كوريا الشمالية... ثمانون عاما من حلم التوحيد طواها تعديل دستوري واحد

حلم التوحيد

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وهو يحضر الجلسة الأولى للجمعية الشعبية العليا الخامسة عشرة في قاعة مانسوداي في بيونغ يانغ، في 22 مارس 2026

كوريا الشمالية... ثمانون عاما من حلم التوحيد طواها تعديل دستوري واحد

كان "قوس التوحيد" في بيونغ يانغ يوماً رمزاً تتغنى به الدعاية الرسمية. حالياً يصفه كيم جونغ أون بـ"المنظر القبيح". وبين الوصفين مسافة دستورية كاملة، من أمة واحدة منقسمة مؤقتاً، إلى دولتين متعاديتين. هكذا يطوي تعديل دستوري واحد، صدر في 23 مارس/آذار 2026، سبعة عقود من خطاب "الأمة الواحدة"، ويعيد رسم خرائط السيادة والعداء في شبه الجزيرة الكورية.

أقرت كوريا الشمالية في 23 مارس 2026 تعديلاً دستورياً شاملاً، في خطوة تاريخية غير مسبوقة تُمثل تحولاً جذرياً في هوية الدولة الدستورية، معلنةً بها قطيعةً أيديولوجيةً مع ثوابت تاريخية. لا يُعتبر ذلك التعديل مجرد مراجعة دورية لتوزيع الصلاحيات الدستورية أو إعادة تنظيم أو تسمية لسلطات ومؤسسات الدولة المدنية والعسكرية؛ بل يعتبر إعادة صياغة كاملة للمفهوم الجيوسياسي والسيادي للدولة. تم إسقاط كلمة "الاشتراكي" من اسم الدستور ليعكس "دولة شعبية" تركز على حماية المصالح الوطنية، دون أوهام الوحدة الكورية، وتم إسقاط أي إشارة إلى الوحدة مع كوريا الجنوبية واعتبارها منذ أكتوبر/تشرين الأول 2024 "دولة معادية"، مدشِّناً بذلك قطيعةً رسمية مع سبعة عقود من خطاب الوحدة، ومنح كيم جونغ بصفته "رأس الدولة" سلطة مطلقة على البرنامج النووي الذي اعتبر في تعديل سابق حقاً دستورياً لكوريا الشمالية، وسلطات وصلاحيات تشريعية مطلقة.

ليرسخ هذا التعديل نهجاً دستورياً جديداً يقوم على الانفصال التام عن الثوابت المُؤسسة لكوريا الشمالية والتخلي عن "حلم الأمة الواحدة". يُفكك هذا المقال أبعاد هذه القفزة الدستورية، وكيفية تحول الدستور الكوري الشمالي من وثيقة عقائدية تهدف إلى "التحرير المشترك" للكوريتين وتبني الاشتراكية التقليدية، إلى وثيقة تحريضية تنم عن حالة عداء دائم، وترسم حدوداً دولية مغلقة بالحديد والنار، مما يضع القانون الدولي والنظام الإقليمي أمام واقع أمني وسياسي غير مسبوق يهدد الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية والتوازنات الدولية الإقليمية.

"تحول الدستور الكوري الشمالي من وثيقة عقائدية تهدف إلى "التحرير المشترك" للكوريتين، إلى وثيقة تحريضية ترسم حدوداً دولية مغلقة بالحديد والنار

من احتلال إلى تقسيم حرب لم تنتهِ

لا يمكن استيعاب جسامة تعديلات 2026 الدستورية دون الإحاطة بالظروف التاريخية التي أدت إلى جذور الانقسام والنزاع بين الكوريتين. خضعت شبه الجزيرة الكورية للاحتلال الياباني في الفترة من (1905-1945)، منذ أُجبرت الإمبراطورية الكورية على توقيع معاهدة "إيولسا" المعروفة باسم "معاهدة الوزراء الخونة الخمسة" عام 1905، التي فرضت الحماية اليابانية على كوريا بالكامل. وعقب هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية واستسلامها رسمياً عام 1945، اتفقت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي على تقسيم إدارة شبه الجزيرة الكورية بينهما عند خط 38 درجة شمالاً لخمس سنوات، فتولت "الإدارة المدنية السوفياتية في كوريا" الشطر الشمالي، وأسست حكومة مؤقتة باسم "حكومة كوريا الشعبية" بين عامي (1945-1946) وذراعها التنفيذية "اللجنة الشعبية المؤقتة لكوريا الشمالية"، بينما تولت "الحكومة العسكرية للجيش الأميركي" إدارة الشطر الجنوبي.

