتباس أو الإحالة، وهو تباين يعكس فارق الزمن ويشير بشكل واضح إلى تحول الخطاب السينمائي وإعادة تشكل الرؤية الإنسانية المعاصرة. ففي الرجوع إلى فيلم لانغ، نرى الشخصيات نمطية كثيرا، ومختزلة في جانب أحادي، وهي نمطية تقترب من الكاريكاتورية، فنجد أنماطا مثل "العالم المجنون" و"المحب الوله" و"الحاكم المتسلط" و"القديسة الحسناء"، جميعها أنماط أولية تختزل جانبا واحدا من البشر، وعند النظر الى وقت صدور فيلم لانغ، فقد كان في أوج العصر الذهبي للميلودراما التي تختزل البشر في جوانب أحادية، وكان شغلها الشاغل هو خطاب أخلاقي يعود بالعالم إلى اتزانه لا سيما بعد الحرب العالمية الأولى.

Imdb
من فيلم "أشياء مسكينة"

أما شخصيات فيلم لانثيموس فمناقضة ذلك، فالخالق وهو باكستر يعاني من ضعف إنساني شديد متمثل في إعاقة جسدية واضحة وعاطفة داخلية رقيقة وهشة تجاه بيلا تقوده إلى المرض بعد هروبها، فيما نجد المحب الوله وقد تحول إلى رجل خائن ومتلاعب متمثلا في شخص دونكان، وفي الوقت نفسه نرى بيلا وقد تحررت من الصورة الكلاسيكية للمرأة التقليدية المتحفظة. هنا نرى قلبا للأدوار، خاصة عندما يتحول دونكان من رجل متلاعب إلى محب وعاشق معذب ومجنون بسبب حبه لبيلا، فيما الأخيرة لا تأبه بحبه.
موتيفة ثانية واضحة في فيلم لانثيموس وهي إحالة على فيلم لانغ والمدرسة التعبيرية الألمانية كلها، وهي "صناعة الوحش"، ومثلما نراها عند لانغ نراها أيضا في أفلام مثل "حجرة الدكتور كاليغاري" و"الغوليم" (1920) لبول فيغنر و "فاوست" (1926) لمورناو وغيرها الكثير. في فيلم لانثيموس نرى بالمثل عملية صناعة الوحش مع إحالة بصرية واضحة على فيلم لانغ متمثلة في اللحظة التي يعيد فيها باكستر بيلا إلى الحياة. هنا أيضا يختلف لانثيموس، فالوحش، أي بيلا، متمرد منذ اللحظة الأولى على صانعه ولا يطول الوقت حتى يتحرر منه نهائيا، وهذا ما لم نجده في أعمال التعبيريين الألمان.

Imdb
من "أشياء مسكينة"

أما على مستوى الزمن والرحلة، فبينما نتوغل في مدينة متروبوليس بوصفها مدينة مستقبلية ديستوبية، نرجع في فيلم لانثيموس إلى الماضي ونراه يخلق عصرا فيكتوريا بديلا، لنجد العالم كله وقد تحول إلى هجين غريب بين الماضي المنصرم والتكنولوجيا المتطورة، يحكمهما نظام شديد التعقيد. وبالطبع نرى التأثر الواضح في الفيلم بعوالم التعبيرية الألمانية، منعكسا في شكل المدن والأزقة والغرف الداخلية، فنرى الخطوط المستقيمة مشوهة، فيما تكثر الانحناءات والأشكال الهندسية، وهو اقتداء واضح بأسلوبية وسمات التعبيريين الألمان.

نلمس الأثر الكبير لفيلم فريتز لانغ على فيلم لانثيموس على مستوى الفكرة والمضمون وحتى الشكل، وفي الوقت نفسه نلمس اختلافات طفيفة وأخرى جذرية

تأتي نهاية فيلم لانثيموس كخطاب مغاير تماما لنهاية فيلم متروبوليس، فبينما نرى ماري عند لانغ مسالمة ومهادنة، ولا تظهر بسلبية تامة إلا في النهاية بكونها "داعمة" فقط وليس لها مكان حقيقي بين الرجال الثلاثة لتقرير مصير ومستقبل المدينة، نرى بيلا وقد تمردت بالكامل على كل رجال عالمها. فغادوين يرحل بسلام تاركا لها كل شيء، في حين يجن جنون دونكان بسببها، أما الجنرال بليسينغتون زوجها السابق فقامت بترويضه كماعز، لتتجلى النهاية في شكل ثورة راديكالية صنعتها بيلا تحقيقا لاستقلالية أخيرة وحرية تامة في عالم فوضوي.

font change

مقالات ذات صلة