وسائل إعلام إيرانية تكشف الانقسام حول الاتفاق مع واشنطن

مسيرات وتجمعات غاضبة للتيار المتشدد منددة بالاتفاق مع الولايات المتحدة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
رجل يقرأ نسخة من صحيفة "همشهري" الإيرانية اليومية، تحمل صورة الرئيس الأميركي وعنوانا رئيسيا يقول "ذهب مع الريح"، في كشك بطهران، في 18 يونيو 2026

وسائل إعلام إيرانية تكشف الانقسام حول الاتفاق مع واشنطن

حذر نائب الرئيس الإيراني محمد رضا عارف من الخلافات الداخلية، مؤكدا على ضرورة التركيز على "مواجهة الأعداء وتعزيز الانسجام الوطني". وأضاف خلال تصريحات أدلى بها 16 يونيو/حزيران أن "الانتصارات التي حققتها إيران خلال الجولتين من الحرب امتداد لنجاح الثورة الإسلامية التي لم يتصور أحد حينها أنها ستنتصر، ولكن الإمام الخميني كان واثقا من انتصار الثورة في 1979. وتوقع المرشد علي خامنئي انتصار إيران في الحرب الأخيرة".

وأشار عارف إلى الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة، قائلا: "قد تكون هناك معارضة لهذا المسار الدبلوماسي، ولكن لا مشكلة في ذلك. وبالرغم من ذلك لا ينبغي أن يتحول الخلاف في وجهات النظر إلى عراك لأن الطرف الذي نعاديه ليس في داخل البلاد بل هم الأعداء ولذلك يجب تعزيز الوحدة والانسجام الداخلي. يجب على الجميع احترام نتيجة المفاوضات".

جاء هذا التحذير الرسمي الإيراني بعد أن تصاعدت حدة الخلافات الداخلية بين المعارضين والمؤيدين للاتفاق بين إيران والولايات المتحدة. وترفض "جبهة بايداري" (الصمود)- وهو التيار الأكثر تشددا في النظام الإيراني- أي حوار مع الولايات المتحدة، معارضةً الاتفاق معها. وينظم أنصار "جبهة بايداري" مظاهرات واحتجاجات منددة بالاتفاق وفريق المفاوضين الإيرانيين في مدن إيرانية مختلفة. كما طالب المحتجون في بعض المدن خلال الاحتجاجات بـ"إعدام عراقجي" وزير الخارجية الإيراني بسبب جهوده الدبلوماسية. ودعا المحتجون في مسيرات بـ"الانتقام لدماء المرشد (علي خامنئي)"، سائلين رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وعراقجي: "أين الانتقام لدماء المرشد؟".

ونشر موقع "رويداد 24" الإخباري التحليلي يوم 14 يونيو/حزيران تقريرا بعنوان "مذكرة التفاهم بين إيران وأميركا بقرار النظام ومعارضة الأقلية؛ لماذا يحتج عليها المتشددون؟"، جاء فيه: "تسعى التيارات المتشددة إلى تقويض شرعية الاتفاق بين إيران وأميركا من خلال شن الهجمات اللفظية على البرلمان وحتى المراكز العليا لصنع القرار. ولا يكمن السبب في هذه المعارضة في الاتفاق ذاته بل في فشل مشروع سياسي. لقد وصل الجانبان الإيراني والأميركي إلى اتفاق لتجاوز الأزمة وترسيخ وقف إطلاق النار والتوقيع على مذكرة التفاهم وذلك بعد أشهر عديدة من التوتر والتصعيد".

وزاد أن هذا القرار صدر عن المراكز العليا للنظام وأن القرار السيادي هو تقليص الضغوط الاقتصادية وتحسين الوضع المعيشي وإخراج البلاد من دوامة الحرب والعقوبات. و"كان من المتوقع أن يؤدي هذا الاتفاق وإنجازاته- على غرار رفع الحصار البحري والعقوبات النفطية- إلى الاستقرار، غير أن التصعيد ضد الاتفاق من قبل التيار المتشدد بلغ مستويات غير مسبوقة، لأن المتطرفين في (جبهة بايداري) وإعلامها لا يهاجمون الحكومة فقط بل يستهدفون المراكز العليا لصناعة القرار في النظام ونزع الشرعية عن هذا الإنجاز الدبلوماسي".

