هل ينتظر وقف إطلاق النار في لبنان اتفاق ترمب مع إيران؟

"حزب الله" يرفض نتائج "مفاوضات واشنطن"

هل ينتظر وقف إطلاق النار في لبنان اتفاق ترمب مع إيران؟

استمع إلى المقال دقيقة

اندلع هذا الأسبوع خلاف حاد بين البيت الأبيض ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كاشفا قلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب المتزايد من أن استمرار الهجوم العسكري الإسرائيلي على "حزب الله" قد يهدد بإخراج خطته للسلام مع إيران عن مسارها.

وفيما استثمرت إدارة ترمب رصيدا سياسيا كبيرا في محاولة التوصل إلى اتفاق مع طهران ينهي أكثر من ثلاثة أشهر من الأعمال القتالية، لم يبد نتنياهو أي استعداد لوقف هجومه العنيف على معاقل "حزب الله" في لبنان. بل على العكس، ومع دخول محادثات السلام مع إيران مرحلة حرجة، صعد نتنياهو الهجوم الإسرائيلي، فسيطر على قلعة الشقيف الصليبية ذات الأهمية الاستراتيجية في جنوب لبنان، وهدد بضرب أهداف لـ"حزب الله" في بيروت.

ومع إصرار إيران على أن يبقى وقف إطلاق النار في لبنان أحد الشروط الرئيسة للتوصل إلى وقف طويل الأمد لإطلاق النار في الخليج، تحول تعنت نتنياهو إلى مأزق جدي للبيت الأبيض، إلى حد دفع ترمب إلى توجيه شتائم إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال مكالمة هاتفية أخيرة.

وعلى الرغم من أن إيران جعلت تنفيذ وقف إطلاق النار في لبنان أحد مطالبها الرئيسة، تركز إدارة ترمب على أولويات أخرى، من بينها إعادة فتح مضيق هرمز الحيوي أمام التجارة الدولية، وإنهاء برنامج طهران النووي.

وأعرب مسؤولون أميركيون كبار، بينهم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، عن تفاؤلهم بإمكان التوصل قريبا إلى اتفاق إطاري بين واشنطن وطهران، يتضمن تنفيذ وقف لإطلاق النار في الخليج لمدة 60 يوما، تجري خلالها مفاوضات إضافية بشأن قضايا أخرى، مثل الطموحات النووية الإيرانية.

يتنامى داخل البيت الأبيض شعور بأن الرد الإسرائيلي كان غير متناسب، ولا سيما بالنظر إلى عدد المدنيين اللبنانيين الذين قتلوا في الأشهر الأخيرة

وفي هذا السياق، أثار إعلان نتنياهو في وقت سابق من هذا الأسبوع، بشن مزيد من الهجمات على بيروت، ما دفع آلاف المدنيين اللبنانيين إلى الفرار من منازلهم، غضبا في البيت الأبيض، ودفع ترمب إلى توبيخ نتنياهو في مكالمة وصفها مسؤولون لاحقا بأنها "مجنونة".

وجاءت مكالمة ترمب مع الزعيم الإسرائيلي بعدما حذر التلفزيون الرسمي الإيراني من أن أي عمل عسكري جديد من جانب الجيش الإسرائيلي في لبنان سينهي وقف إطلاق النار الهش الذي اتفقت عليه إيران والولايات المتحدة في الخليج.

وبحسب موقع "أكسيوس" الإخباري، انفجر ترمب غضبا في وجه نتنياهو عندما علم بأن الإسرائيليين يخططون لشن مزيد من الهجمات على لبنان، محذرا الزعيم الإسرائيلي من أن أي تحرك عسكري إضافي لن يؤدي إلا إلى زيادة عزلة إسرائيل الدولية. وذكّر ترمب نتنياهو أيضا بالدعم الذي قدمه له في معركته القانونية لتجنب السجن على خلفية تهم فساد.

وفي ذروة النقاش الحاد، قال ترمب لنتنياهو إنه "مجنون"، مضيفا: "كان يمكن أن تكون في السجن لولاي. أنا أنقذ رقبتك. الجميع يكرهونك الآن. الجميع يكرهون إسرائيل بسبب هذا". وأقر نتنياهو لاحقا بوجود "خلافات تكتيكية" مع ترمب، لكنه شدد على أن الزعيمين "متفقان على الأمور الرئيسة"، ومن بينها منع إيران من امتلاك أسلحة نووية.