في أعقاب ذلك أُعلن قيام "جمهورية كوريا" (كوريا الجنوبية) في أغسطس/آب 1948، برئاسة ري سنغ مان، وتلاها في سبتمبر/أيلول 1948 إعلان "جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية" (كوريا الشمالية) برئاسة الزعيم الشيوعي كيم إيل سونغ. واعترفت الأمم المتحدة بحكومة جمهورية كوريا الجنوبية بصفتها الممثلة الوحيدة للدولة الكورية.

أ.ف.ب
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يزور موقع تصنيع غواصة نووية استراتيجية تعمل بالصواريخ الموجهة، تزن 8700 طن، في موقع لم يُكشف عنه في كوريا الشمالية، في 25 ديسمبر 2025

أدى إعلان قيام الدولتين إلى نشوب الحرب الكورية بين الشمال والجنوب في يونيو/حزيران 1950 عندما غزا الجيش الكوري الشمالي، كوريا الجنوبية في محاولة لتوحيد البلاد بالقوة، بدعم الاتحاد السوفياتي والصين، في مواجهة دعم الولايات الأميركية وحلفائها للجنوب، وانتهت الحرب بتوقيع هدنة عام 1953 مخلفة خسائر بشرية فادحة دون نصر حاسم لأي طرف، وعدلت الحدود الفاصلة بين الكوريتين إلى الحدود التي توقف عندها الطرفان في نهاية الهدنة، لتخلق هذه الحرب هاجساً دائماً لدى الجنوب من غزو شمالي يهدد بتقويض نظامه الديمقراطي وفرض النظام الشيوعي عليه بالقوة.

بين دستور ستالين ودستور "الجوتشيه" الاشتراكي

في هذه الأجواء، صدر الدستور "الكوري الشمالي الأول عام 1948" وتمت صِياغته كوثيقة تأسيسية أولى للدولة الوليدة، بإشراف سوفياتي مباشر، بل إن بعض المؤرخين أفادوا بأن الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين شارك شخصياً في صياغته مع تيرينتي شتيكوف المسئول السوفياتي، على غرار دستور الاتحاد السوفياتي لعام 1936، متبنياً الأيديولوجية "الماركسية-اللينينية" بصيغتها "الستالينية" الكلاسيكية، وليُقنِّن صلاحيات وإصلاحات "اللجنة الشعبية المؤقتة" ويُرسي "الجمعيةَ الشعبية العليا" كأعلى سلطة تشريعية، مع لجنة حكومية دائمة ومجلس وزراء تنفيذي، مع الإقرار بأن إعادة توحيد الكوريتين في بلد واحد هو هدف "مصيري وحتمي".

لذا تم النصَّ على اعتبار مدينة سيول عاصمةً قانونية لكوريا الموحَّدة، واعتبار بيونغ يانغ عاصمة مرحلية مؤقتة. وتكَون الدستور من مقدمة و104 مواد موزعة على 10 فصول، واعتبر توحيد الكوريتين هدفاً مصيرياً، ناصّاً على اعتبار مدينة سيول عاصمةً قانونية لكوريا الموحَّدة، واعتبار بيونغ يانغ عاصمة مرحلية مؤقتة، وخضع ذلك الدستور لخمس تعديلات بين عامي 1954 و1962، عكست التكيف الكوري مع السياسات السوفياتية خلال الحرب الباردة في أعقاب وفاة جوزيف ستالين عام 1953.

دستور تركيز السلطة 1972

أما التحول الدستوري الجوهري فقد جاء في ديسمبر/كانون الأول 1972 حين اعتمدت الجمعية الشعبية العليا "الدستور الاشتراكي"، المكوّن في نسخته الأصلية من مقدمة و172 مادة في 7 فصول، والذي تخلى عن "الماركسية-اللينينية" بالتطبيق "الستاليني"، وأبقى على "الماركسية-اللينينية العامة" مع دمجها مع عقيدة "الجوتشيه - Juche"، بدلاً من "الستالينية" السوفيتية أو "الماوية" الصينية، وجعلها مرجعاً أيديولوجياً للدولة.

