على الرغم من مرور عام ونصف العام على التغيير التاريخي السوري، المتمثل بانهيار نظام الأسد وخلاص السوريين، ما زالت سوريا كدولة وكمجتمع وكموارد وقدرات، تكابد ظروف مرحلة انتقالية صعبة ومعقّدة ومتخمة بالتحدّيات الداخلية والخارجية، الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تؤثر على مسارها ومكانتها وشكل وجودها في المنطقة.
بيد أن هذا الزمن الطويل، نسبة للتغيير الطبيعي في الدول، لا يبدو طويلا بالنسبة للزمن السوري، بخاصة أن التغيير السياسي الحاصل لم يأت بطريقة طبيعية، سلمية، وتدرجية، إذ كانت سوريا في حالة مريعة من التفكّك والاهتلاك والاستنزاف، بعد 55 سنة على هيمنة نظام الأسد (الأب والابن)، و14 عاما على اندلاع حرب داخلية مدمرة ومهولة ومأساوية.
ليس القصد من تصوير الواقع على هذا النحو، وهو كذلك حقا، المصادرة أو التحفظ على المطالبات المشروعة بالتغيير، أو بتوضيح ماهية المسار، أو تحديد طبيعة الدولة الجديدة، إذ إنها مطالبات ضرورية، وتعكس توق السوريين لاستنهاض أحوالهم، وصوغ إجماعاتهم السياسية، وبناء دولتهم الوطنية، وهي أمور افتقدوها طويلا، ودفعوا ثمنا باهظا في سبيلها.
في هذا السياق، ربما يفيد بعض المتبرّمين والمعنيين تفهّم حقيقة مفادها أن ذهاب بعض النخب السورية إلى السياسة مباشرة إنما يعبّر عن حاجتهم للشيء الذي افتقده الشعب السوري، في الحقبة الأسدية البائدة، وتأكيدا منهم على أن شكل النظام السياسي هو الذي يفترض التركيز عليه، بما يخلق الأسس التي تحول دون إعادة إنتاج التجربة الكارثية الماضية.
على ذلك، فإن المطالبة بالانتخابات وفصل السلطات وتحديد الصلاحيات والديمقراطية، ووضعها على رأس الأجندة السورية، يفترض أن تشكل إجماعا بين السوريين، لا أن تشكل قلقا عند بعضهم، علما أن معظم الأطراف كانت على ذات الخط إبان الصراع مع نظام الأسد.
إضافة إلى ما تقدم ربما أن أهم ما يحتاجه الشعب السوري اليوم هو مزاولة التمرن على السياسة، وعلى الحوار، واحترام الاختلاف، وحل التباينات، وبناء الإجماعات الوطنية بالطرق السياسية، مع اعتبار أن تعدد وجهات النظر أمر طبيعي ومشروع بل وضروري، لبث الحيوية في الحياة السياسية السورية، التي شهدت مواتا لقرابة ستة عقود، في حين أن التطابق أو الجمود هو من طبيعة الأنظمة الاستبدادية في احتكارها السياسة ورفضها التنوع وتهميشها الشعب، وهذا ليس دليل عافية بقدر ما هو دليل ضعف للمجتمع وللدولة.
السلطة الانتقالية تتحمل بعضا من المسؤولية عن تعطيل السياسة، والمعارضة لا تلاحظ افتقادها لوزن سياسي واجتماعي، بدلالة إخفاقها في توليد حركة سياسية خلال الصراع ضد النظام
تبعا لذلك فإن ظاهرة الانقسام العمودي حول موالاة ومعارضة، غير صحية وغير سياسية، لأن الخلافات يفترض أن لا تتأسس حول قضايا عمومية، كصوغ دستور يحدد إجماعات السوريين، وضمنها حقوق المواطنة المتساوية، والانتخابات، وفصل السلطات، والديمقراطية، وحدود الدولة، وإنما على المفاضلة في الخيارات السياسية والاقتصادية والأمنية.
هكذا، فإن رفض أو عدم تفهم بعض السوريين مطالبات بعضهم الآخر بتحسين الوضع المعيشي، وخفض أسعار بعض السلع، وضمنها الكهرباء، ورفض أو عدم تفهم بعضهم الآخر الوضع الانتقالي، وافتقار البلد للموارد والاستهدافات الداخلية والخارجية له، دلالة على افتقار المجتمع السوري للسياسة، بعد عام ونصف من رحيل نظام الأسد البائد.