إذا أراد النظام إسكات صوت المتشددين في الشوارع لفعل ذلك بسهولة وبسرعة ولكن هذه الأقلية المتشددة المعارضة لأي تفاهم مع أميركا لديها نفوذ واسع في أركان النظام

وقد طالب النائب المحسوب على "جبهة بايداري" في البرلمان محمود نبويان في وقت سابق بإقصاء الدبلوماسيين الذين كانوا على صلة بالاتفاق النووي الذي تم التوقيع عليه في 2015 من مفاوضات إسلام آباد، معتبرا أن نص الاتفاق يفتقر إلى الضمانات اللازمة لرفع العقوبات. واعتبر النائب المحسوب على "جبهة بايداري" أمير حسين ثابتي أن الاتفاق الأخير بين إيران والولايات المتحدة هو على غرار "معاهدة تركمانجاي" (اتفاقية بين الإمبراطورية الروسية وإيران في 1828 تنازلت فيها إيران لروسيا عن عدة مناطق في جنوب القوقاز). وأضاف ثابتي أن قرار الاتفاق بين إيران والإدارة الأميركية صدر عن السلطة التنفيذية وأن "المرشد" مجتبى خامنئي لا يوافق على هذا المسار. في المقابل، اعتبر "رويداد 24" أن هذه المزاعم تمثل إساءة لمكانة "المرشد" من أجل مصالح حزبية.

.أ.ف.ب
الرئيس الإيراني مسعود بزكجيان يستعرض اتفاق إيقاف الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، 18 يونيو 2026

هذا ولم تقتصر الانتقادات للاتفاق مع الإدارة الأميركية على التيار السياسي المتشدد بل إن عددا من الشخصيات الأكاديمية والإعلامية المحسوبة على المتشددين هاجموا الاتفاق، ومنهم عضو هيئة التدريس في جامعة طهران فؤاد إيزدي الذي قال إن "فتح مضيق هرمز سيحل كل مشاكل ترمب. وإذا استمرت إيران في إغلاق مضيق هرمز لشهرين إضافيين انتهت الاحتياطات النفطية الأميركية". واتهم "رويداد 24" إيزدي بـ"تجاهل الوضع الاقتصادي في إيران".

ویعتقد النائب المتشدد أبو الفضل أبو ترابي أن هذا الاتفاق "أسوأ" من الاتفاق النووي في 2015. وهاجم النائب المحسوب على "جبهة بايداري" مالك شريعتي في تغريدة على منصة "إكس"، اتهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف والفريق المفاوض، متسائلا: "لقد تم التوقيع على مذكرة التفاهم إلكترونياً فلماذا تذهبون إلى أوروبا في زيارة باهظة الثمن ونحن في أيام عاشوراء؟".

وتشهد مدن كثيرة، خاصة المدن الكبرى في إيران، مسيرات وتجمعات غاضبة للتيار المتشدد منددة بالاتفاق مع الولايات المتحدة. ویقول الناشط السياسي المحسوب على التيار المحافظ محمد مهاجري في حوار مع موقع "نامة نيوز" الإخباري التحليلي حول تصاعد الاحتجاجات والمسيرات المنددة بالاتفاق بين إيران والولايات المتحدة: "يشكل المشاركون في هذه التجمعات أقل من 5 في المئة من سكان إيران ولكن هذه الأقلية تتمتع بنفوذ في الإعلام وتقوم بالإساءة إلى بعض مسؤولي النظام. لا يشعر هؤلاء الذين يشاركون في هذه التجمعات بضرورة الحفاظ على الوحدة الوطنية.

أ.ف.ب
لقطة من فيديو نشره حساب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على تويتر، تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب وماكرون خلال توقيع الاتفاق مع إيران لإنهاء الحرب في قصر فرساي، باريس في 18 يونيو 2026

