"مذكرة اسلام آباد" من منظور صيني: أي إيران أكثر فائدة... المعزولة أم البرغماتية؟

أوجدت الحرب هامشا أوسع لدور صيني أكثر حضورا في معادلات الأمن الإقليمي

رويترز
رويترز
الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان ونظيره الصيني شي جين بينغ في بكين في 2 سبتمبر 2025

"مذكرة اسلام آباد" من منظور صيني: أي إيران أكثر فائدة... المعزولة أم البرغماتية؟

لقد مضى وقت طويل، منذ أن أطلق ماو تسي تونغ، أواخر ستينات القرن الماضي، عبارته الشهيرة: "هناك فوضى كبيرة تحت السماء؛ الوضع ممتاز"، في إشارة إلى أن الأزمات والاضطرابات التي كانت تضرب العالم آنذاك من كل اتجاه، تفتح أمام الصين فرصا سياسية واستراتيجية جديدة.

واليوم، بعد نحو ستة عقود على كلمات ماو، تبدّلت مكانة الصين جذريا، وأصبحت منافسا مباشرا على المرتبة الأولى اقتصاديا، وتمتلك قدرات عسكرية وتكنولوجية ودبلوماسية، تجعلها الندّ الوحيد تقريبا للولايات المتحدة. وباتت الصين تحرص على تقديم نفسها، بوصفها "قوة عظمى مسؤولة" تستثمر في استقرار النظام الدولي. ولا يتردد بعض دبلوماسييها، وربما بقدر من الوجاهة، في التذكير بأن بكين، لم تخض حربا منذ عقود، بخلاف الولايات المتحدة التي يحمل سجلها الحديث، سلسلة طويلة من التدخلات العسكرية، وكذلك روسيا التي انخرطت خلال العقود الأخيرة، في نزاعات إقليمية متتالية، امتدت من الشيشان إلى جورجيا وسوريا، وصولا إلى أوكرانيا.

مع ذلك، لا تخلو مقولة ماو من دلالة في سياق الحرب الإيرانية؛ فحالة الفوضى التي وجدت الولايات المتحدة نفسها تنزلق إليها، نتيجة قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب شنّ حرب مشتركة مع إسرائيل ضد إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، من دون استراتيجية واضحة، وبلا دعم وموافقة من الحلفاء، من المرجح أنها أغرت بعض كبار المسؤولين الصينيين لاستحضار عبارة ماو، لا سيما أن الحرب صوّرت في بعض دوائر التحليل الاستراتيجي، كحلقة ضمن نمط أوسع يستهدف الممرات البحرية، ونقاط القوة التي تمنح الصين أفضلية نسبية في بعض جوانب المنافسة الاستراتيجية بينها وبين الولايات المتحدة، بدءا من قناة بنما مرورا بنفط نيجيريا وفنزويلا وصولا إلى إيران ومضيق هرمز.

بدأ عدد من الخبراء مبكرا في الحديث عن مكاسب صينية واضحة، إذ إن الصراع، عزز مناعة بكين الاستراتيجية، ووسّع هوامش مناورتها في ملف الطاقة

مكاسب مبكرة

وحتى قبل انقشاع غبار الحرب، بدأ عدد من الخبراء مبكرا في الحديث عن مكاسب صينية واضحة، إذ إن الصراع، عزز مناعة بكين الاستراتيجية، ووسّع هوامش مناورتها في ملف الطاقة، وكرّس في الوقت نفسه صوابية مقاربتها، القائمة على تعظيم المخزونات النفطية كأداة تحوّط.

كما تعزز موقع الصين الدبلوماسي على الساحة الدولية، وفي المنطقة بوصفها طرفا قادرا على التحدث بلغة واحدة مع جميع الأطراف، وقد انعكس ذلك في الدور الحاسم الذي لعبته، لا سيما بحكم علاقتها العميقة مع الوسيط الباكستاني في إرساء هدنة 8 أبريل/نيسان، ثم التوقيع على مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية في 17 يونيو/حزيران.