وفي حين تقر إدارة ترمب بأن "حزب الله" واصل هجماته ضد إسرائيل، يتنامى داخل البيت الأبيض شعور بأن الرد الإسرائيلي كان غير متناسب، ولا سيما بالنظر إلى عدد المدنيين اللبنانيين الذين قتلوا في الأشهر الأخيرة. ويسود قلق أيضا من قرار إسرائيل توسيع هجومها البري في جنوب لبنان، حيث سيطرت على مساحات واسعة من الأراضي اللبنانية.

ويبدو أن تدخل ترمب حقق الأثر المطلوب، في الوقت الراهن على الأقل، إذ أشارت إسرائيل إلى أنها لم تعد تعتزم ضرب بيروت، وساعدت الولايات المتحدة في التوسط لاتفاق جديد لوقف إطلاق النار بين إسرائيل والحكومة اللبنانية.

من المتوقع أن يستأنف ممثلون لبنانيون وإسرائيليون مقيمون في واشنطن المفاوضات على المسارين السياسي والأمني خلال الأسبوع الذي يبدأ في 22 يونيو، سعيا إلى التوصل إلى اتفاق شامل

وتعد مشادة هذا الأسبوع بين الزعيمين الأميركي والإسرائيلي أحدث حلقة في سلسلة من الخلافات بين الرجلين تعود إلى حرب غزة، حين أجبر ترمب، في واقعة معروفة، رئيس الوزراء الإسرائيلي على الاعتذار علنا للقطريين بعدما قصف الجيش الإسرائيلي هدفا قال إنه لحركة "حماس" في الإمارة الخليجية.

وفي الآونة الأخيرة، حاول ترمب وضع الزعيم الإسرائيلي عند حده، وسط مخاوف من أن يعرقل الإسرائيليون الجهود الرامية إلى إنجاز اتفاق مع طهران. وأصر ترمب على أن نتنياهو "سيفعل كل ما أريده أن يفعله" بعد مكالمة هاتفية بينهما بشأن الملف الإيراني.

وفي مسعى متجدد لإنهاء القتال في لبنان، ساعدت الولايات المتحدة الحكومة اللبنانية على الموافقة على وقف جديد لإطلاق النار مع إسرائيل، بهدف إنشاء عدد من المناطق الأمنية "التجريبية" داخل لبنان، يحظر فيها وجود عناصر "حزب الله"، وفق تفاصيل الترتيب التي أعلنتها وزارة الخارجية الأميركية.

وتقضي الخطة بأن يسحب "حزب الله" جميع قواته إلى شمال نهر الليطاني، وأن تنشأ "مناطق تجريبية" تسلم فيها مساحات من الأراضي من الجيش الإسرائيلي مباشرة إلى القوات المسلحة اللبنانية. كما تضمّن البيان المشترك الصادر عن الإسرائيليين واللبنانيين لغة حادة على نحو غير معتاد تدين تدخل إيران في شؤون لبنان.

وقال البيان إن الاتفاق "مشروط بوقف كامل" لهجمات الجماعة المسلحة المدعومة من إيران، "حزب الله"، إلى جانب شروط أخرى. كما "رفضت" الدول الثلاث "أي محاولة من أي دولة أو جهة غير حكومية لجعل مستقبل لبنان رهينة".

ومن المتوقع أن يستأنف ممثلون لبنانيون وإسرائيليون مقيمون في واشنطن المفاوضات على المسارين السياسي والأمني خلال الأسبوع الذي يبدأ في 22 يونيو/حزيران، سعيا إلى التوصل إلى اتفاق شامل.

غير أن نجاح هذه المحاولة الأخيرة للتوسط في وقف دائم لإطلاق النار في لبنان يتوقف في نهاية المطاف على ما إذا كان "حزب الله" وداعموه الإيرانيون سيقبلون بالشروط المطروحة، وهو  أمر يبدو غير مرجح في ضوء الموقف المتشدد الذي اتخذه قادة "حزب الله" حتى الآن. وهذا ما أكده الأمين العام لـ"الحزب" نعيم قاسم الذي رفض في خطابه الخميس وقف إطلاق النار الذي تم الإعلان عنه الأربعاء في واشنطن.

هذا ولم يبد "حزب الله" تراجعا أمام شراسة الهجوم الإسرائيلي، إذ واصل مهاجمة أهداف في شمال إسرائيل الخميس. لكن ذلك قد يتغير إذا نجحت إدارة ترمب في مسعاها الأوسع إلى تأمين اتفاق سلام مع طهران، يتضمن تنفيذ وقف حقيقي لإطلاق النار في لبنان.

font change