"في الحقيقة، كنت معجبة جدا بالفن الذي ينتج، لكنني لم أكن منسجمة معهم"، جملة قالتها الفنانة البريطانية سيسيلي براون، لخصت من خلالها موقفها من المغامرة الفنية التي كان أبناء جيلها يخوضونها في مجال الفنون المعاصرة. وصفتهم بالأطفال الرائعين وكانت تشعر بالخجل من الحديث إليهم. بمعنى أنهم من وجهة نظرها كانوا يلعبون.
لم تكن براون في بداية تسعينات القرن الماضي راغبة في ركوب الموجة التي حملت سارة لوكاس وداميان هيرست وتريسي أمين إلى الشهرة وفتحت أمامهم أبواب الصالات والمتاحف العالمية، فغادرت إلى نيويورك. ويبدو أنها لم تشعر بحرية شخصيتها المستقلة إلا هناك بعدما تحررت من أعباء الشعور بالإحباط في مواجهة "الألعاب العبثية" من حولها. تقول:، "كان هناك شعور سائد في لندن آنذاك بأن الرسام فاشل. لم أشعر بالخجل لكوني رسامة في نيويورك".
في معرضها "صناعة الصور" المقام حاليا على "قاعة سربنتين الجنوبية" بلندن هناك غير سبب للقول بانتصار الرسم الذي راهنت عليه من غير أن تفقد الثقة به، على الرغم من أن كل الأجواء التي أحاطت بنشأتها الفنية كانت توحي بأنه رهان خاسر بعدما انقلبت عليه صالات فنية مهمة وأدار أصحاب الأموال ظهورهم له بتأثير من الدعاية الصحافية التي لجأت إلى استعمال أقلام عدد من نقاد الفن. فعلى الرغم من أن فن سيسيلي براون لا ينطوي على تعامل تبسيطي مع مصادر إلهامه التي تقع في الطبيعة، فهو فن معقد وغامض، غني بالإيحاءات غير المباشرة، يفاجئ المتلقي بصخبه اللوني ويتأنى في الانفتاح على متعته، غير أن لوحاتها صارت تباع بملايين الدولارات، مما وهب أعمالها قيمة في السوق نادرا ما يتمتع بها فنان حي.
أحيانا يكون الرسم العفوي مفيدا
تقع صالة "سربنتين" الجنوبية وسط حدائق كنسينغون المجاروة لهايد بارك. ذلك موقع مناسب لعرض أعمال الفنانة المولعة برسم الحدائق. سيكون للجملة الأخيرة أثر سيء لو أن المرء تخيل نوعا من الرسوم التوضيحية التي تعتمد على الوصف ولا تفارقه. موهبة الفنانة التي أقام لها أخيرا متحف "متروبوليتان" للفنون في نيويورك معرضا استعاديا، تكمن في الإخلاص لمفردات المشهد الطبيعي من خلال رسمها بعناية فائقة ومن ثم تفجيرها من الداخل. تتقن سيسيلي براون عملية البناء من أجل أن تكون عملية هدمه أكثر إثارة على المستوى الجمالي. ما أخفته الفنانة بضربات ريشتها النظيفة والرشيقة، يمكن رؤيته لكن بصعوبة وهو ما يستدعي الوقوف طويلا لتأمل ذلك العالم الذي يعاد تشيكله ليكون موضوعا صالحا للرسم ومن ثم للنظر.



