الجنوب السوري... عندما ينام الأردن فوق الجغرافيا المشتعلة

السويداء لم تعد مجرد محافظة سورية مضطربة

الجنوب السوري... عندما ينام الأردن فوق الجغرافيا المشتعلة

استمع إلى المقال دقيقة

في مطلع مايو/أيار الماضي، أقلعت طائرات حربية أردنية من قاعدة جنوب عمّان، وعبرت الحدود نحو الشمال، ثم قصفت أهدافا داخل محافظة السويداء السورية. وقد أطلقت القيادة العسكرية الأردنية على العملية اسم "الردع الأردني"، لكن الاسم الحقيقي الذي لم يُكتب في أي بيان كان أوضح بكثير، فالأردن يقول عمليا إنه لم يعد يملك رفاهية الانتظار، وإن النار التي اشتعلت في الجنوب السوري لم تعد بعيدة بما يكفي كي يتعامل معها باعتبارها مشكلة تخص السوريين وحدهم.

لم تكن تلك الضربة الأولى، بل الخامسة منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وخمس ضربات خلال أقل من عامين تعني أن الجنوب السوري تحول في العقل الأردني من ملف حدودي مزعج إلى تهديد بنيوي مفتوح على احتمالات أكبر من مجرد تهريب مخدرات أو اشتباكات محلية أو حتى فوضى عابرة، فعمّان ترى أمامها شيئا أكثر تعقيدا بكثير، ترى حدودا رخوة، وكيانات مسلحة، ونفوذا إسرائيليا يتمدد بهدوء، واقتصاد تهريب ينمو داخل الفراغ، ودولة سورية جديدة لم تنجح بعد في أن تصبح دولة كاملة بالمعنى الحقيقي.

فعليا، انفجر كل شيء في يوليو/تموز 2025، حين تحولت الاشتباكات بين مجموعات درزية ومجموعات العشائر "السنية" داخل السويداء إلى موجة عنف واسعة تدخلت فيها قوات الحكومة السورية بطريقة اعتبرها الدروز انحيازا ضدهم، وكانت النتيجة أكثر من 1700 قتيل، وما يقارب مئتي ألف نازح، وقرى مدمرة بالكامل.

لكن الجرح الأعمق لم يكن في أعداد القتلى وحدها، بل في الإحساس الدرزي بأن ما جرى لم يكن مجرد معركة أمنية، بل إهانة جماعية أيضا، خصوصا بعد انتشار مقاطع مصورة لرجال دين دروز أُجبروا على حلق شواربهم، وهي مسألة تبدو تفصيلا صغيرا لمن لا يعرف طبيعة المجتمع الدرزي، لكنها في الحقيقة طعنة مباشرة لفكرة الكرامة والرمزية والهيبة الاجتماعية التي يقوم عليها جزء كبير من البناء الثقافي للطائفة.

المشكلة أن دمشق نفسها لا تبدو قادرة حتى الآن على فرض سيادتها الكاملة، فهي تواجه واقعا شديد التعقيد، مناطق نفوذ متعددة، تدخلات إقليمية ودولية، شروطا إسرائيلية غير معلنة

من هناك بدأ الجنوب السوري يتغير بسرعة، وتوحدت عشرات الميليشيات الدرزية تحت ما سُمّي "الحرس الوطني"، بقيادة الشيخ حكمت الهجري، وتحولت السويداء عمليا إلى منطقة حكم ذاتي غير معلنة، لها سلاحها وقواها الأمنية وتحالفاتها الخاصة، ولم يكن خافيا أن إسرائيل دخلت بسرعة على الخط، تحت عنوان حماية الدروز، لكن ما يجري يتجاوز كثيرا فكرة الحماية الطائفية أو الإنسانية، فإسرائيل تنظر إلى الجنوب السوري باعتباره عمقا أمنيا مباشرا لها، وترى في السويداء وجبل العرب منطقة عازلة مثالية تمنع اقتراب أي تهديد مستقبلي من حدودها الشمالية، ولذلك فهي لا تبني احتلالا تقليديا، بل تبني وبمنهجية مدروسة، نفوذا طويل المدى قائما على دعم واقع محلي حليف، يُبقي الجنوب السوري خارج السيطرة الكاملة لدمشق.

وفي مكان كهذا تبدأ الحساسية الأردنية الحقيقية، لأن الأردن لا يرى الجنوب السوري من زاوية السياسة فقط، بل من زاوية الأمن الداخلي المباشر، فالحدود الممتدة مع سوريا لم تعد بالنسبة لعمّان مجرد خطوط جغرافية، بل تحولت إلى خاصرة رخوة مفتوحة على تهريب السلاح والمخدرات والتسلل والفوضى المنظمة، ومنذ سيطرة "الحرس الوطني" على السويداء ارتفعت عمليات تهريب الكبتاغون نحو الأردن بشكل غير مسبوق، وعمّان لا تنظر إلى الكبتاغون باعتباره مجرد تجارة مخدرات، بل باعتباره جزءا من اقتصاد فوضى كامل ينمو داخل المناطق الخارجة عن السيطرة الواضحة، وحين تصبح منطقة حدودية كاملة معلقة بين الدولة واللادولة، فإن المخدرات تصبح مجرد العرَض الأكثر وضوحا لمرض أعمق بكثير.

