قرار المملكة العربية السعودية باستئناف الصادرات اللبنانية إلى أسواقها بعد توقف دام قرابة خمس سنوات، لا يمكن قراءته كإجراء اقتصادي أو تجاري بحت، وإنما هو في جوهره انعكاس مباشر لحجم التغيير الذي تشهده الساحة اللبنانية اليوم، وهذا التوجيه الذي جاء بناءً على طلب من القيادة اللبنانية المتمثلة في الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، يمثل شهادة ثقة سعودية بالخطوات الإيجابية التي اتخذتها بيروت في طريق إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة قرارها السيادي الذي ظل مختطفًا لسنوات طويلة، ومن يقرأ هذا القرار بمعزل عن سياقه السياسي يفقد جوهر الرسالة التي تحملها هذه الخطوة.
الرياض، التي طالما وقفت إلى جانب لبنان في أحلك ظروفه، لم تتخل يوما عن الشعب اللبناني، لكنها في الوقت نفسه كانت حازمة في رفضها تحويل لبنان إلى منصة للإضرار بأمنها وأمن المنطقة، وحين قررت في 2021 وقف الصادرات اللبنانية لم يكن ذلك عقوبة للشعب اللبناني وإنما كان رسالة واضحة بأن الرياض لن تقبل أن تصل إلى أسواقها شحنات ملوثة بالكبتاغون عبر شبكات تهريب تعمل تحت أنظار الدولة اللبنانية أو بتواطؤ أطراف داخلها، واليوم حين تعيد فتح أبوابها ترسل رسالة مقابلة مفادها أن الدولة اللبنانية متى ما استعادت عافيتها وأثبتت قدرتها على ضبط حدودها ومؤسساتها ستجد الحاضنة العربية أول المرحبين والداعمين، وهذا الدعم ليس شيكاً على بياض وإنما هو مشروط باستمرار مسار التعافي وتفكيك شبكات الفساد التي نخرت جسد الدولة.
ولكي ندرك حجم التحول، يكفي أن نقارن بين وضع لبنان عند صدور قرار الحظر في عام 2021 ووضعه اليوم عند صدور قرار الاستئناف، ففي الأمس كان لبنان يعيش ذروة الانهيار المالي والسياسي، وكانت مؤسساته مخترقة بالكامل من قبل ميليشيا مسلحة صادرت قرار الدولة وفرضت أجندتها على الحكومة والبرلمان والقضاء، وحولت الموانئ والمعابر إلى خطوط إمداد لتهريب الكبتاغون والسموم إلى دول الخليج، مما جعل العزلة نتيجة حتمية لهذا الارتهان. أما اليوم فالمشهد اختلف، حيث نرى رئاسة جمهورية وحكومة تسعيان بجدية لفرض سلطة القانون، وتنسقان مع المحيط العربي لضبط الحدود ومكافحة التهريب، وتفاوضان المجتمع الدولي لاستعادة السيادة الكاملة على الأراضي اللبنانية، وهذا التحول الجوهري في بنية الحكم اللبناني هو ما دفع الرياض إلى التجاوب، لأنها تتعامل مع مؤسسات دولة حقيقية وليس مع واجهة تختبئ خلفها ميليشيا مسلحة.
عودة الصادرات اللبنانية إلى السعودية ليست مجرد خبر اقتصادي عابر وإنما هي مؤشر حقيقي على أن لبنان بدأ يستعيد مكانته في محيطه بعد سنوات من العزلة
هذا التطور الإيجابي في مسار العلاقات اللبنانية-السعودية يتزامن مع حراك إقليمي ودولي متسارع، حيث تترقب المنطقة ما ستسفر عنه الاتفاقية الأميركية-الإيرانية، وهذه الاتفاقية إن تمت ستلقي بظلالها حتماً على المشهد اللبناني، فإما أن تسهم في تخفيف القبضة الإيرانية على لبنان وتمنح الدولة مساحة أكبر للتنفس واستكمال مشروع التعافي، وإما أن تكرس حالة من الغموض التي تبقي لبنان ورقة مساومة في يد طهران تستخدمها وقتما تشاء، وفي كلتا الحالتين يظل الرهان الحقيقي على قدرة المؤسسات اللبنانية على تحصين جبهتها الداخلية وعدم السماح لأي طرف بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لأن ما حققه لبنان في الأشهر الأخيرة من تقدم سياسي ومؤسسي لا يجب أن يذهب هباءً.
أخيرا، عودة الصادرات اللبنانية إلى السعودية ليست مجرد خبر اقتصادي عابر وإنما هي مؤشر حقيقي على أن لبنان بدأ يستعيد مكانته في محيطه بعد سنوات من العزلة، وما نراه اليوم من حراك سياسي واقتصادي يؤكد أن لبنان يقف على مفترق طرق، فإما أن يواصل مسار العودة إلى حضنه الطبيعي مستفيداً من هذا الدعم ومن أي تحولات إقليمية قادمة تصب في صالح تراجع النفوذ الخارجي، وإما أن يعود للارتهان لمشاريع أثبتت الأيام أنها لا تجلب سوى الخراب والعزلة. ويبقى التحدي أمام القيادة اللبنانية هو إثبات أن هذا التغيير ليس مؤقتاً لفك العزلة وإنما هو خيار استراتيجي ثابت يضع مصلحة لبنان وشعبه فوق كل اعتبار آخر.