وأوجدت الحرب هامشا أوسع لدور صيني أكثر حضورا في معادلات الأمن الإقليمي، في ظل التساؤلات الجدية داخل عدد من دول الخليج، حول متانة الضمانات الأمنية الأميركية وحدودها، ودفعت تداعيات إغلاق مضيق هرمز، إلى عودة الاهتمام ببدائل الطاقة، ومسارات التحول الأخضر، وهو ما يوسّع أسواق الطاقة النظيفة أمام الصين، خصوصا في قطاع الطاقة الشمسية، الذي بات أحد أبرز أدواتها التنافسية.

(أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال توقيع اتفاق لإنهاء حرب الشرق الأوسط، 18 يونيو 2026

وأتاح النزاع فرصا إضافية أمام الشركات الصينية، في ملفات إعادة الإعمار، وإعادة التأهيل الاقتصادي، سواء في بعض دول الخليج التي تتطلب حلولا سريعة وبنى خدمية عالية الكفاءة، أو في إيران، حيث تبقى بكين الأكثر تأهيلا للمشاركة في أي مسار مستقبلي، لإعادة دمج الاقتصاد الإيراني في النظام التجاري والمالي الدولي.

أي إيران تفضل الصين؟

ونظرا لهشاشة الاتفاق والتعقيدات التي تحيط به وبالمفاوضات المرتقبة، رحّبت الصين بتفاؤل حذر بتوقيع مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية، التي تمدد عمليا الهدنة لشهرين، وتعيد فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، وتخفف بعض القيود الأميركية عن عدد من الموانئ الإيرانية المطلة على الخليج، كما تفتح مسارا تفاوضيا معمقا بين طهران وواشنطن، حول الملف النووي وقضايا أخرى.

غير أن الوثيقة المكونة من 14 بندا، والتي أجمع محللون على أنها تتضمن مكاسب ملموسة، وحوافز اقتصادية لطهران، بعضها فوري والآخر مرهون بنتائج المفاوضات، أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت ستنعكس على موقع الصين السياسي والاقتصادي داخل إيران، وهو موقع تبلور وتراكم أساسا في ظل العزلة السياسية والعقوبات، أو بمعنى آخر طرحت المذكرة سؤالا حول أي إيران تفضل الصين، إيران البرغماتية المنفتحة أم إيران الثورية المعزولة.

من المرجح أن تواصل بكين الاستفادة من الخصومات السعرية على مشترياتها من النفط الإيراني طوال فترة سريان المذكرة الممتدة لشهرين والقابلة للتمديد، ما يمنح الصين فرصة لتعويض أي نقص محتمل في الإمدادات

وللإجابة على هذا السؤال، ينبغي في البداية قياس مستوى التأثير المباشر لمذكرة التفاهم على الصين، ويقول الدكتور تانغ تشي تشاو، ومدير قسم الدراسات السياسية في "الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية"، ونائب رئيس وأمين عام "الجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط" لـ"المجلة": "إن خفض التصعيد يساهم في تسهيل الملاحة في مضيق هرمز، ويعزز أمن واردات الطاقة الصينية، وهو ما يتماشى مع المصالح الجوهرية لبكين".

ومن المرجح أن تواصل بكين الاستفادة من الخصومات السعرية على مشترياتها من النفط الإيراني طوال فترة سريان المذكرة، الممتدة لشهرين والقابلة للتمديد، ما يمنح الصين فرصة لتعويض أي نقص محتمل في الإمدادات، وربما تعزيز احتياطاتها الاستراتيجية من الخام على المدى القصير.

كذلك، فإن الإفراج الكامل عن الأصول المالية الإيرانية المجمدة، وفق ما تنص عليه المذكرة، قد يمنح الصين هامش تأثير واسعا على ما بين 20 و50 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة لديها، بحسب تقديرات نقلتها صحيفة "وول ستريت جورنال".

 كسر سلسلة فنزويلا

من ناحية أخرى، يرى محللون أن صياغة مذكرة التفاهم، التي أُطلق عليها اسم "مذكرة إسلام آباد" أو "إعلان إسلام آباد"، تعكس بوضوح فشل الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها من المواجهة. ويقول الدكتور تانغ تشاو تشي، الباحث الأول في "معهد دراسات غرب آسيا وأفريقيا" ومدير قسم الدراسات السياسية في "الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية" لـ"المجلة": "إن المذكرة في جوهرها تمثل حالة إدارة أضرار فرضتها الظروف على واشنطن".