ولهذا لم يكن التحول الأردني من الدفاع إلى الضربات الاستباقية مجرد تفصيل عسكري، بل تعبير عن تحول أعمق في التفكير السياسي والأمني الأردني، فالأردن الذي أمضى سنوات طويلة يحاول حماية حدوده من الداخل، بات يقول الآن إن الانتظار خلف الحدود لم يعد كافيا، وإن الخطر يجب أن يُضرب قبل أن يعبر، ولهذا جاءت "عملية الردع الأردني" كرسالة متعددة الاتجاهات، موجهة للمهربين، ولـ"الحرس الوطني"، ولدمشق، وربما أيضا لإسرائيل التي تدرك عمّان تماما أنها تبني بهدوء واقعا أمنيا جديدا على حدود المملكة الشمالية.

لكن المفارقة أن الأردن، رغم كل هذا التصعيد العسكري، لا يريد انهيار الدولة السورية، بل العكس تماما، فعمّان ربما تكون من أكثر العواصم العربية إدراكا أن البديل عن الدولة السورية، حتى وهي ضعيفة ومهتزة، سيكون أسوأ بكثير، ولهذا تحرك الأردن بسرعة بعد سقوط الأسد، واستضاف الاجتماعات، وفتح خطوط الاتصال، وكان أيمن الصفدي أول وزير خارجية عربي يزور دمشق الجديدة، لأن الأردن يرى أن سوريا الموحدة أقل خطرا عليه من سوريا الممزقة، وأن وجود سلطة مركزية واحدة، حتى لو كانت مرتبكة، يبقى أفضل من انتشار الكيانات المسلحة والمناطق الرمادية.

لكن المشكلة أن دمشق نفسها لا تبدو قادرة حتى الآن على فرض سيادتها الكاملة، فهي تواجه واقعا شديد التعقيد، مناطق نفوذ متعددة، تدخلات إقليمية ودولية، شروطا إسرائيلية غير معلنة تتعلق بإبقاء الجنوب السوري منزوع القوة العسكرية الثقيلة، وكيانات محلية مسلحة لا تثق بالدولة أصلا، وفي المقابل لا يثق الدروز بوعود دمشق بعد أحداث 2025، بينما ترى إسرائيل أن بقاء الجنوب ضعيفا ومجزأ أكثر فائدة لها من عودته إلى سيطرة مركزية قوية.

السويداء لم تعد مجرد محافظة سورية مضطربة، بل تحولت إلى مرآة مكبرة لكل هشاشات الشرق الأوسط دفعة واحدة

وهنا يدخل الأردن إلى أكثر مناطقه حساسية، فالدولة الأردنية تاريخيا لا تخاف فقط من الخصوم التقليديين، بل من الفراغ، ومن الكيانات الرخوة، ومن المناطق التي لا تكون دولة كاملة ولا فوضى كاملة، لأن الأردن نفسه قام تاريخيا على فكرة المركز الواضح والسيادة الواضحة والمؤسسات الواضحة، ولذلك فإن أكثر ما يقلق عمّان ليس فقط وجود السلاح أو المخدرات، بل احتمال نشوء مساحة هجينة دائمة عند حدودها الشمالية، مساحة مفتوحة على كل الاحتمالات، ومتصلة في الوقت نفسه بالنفوذ الإسرائيلي واقتصاد التهريب والانقسامات المحلية.

وفي خضم كل ذلك يبدو الدروز أنفسهم عالقين داخل معادلة أكبر منهم بكثير، فهم من جهة يحملون ذاكرة خوف حقيقية بعد أحداث يوليو/تموز 2025، ويشعرون أن الدولة السورية لم تقم بحمايتهم، ومن جهة أخرى وجدوا أنفسهم مضطرين لقبول الدعم الإسرائيلي حين لم يجدوا بديلا آخر، لكن المشكلة أن التحول من جماعة خائفة إلى ورقة إقليمية لا يحدث عادة دون أثمان كبيرة، وهذا ما يجعل الجنوب السوري اليوم واحدا من أخطر الأماكن في الإقليم كله، لأنه يجمع فوق الجغرافيا نفسها مخاوف الطوائف، وحسابات الدول، ومشاريع المناطق العازلة، واقتصاد المخدرات، وأزمة الدولة السورية الجديدة.

المفارقة الأعمق أن الأردن، وهو من أصغر دول المنطقة وأقلها قدرة على تحمل الفوضى، وجد نفسه مضطرا للعب دور أكبر بكثير من حجمه، يدير الوساطات، ويستضيف الاجتماعات، ويحاول حماية دمشق من الانهيار الكامل، ويضرب داخل الأراضي السورية حين يشعر أن الخطر اقترب أكثر من اللازم، لكنه يعرف في النهاية أن المشكلة في الجنوب السوري أكبر من أن تُحل بضربة جوية، وأعقد من أن تُفك بخريطة طريق دبلوماسية أو بيان سياسي.

فالسويداء لم تعد مجرد محافظة سورية مضطربة، بل تحولت إلى مرآة مكبرة لكل هشاشات الشرق الأوسط دفعة واحدة، وفي مكان كهذا لا يكون الخطر الحقيقي في الحرب الكبيرة التي يراها الجميع، بل في الحوادث الصغيرة التي تبدو عابرة، قبل أن تكتشف المنطقة كلها متأخرة أنها كانت تنام فوق برميل بارود مفتوح منذ البداية.

font change