الرحلة التي أمضاها عمير عرفان طبيبا بين ردهات مشافي هيئة الصحة الوطنية البريطانية انتهت نظريا عندما حصل على وظيفة استحدثتها هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) صيف العام الماضي لمراسل شؤون تكتيك كرة القدم، تلبية لمطالب الجمهور المفتون بتحليل خطط المدربين وقراءة ما وراء تمركزات اللاعبين على العشب الأخضر، لكنها في نظر الطبيب الشاب الذي ترك خلفه سنوات في قاعات الدراسة والمعامل وتحت إشراف الأطباء القدامى من أجل أن يطارد شغفه بالمربعات والمثلثات التي يرسمها المدربون على أرض الملعب، ربما تكون قد انتهت فعليا في تلك اللحظة التي جلس فيها أمام ملهمه بيب غوارديولا في قاعة المؤتمرات الصحافية، ليطرح عليه سؤالا لن يكون مستغربا إن كان قد كرره أمام المرآة مرات ومرات، قبل أن ينجح في انتزاع إعجاب غوارديولا الذي أنصت بتركيز متحفز للسؤال قبل أن يعرض عليه مازحا أن يكون مساعدا في جهازه التدريبي.
كان عمير عرفان قد عاد بالذاكرة في سؤاله لمدونة كتبها غوارديولا قبل عشرين عاما، محللا أداء المنتخب الإسباني الهجومي في مونديال 2006 وكيف التقط اللامركزية في خط الهجوم كخيط أساسي يميز الفريق. ما كانت وقتها مجرد تدوينة من لاعب معتزل أنهى مسيرته بحفنة من المباريات في المكسيك بعد تجربة في الدوري القطري، باتت اليوم مرجعا للباحثين عن أصول الأفكار التي غيرت كرة القدم إلى الأبد. ومن كتب تلك المدونة قبل عقدين كهامش قد لا يقرؤه أحد، أنهى قبل أيام مسيرته التي استمرت لعقد كامل في الدوري الإنجليزي الممتاز، فاز خلالها بستة ألقاب في البطولة مع نادي مانشستر سيتي، مؤصلا لمكانته كأحد أعظم مدربي اللعبة على الإطلاق.
قبل ما يزيد على ربع قرن عن كتابته لتلك المدونة التي انبهر بوصول عرفان إليها، كان غوارديولا قد التقى ملهمه الشخصي بين جدران "لاماسيا"، مدرسة كرة القدم في مدينة برشلونة التي تعطيها كرة القدم عنوانا يمكن من خلاله تقديم القومية الكتالونية للعالم. الملهم كان الهولندي يوهان كرويف، أسطورة اللعبة الذي كان شاهدا كلاعب على مولد "الكرة الشاملة" في نادي أياكس الهولندي ومنتخب البلاد الصغيرة الذي نجح في مجاراة الدول الكبرى مستعينا بأفكار ثورية تدور حول قدرة اللاعب على الإجادة في أكثر من مركز، وهي الأفكار التي حملها كرويف إلى كتالونيا عندما اتخذ من برشلونة وطنا ثانيا أولا كلاعب وثانيا كمشرف على تحويل الفريق من مجرد منافس يزعج فريق العاصمة الملكي ريال مدريد بالنزعة الانفصالية والروح القومية إلى علامة دولية للكرة الجميلة ورمز عالمي لكيف يمكن للجماعية أن تسخر قدرات النجوم الكبار لخدمة الفريق.
كرويف الذي رأى لسنوات كيف أن المراكز على سبورة غرفة الملابس قد لا تعني الكثير عندما تقع عينه على لاعب لا يصيبه الارتباك عندما يتسلم الكرة، قدم لتلميذه الدرس الأول عمليا عندما نقل بيب غوارديولا الذي دخل مدرسة برشلونة مراهقا في الثالثة عشر من الجناح الأيمن لوسط الملعب، ليحوله قبل أن يتم العشرين إلى محور لفريق تاريخي لبرشلونة وصل لذروته عندما أتى للنادي بأول كأس في تاريخه لدوري أبطال أوروبا من ملعب ويمبلي عام 1992، نفس الملعب الذي عاد له بيب غوارديولا مدربا لناديه برشلونة ليقدم له لقب نفس البطولة عام 2011، مضيفا إليه اعترافا من السير أليكس فيرغسون المدرب الأسطوري لمنافسه في تلك الليلة مانشستر يونايتد، بأنه واجه للتو أفضل منافس واجهه في كل مسيرته التدريبية.