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال اجتماع ثنائي في مطار غيمهاي الدولي، على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، في بوسان، كوريا الجنوبية، في 30 أكتوبر 2025

ومن منظور استراتيجي أوسع، فإن هذا الفشل الأميركي ربما يكون قد كسر سلسلة محتملة من "النجاحات المتتابعة" لواشنطن، بعد فنزويلا، ضد مناطق تقع بشكل مباشر أو غير مباشر ضمن دوائر النفوذ الاقتصادي أو السياسي للصين. وهو ما قد يرفع، في المحصلة، كلفة أي تحرك أميركي عدائي مستقبلي، يُفترض أن يستهدف مصالح صينية أكثر وضوحا، ويحدّ من هامش اندفاع إدارة ترمب الثانية في استخدام القوة العسكرية.

العودة الأميركية

على مستوى آخر، يمكن قراءة مذكرة التفاهم بوصفها خطوة تمهيدية لعودة أميركية محدودة إلى ساحة خرجت من المدار الغربي منذ أكثر من أربعة عقود. ويضع هذا التطور إيران، التي قامت عقيدتها الخارجية تاريخيا على شعار "لا شرق ولا غرب" وعلى قطيعة عميقة مع الولايات المتحدة، أمام معادلة أكثر تعقيدا. إذ قد يدفعها ذلك إلى تعميق تعاونها مع الصين وروسيا كأداة لإعادة التوازن.

أفول شراكة الاعتماد الاضطراري

في جانب آخر، تحمل مذكرة التفاهم حوافز اقتصادية ومالية وتجارية لإيران، إلى جانب تعهد برفع تدريجي ومشروط للعقوبات، فيما تحدثت تقارير عن تطرق المفاوضات، إلى احتمال دخول شركات أميركية إلى السوق الإيرانية، ومن الناحية النظرية، قد يفضي كل ذلك إلى تراجع اعتماد طهران على الصين، وهو اعتماد تشكّل أساسا في ظل الحصار والعقوبات، قبل أن يتعزز مع تنامي الثقل الاقتصادي الصيني، ما قد يدفع إيران إلى توسيع هامش تنويع شراكاتها.

ولا ينكر الدكتور شو مينغتشي، أستاذ الاقتصاد في جامعة بكين، احتمال تراجع هذا الاعتماد، لكنه يصفه بأنه "هامشي". ويقول لـ"المجلة": "إن موقع الصين في إيران لا يستند فقط إلى العقوبات، بل أيضا إلى حجم الاقتصاد الصيني، والطلب طويل الأمد، والقدرات في مجالات البنية التحتية والتمويل، فضلا عن العلاقة الدبلوماسية الأوسع".

القضية لا تتعلق فقط بامتلاك إيران لشركاء محتملين أكثر، بل بقدرة هؤلاء على مجاراة الصين من حيث الحجم والاستمرارية، والتكامل العابر للقطاعات

ويضيف أن القضية لا تتعلق فقط بامتلاك إيران لشركاء محتملين أكثر، بل بقدرة هؤلاء على مجاراة الصين من حيث الحجم والاستمرارية، والتكامل العابر للقطاعات. فالصين، بحسب شو، ليست مجرد مشترٍ للنفط الإيراني، بل سوق طاقة ضخمة ومستقرة، ومورّدا رئيسا للسلع الصناعية، وشريكا قادرا على الانخراط في مشاريع البنية التحتية واللوجستيات والتصنيع والبتروكيماويات، والربط النقلي في الوقت نفسه. وفي حين قد تبدي شركات غربية اهتماما بالعودة إلى السوق الإيرانية، يلفت شو إلى أن كثيرا منها سيظل حذرا، بسبب احتمالات عودة العقوبات، واستمرار الضبابية السياسية، والمخاطر المرتبطة بالامتثال، في مقابل أن الصين طوّرت بالفعل الشبكات التجارية، وقنوات الطاقة ومستوى الثقة السياسية اللازم للعمل في البيئات المعقدة.