تقوم هذه الفلسفة على الاعتماد على الذات والاستقلالية القومية لكوريا الشمالية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وتجعل الشعب "سيد كل شيء" تحت قيادة الحزب الحاكم، ويعد الدستور تجسيداً لـ"المبادئ العشرة لنظام الأيديولوجيا الواحدة"، التي أعلنها الزعيم الكوري كيم إيل سونغ في ديسمبر 1967 من عشرة مبادئ، حيث صيغت في 65 مادة تضع معايير للحكم وتوجه سلوكيات شعب كوريا الشمالية. ونقل دستور 1972 العاصمة رسمياً إلى بيونغ يانغ، واستحدث منصب رئيس الجمهورية وركز السلطة المطلقة في يد كيم إيل سونغ، ليجمع له السلطتين التنفيذية والعسكرية ضمن منظومة فريدة معقدة تتشابك فيها الدولة بالحزب مع شخص الزعيم، الذي يتحكم كذلك في السلطتين التشريعية والقضائية بشكل غير مباشر.

"أسقط لفظ "الاشتراكي" رسمياً من اسم الدستور، لتتحول من "دولة اشتراكية جوتشية" إلى "دولة شعبية مركزية" تمثل مصالح الشعب الكوري

 مسار طويل لترسيخ الهوية

شهد دستور 1972 اثني عشر تعديلاً تراكمياً بين عامي (1992-2025)، تسعة منها رئيسة، بدأ إقرارها في أواخر عهد كيم إيل سونغ، كنوع من تكيّف النص الدستوري مع متغيرات الأحداث الجيوسياسية عالمياً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.

أبرز ملامح هذه التعديلات زمنياً:

توطيد الخلافة العائلية من كيم إيل سونغ إلى كيم جونغ إيل، ثم إلى "كيم جونغ أون، بإضفاء الشرعية الدستورية على كل انتقال للسلطة.

الفصل الدستوري بين الرئاسة المدنية للدولة والقيادة العسكرية عبر فصل رئاسة "لجنة الدفاع الوطني" عن قيادة القوات المسلحة.

إلغاء منصب رئيس الجمهورية فعلياً، وإعلان كيم إيل سونغ، "الرئيس الأبدي للجمهورية" بعد وفاته.

إعلان كيم جونغ إيل رئيساً أبدياً لـ"لجنة الدفاع الوطني".

حذف "الماركسية-اللينينية" من نص الوثيقة مع الحفاظ على الإطار الاشتراكي العام لفلسفة "الجوتشيه" كأيديولوجيا راسخة للدولة.

أ.ف.ب
جنود كوريون جنوبيون أمام قاعة بانمون الكورية الشمالية في قرية بانمونجوم، الواقعة ضمن منطقة الأمن المشتركة في المنطقة المنزوعة السلاح التي تفصل بين الكوريتين، في 9 مايو 2023

حذف أي ذكر لكلمة "شيوعية" من نص الوثيقة وأي إشارة للاتحاد السوفياتي ودول الكتلة الشرقية سابقاً.

تعزيز سياسة الـ"سونغون" (Songun) (الجيش أولاً) أو "الأولوية العسكرية"، والتي تستهدف تخصيص أولوية الموارد الاقتصادية للدولة والجهود الحكومية والمجتمعية بشكل رئيس للمجهود الحربي والجيش الشعبي الكوري، واعتبار الجيش نموذجاً يُحتذى به في المجتمع.

وتكريس وتقنين حق كوريا الشمالية في امتلاك برنامج نووي بوصفه "عقيدة ردع" دستورياً والنص عليه في مقدمة وديباجة الدستور.

تعريف كوريا الجنوبية دستورياً كـ"دولة مغتصبة للشطر الجنوبي".

إلغاء "لجنة الدفاع الوطني" وإنشاء "لجنة شؤون الدولة"، وتنصيب كيم جونغ أون رئيساً لها بصفته "رأس الدولة" فعلياً، الممثل للشعب وله صلاحيات إصدار القرارات والمراسيم والتصديق على المعاهدات.