وتستغل وسائل الإعلام المعارضة للنظام الإيراني، على غرار "إيران إنترناشيونال" و"بي بي سي-فارسي"، هذه التجمعات والاحتجاجات من خلال بث أخبارهم وشعاراتهم ضد المسؤولين، مستدلة بأن إيران "تعاني من غياب الانسجام والتوافق الوطني حول المفاوضات مع الإدارة الأميركية". وتابع مهاجري: "كان المرشد (الشهيد علي خامنئي) يؤكد أن سياسات وزارة الخارجية تصدر من قبل المراكز العليا لصنع القرار في النظام وليس وزارة الخارجية. وتتولى وزارة الخارجية مهمة تنفيذ السياسات. أما المجلس الأعلى للأمن القومي فهو الجهة التي تتخذ القرار بشأن الاتفاق من عدمه وتوقيته ومفاده وعدد بنوده. ويعود السبب الرئيس لهذه الاحتجاجات على الاتفاق إلى أن هناك تيارا وشخصيات في أركان النظام يعارضون بعض القرارات الصادرة ولكنهم أصبحوا في الأقلية وبالتالي تعبر هذه الأقلية عن رأيها من خلال الاحتجاجات في الشوارع. ومن السذاجة أن نعتبر أن (جبهة بايداري) هي الجهة الوحيدة المعارضة للاتفاق. إذا أراد النظام إسكات صوت هذه الفئة من المتشددين في الشوارع لفعل ذلك بسهولة وبسرعة ولكن هذه الأقلية المتشددة المعارضة لأي تفاهم مع أميركا لديها نفوذ واسع في أركان النظام".

الاتفاق خيانة إذا كانت إيران قادرة على هزيمة الولايات المتحدة وإخراج قواتها من المنطقة

وذكرت صحيفة "توسعة إيراني" في تقرير لها بعنوان: "هل يعارض معارضو الاتفاق المرشد؟". في 15 يونيو، أن "المتشددين يستمرون في الحشد في الشوارع والشبكات الاجتماعية والمنصات الحكومية. حيث يعلن المتشددون معارضتهم للمفاوضات مع أميركا من خلال مسيرات وتجمعات في أماكن عديدة، منها أمام مقر وزارة الخارجية وساحات المدن الكبرى محاولين فرض روايتهم عن (الاستسلام) على الرأي العام. ويصدر الشخصيات المحسوبة على (جبهة بايداري) وسعيد جليلي منذ أسابيع عديدة دعوات للمسيرات والتجمعات وإلقاء الخطب وصدور البيانات المنددة بالمفاوضات مع الولايات المتحدة. ويطلق هؤلاء الذين يتجمعون في الشوارع هتافات عديدة منها (الموت للمساوم)، (قاليباف وعراقجي هل نسيتما الانتقام لدماء المرشد الشهيد؟)، (لا للاتفاق). وتعتقد هذه الفئة المتشددة أن المفاوضات مع الولايات المتحدة ليست خطوة تكتيكية سياسية بل تمثل تجاوزا للأهداف التي أقيمت الجمهورية الإسلامية على أساسها. ولكن هذا الاستدلال يتناقض مع الخطاب الرسمي للنظام الذي يؤكد أن الجمهورية الإسلامية لن تبرم اتفاقا مع الولايات المتحدة دون تأييد المرشد وأن القرار المتعلق بالاتفاق يصدر عن أعلى مستوى في النظام".

ويرى النائب المحسوب على "جبهة بايداري" حسين صمصامي أنه يطيع أوامر "المرشد" ولكن لديه رأيا آخر.

رويترز
تدريب عسكري إيراني على شاطئ مكران في خليج عُمان، بالقرب من مضيق هرمز، في 31 ديسمبر2022

وأضاف صمصامي في حوار مع "رويداد 24" أن "الاتفاق خيانة إذا كانت إيران قادرة على هزيمة الولايات المتحدة وإخراج قواتها من المنطقة. وإذا كانت إيران غير قادرة على هزيمة أميركا لا ينبغي عليها التفاوض على القدرات النووية، ولكن يجب استغلال الفرصة لاستعادة القوة العسكرية. يجب علينا معرفة عدونا. نواجه عدوا هدفه الرئيس السيطرة على نفطنا. لقد فعلتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان ودول أخرى. الولايات المتحدة قوة بلطجية تسعى للسيطرة على موارد الدول. لا تلتزم الولايات المتحدة بأي اتفاق بل وتفعل أي شيء للوصول إلى أهدافها، منها اغتيال القادة وقصف المدن. هذا هو عدونا".

وتابع صمصامي: "لا يجوز على إيران التفاوض ووقف إطلاق النار إذا كانت قادرة على مواجهة عدوها وإلحاق الهزيمة به وتوجيه ضربة تؤدي إلى خروجه من المنطقة. إن وقف إطلاق النار في هذه الحالة خيانة والمفاوضات خيانة لأننا نواجه عدوا شن عدوانا علينا وقتل مرشدنا والكثير من قياداتنا العسكرية والسياسية ودمر الكثير من منشآتنا".

font change

مقالات ذات صلة