لا شك أن السلطة الانتقالية الجديدة تتحمل بعضا من المسؤولية عن تعطيل السياسة، بسبب تأخر أو بطء أو قصور مبادراتها اللازمة لاستعادة البلد لعافيته من كل النواحي، بما في ذلك ضعف مبادرات الحوار الاجتماعي في مختلف المستويات وبكل الوسائل، وعدم توضيحها طبيعة النظام من النواحي الدستورية، وعدم إطلاقها حرية الأحزاب والاجتماع.
بيد أن النخب المعارضة تتحمل بعضا من المسؤولية، أيضا، إذ لا تلاحظ على الأغلب افتقادها لوزن سياسي واجتماعي، بدلالة إخفاقها في توليد حركة سياسية خلال الـ14 عاما من الصراع ضد النظام، علما أنها كانت متحررة من القيود، إبان وجودها في إسطنبول وباريس ولندن وبرلين... إلخ. بل إنها فشلت حتى في إيجاد منبر إعلامي، وحتى تشكيل "المجلس الوطني"، وبعده "الائتلاف الوطني"، جرى بضغط من أطراف خارجية عربية وإقليمية ودولية.
إن وضع معارضة، على هذه النحو دليل حالة مرضية، للأسف، ولا يمنحها صدقية، لا في خياراتها الكفاحية ولا في شعاراتها السياسية، سيما أنه لم تصدر من مكوناتها أو أشخاصها، حتى الآن، مبادرة سياسية جدية تتأسس على مراجعة تجاربها وإخفاقاتها، وانتقاد سياساتها، والمواءمة بين طروحاتها وإمكانياتها، وبين طموحاتها وواقع سوريا.
مشكلة النخب السورية المعارضة يمكن تمثلها في جوانب ثلاثة، الأول أنها تستمرئ طرح شعارات مشروعة وضرورية وعادلة، مثل الانتخابات والديمقراطية والمجتمع المدني، من دون ملاحظة أن وضع سوريا كشعب وكدولة هو دون السياسة. والثاني أنها لا تلاحظ أن ثمة فجوة واسعة بين ما تطرحه، وبين الحاجات والأولويات الملحة للشعب السوري في الأمن، وتأمين لقمة الخبز والعمل، وتأهيل البني التحتية. والثالث أن هذه النخب لا تدرك حدود إمكانياتها في الواقع، وضمن ذلك حقيقة عدم وجود معارضة منظمة، قادرة على تشكيل وتحريك كتلة وازنة في المجتمع، سيما أنها تتحرك وفق أدبيات أو مصطلحات جاهزة ومتقادمة، حتى ولو كانت صحيحة من حيث المبدأ.
خطابات قادة المرحلة الانتقالية في سوريا لم تأت على كلمة الديمقراطية، وخطابات النخب المعارضة لا تلحظ المكانة المركزية لفكرة المواطنة، وفكرة دولة المؤسسات والقانون
مثلا، في أطروحاتها المهمة والضرورية بشأن الانتخابات والديمقراطية والمجتمع المدني وفصل السلطات، تتناسى بعض النخب السورية المعارضة أن أساس كل ما تقدم هو إقامة الدولة، كدولة مؤسسات وقانون ومواطنين، فهذا هو حجر الأساس لأي عملية سياسية.
إذ بديهي أنه يتعذر فصل السلطات في ظل غياب دولة مؤسسات وقانون، وتغدو الانتخابات والحديث عن مجتمع مدني وديمقراطية، بدون معنى، من دون إقامة دولة مواطنين، أفرادا وأحرارا ومتساوين، ومستقلين عن الانتماءات الإثنية والدينية والعشائرية والمناطقية، لأن شرط الانتخابات والديمقراطية والمجتمع المدني هو المكانة السياسية والحقوقية للمواطن، بغض النظر عن أي شيء آخر، علما أن فكرة المواطنة هي القاسم المشترك الغائب لدى كل التيارات السياسية والأيديولوجية في سوريا وفي العالم العربي.
في ندوة بدمشق نبّه أحد المتحدثين إلى أن خطابات قادة المرحلة الانتقالية في سوريا لم تأت على كلمة الديمقراطية، وهي ملاحظة مهمة، وكان يمكن أن تكون أقوى لو نبّه أيضا إلى أن خطابات النخب المعارضة في أغلبها لا تلحظ المكانة المركزية لفكرة المواطنة، وفكرة دولة المؤسسات والقانون، وهما الفكرتان المؤسستان لأي دولة طبيعية، واللتان يحتاجهما شعب سوريا قبل أي شيء آخر. باختصار السياسة أكبر وأعقد من قسمة موالاة ومعارضة.