إقرار تعديلات بشأن إصلاحات إدارية وتنظيمية متعلقة بحقوق العمل وسن الانتخابات.

إعادة تسمية بعض المؤسسات القضائية العليا، أهمها تغيير اسم "المحكمة المركزية" إلى "المحكمة العليا"، و"مكتب المدعي العام المركزي" إلى "مكتب المدعي العام الأعلى".

ظلت هذه التعديلات متمحورة حول إعادة ترتيب بنية السلطة الدستورية داخلياً وتشكيل هوية الدولة تدريجياً قبل أن يصل إلى لحظته الأكثر جذريةً في مارس 2026، التي أطاحت بما ظلَّ ثابتاً طوال هذه العقود.

منح التعديل غطاءً دستورياً لاحتمال غزو الجنوب وإخضاعه بالقوة المسلحة في حال اندلاع نزاع، واعتبار السلاح النووي أداة ردع عامة ضد القوى الإمبريالية التي تحاول منع ذلك الضم

زلزال مارس 2026: حذف الوحدة ودسترة العقيدة العدائية

يمثل تعديل مارس 2026 الانقطاع الدستوري الأكثر راديكالية في تاريخ كوريا الشمالية؛ إذ تجاوزت التعديلات الدستورية الهيكلية التقليدية لتحدث ثورة في "مفهومي السيادة والحدود"، وبمثابة دستور جديد كلياً، إذ شملت تعديل 64 مادة وحذف 4 مواد، وإسقاط لفظ "الاشتراكي" رسمياً من اسم الدستور، محولاً إياه من اسم "الدستور الاشتراكي لجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية" إلى "دستور جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية"، وأُعيدت صياغة المقدمة لتتحول من "دولة اشتراكية جوتشية" إلى "دولة شعبية مركزية" تمثل مصالح الشعب الكوري، وحذفت عبارات "الانتصار الكامل للاشتراكية".

كما حُذف بشكل كامل وممنهج من المقدمة أو الديباجة أو مواد الدستور أي إشارة تكرّس "التوحيد السلمي مع الجنوب" أو "القرابة القومية"، معيداً تكييف كوريا الجنوبية دستورياً من شطر مغتصَب تجب استعادته، إلى "الدولة الأجنبية المعادية الرئيسة والمستمرة"، أما الأخطر في هذا الصدد فهو تقنين "شرعية الحرب والضم الكامل" دستورياً؛ إذ منح التعديل غطاءً دستورياً لاحتمال غزو الجنوب وإخضاعه بالقوة المسلحة في حال اندلاع نزاع، واعتبار السلاح النووي أداة ردع عامة ضد القوى الإمبريالية التي تحاول منع ذلك الضم، ومنح كيم جونغ أون السيطرة الاستراتيجية المطلقة على البرنامج النووي دستوريا، دون الرجوع لقيادة القوات المسلحة.  بالإضافة لمنحه حق النقض– وليس الاعتراض– على التشريعات الصادرة من الجمعية الشعبية العليا (البرلمان أو المجلس التشريعي لكوريا الشمالية)، فضلاً عن تعيين وإقالة كبار المسؤولين.

أفق مشتعل في شبه جزيرة ممزقة

تؤسس هذه القفزة الدستورية لواقع استشرافي شديد التعقيد يضع القانون الدولي والأمن الإقليمي في مأزق غير مسبوق. فإلغاء "الوضع الخاص" بين الشطرين يؤدي إلى نسف كافة الاتفاقيات التاريخية وإعلان موت الهدنة قانوناً، ويحوّل خطوط التماس المؤقتة إلى حدود دولية مغلقة بالنار، ترفع من احتمالات الاحتكاك العسكري غير المحسوب.

ودولياً، يمنح هذا التعديل الدستوري للوضع النووي والعدائي غطاءً محلياً لتعميق التحالفات العسكرية لبيونغ يانغ مثل معاهدة الدفاع المشترك مع موسكو، ويغلق الباب نهائياً أمام مفاوضات نزع السلاح. ويدخل الاستقرار الإقليمي مرحلة ما يمكن تسميته "الردع المتبادل الخشن"، حيث لم يعد الدستور الكوري الشمالي وثيقة لبناء الاشتراكية، بل عباءة قانونية تشرعن صراعاً دائماً ومفتوحاً على كافة الاحتمالات.

font change