أ.ف.ب
الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان خلال عرض عسكري بمناسبة يوم الجيش السنوي للبلاد في طهران في 18 أبريل 2025

ويرى الأكاديمي الصيني أن النفوذ الصيني قد ينتقل من مرحلة "الاعتماد الاضطراري" إلى شراكة مؤسساتية أكثر رسوخا، موضحا أن بكين، إذا واصلت تقديم نفسها كشريك اقتصادي طويل الأمد، وليس مجرد مشترٍ نفطي في أوقات الأزمات، فستحافظ على نفوذ كبير داخل إيران حتى في مرحلة ما بعد العقوبات.

النفط الرخيص

في الوقت الذي تتيح فيه مذكرة التفاهم لإيران، بيع نفطها من دون قيود تُذكر، برزت تحليلات تتحدث عن احتمال خسارة الصين، لميزة شراء النفط الإيراني بأسعار مخفّضة. ويقول شو إن اتساع قاعدة مشتري النفط الإيراني، قد يؤدي فعلا إلى تقليص الأفضلية السعرية، التي كانت تتمتع بها بكين. لكنه يضيف أن العقوبات نفسها فرضت تكاليف ملموسة على الصين، من بينها ارتفاع مخاطر الشحن، وتعقيدات التأمين، وصعوبات الدفع، فضلا عن المخاطر المرتبطة بالسمعة بالنسبة للشركات، إضافة إلى حالة عدم اليقين في آليات التنفيذ. وبالتالي، يرى شو أن تراجع الخصومات لا يعني بالضرورة نتيجة سلبية، إذا ما أدت التسوية إلى بيئة تجارية أكثر استقرارا وقابلية للتوقع، خصوصا أن أمن الإمدادات وموثوقيتها، بالنسبة إلى مستورد رئيس للطاقة مثل الصين، لا يقل أهمية عن السعر نفسه.

طريق الحرير وزيادة الاستثمار

من ناحية أخرى، يستبعد مراقبون أن تؤدي مذكرة التفاهم، بحد ذاتها، إلى طفرة كبيرة في الاستثمارات الصينية في البنية التحتية داخل إيران، في ظل أن عزلة طهران خلال السنوات الماضية، كانت أحد العوامل التي عطّلت تقدّم عدد من مشاريع "الحزام والطريق".

ويقول شو إنه إذا بقي الاتفاق هشّا أو قابلا للانهيار، فإن الشركات الصينية ستواصل التحرك بحذر، مع تسعير دقيق للمخاطر السياسية. ويرجّح أن تعطي بكين الأولوية للمشاريع ذات العوائد التجارية الواضحة، والمخاطر القابلة للإدارة، والقيمة الإقليمية المرتفعة في مجال الربط.

رويترز
سفن راسية في مضيق هرمز، كما تظهر من مسندم، عمان، 19 يونيو 2026

وبحسب هذا التصور، فإن النتيجة الأكثر ترجيحا ليست تدفقا واسعا للاستثمارات، بل تقدّم انتقائي في قطاعات محددة، تشمل ممرات النقل، والخدمات اللوجستية للموانئ، وخطوط السكك الحديدية، والبنية التحتية للطاقة، والبتروكيماويات، والمناطق الصناعية.

وفي الوقت الذي تدخل فيه "مذكرة إسلام آباد" اختبارها الأصعب مع الانتقال إلى مرحلة المفاوضات، بوصفها المحكّ الحقيقي لمستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران، بدا لافتا أن لحظة توقيع المذكرة تزامنت مع كلمة لمحمد باقر قاليباف، أبرز مسؤول إيراني في المرحلة الحالية، أمام غرفة التجارة الإيرانية، شدد فيها على ضرورة إقناع بكين بأن إيران ليست مجرد بائع للنفط أو طرف تجاري عابر، بل شريك استراتيجي يعرف أصدقاءه ويدرك حدود تحالفاته. تختصر كلمة قاليباف، إلى حد كبير، معالم المرحلة المقبلة وحدود التحول في موقع الصين داخل إيران، بين شراكة صاغتها العقوبات، وشراكة قد تختبرها لحظة الانفتاح.

font change

مقالات ذات صلة