بالمسافة تتضح الرؤية إلى الأشياء والذات معا. عندما نغادر ما ألفناه عن قرب، مدننا، أمكنتنا، أصدقاءنا، أحبتنا، حيواناتنا، ونقيم مسافة بيننا وبينهم، فالأثر الغائر لهذه المغادرة أو المباينة، هو أن نظفر بحقائق جديدة، مربكة، غير اعتيادية، هي غنيمة الرؤية المغايرة، من هذه الضفة إلى تلك، فتتخلخل معارفنا السابقة، ينهار سقف ما تعوّدناه، ويتهاوى ما راكمناه من مشاعر ومسلّمات وتحصيل فكري عما كنا نعتقد أنه محض يقين وثبات، إذ يغدو بالمقابل، محض شك واضطراب. وفي الشك والاضطراب، يزحف عشب الحقائق المتجددة.
في الحياة كما في الفن والكتابة، لا بد من المسافة كي يستقيم أسلوب العيش، ويرتقي نمط الوجود من درجة خطية رتيبة إلى درجة عمودية واعدة. ففي مدار العلاقات الاجتماعية، حَسْب المرء الذي يروم تخطي نشاز حياته المنذورة للجماعة، أن ينفصل قليلا عن الحشد، عن فتنة الجموع، عن الانجراف الكلي في مهب التكتلات والتجمهرات، حتى ينأى بنفسه عن أذى القرب، عن بؤس الذوبان في السيل الهادر العام، عن فداحة فقدان الهوية والخصوصية والكينونة الحميمة، في معمعة اليومي الآيل إلى غبار.
لولا شغف المسافة لما نشأ التوق إلى مفاقمة الهوة داخل النفس على الدوام، يقول فريدريك نيتشه، في كتابه "ما وراء الخير والشر"، المسألة ليست بلاغية، بقدر ما هي دينامية للتفكير، شرط وجوديّ للاختلاف، وضرورة فلسفية للابتكار، في غياب المسافة لا قيمة لممارسة المعنى، أو لتقييم صحة الأفكار.
المسافة في مظانّ فيلسوف الموسيقى نيتشه، هي تحمّل المشقة العمودية للوجود، وأن تضع ذاتك على مسافة بينك وبين الحشود، فأنت في الموقع الأخطر لترتيب القيم، كمطلب للسمو، في مجابهة فداحة التنميط، ومن هنا تغدو المسافة نزعة للتمايز، وفي الآن نفسه نبلا وجدانيا أو روحيا ضد الانجراف إلى التسطيح العام.
وغير بعيد عن مجرّة نيتشه، لا بد من أن نتعثّر بقنافذ شوبنهاور، بصدد حذاقة المسافة وفلسفتها دائما، أو ما يسمى معضلة القنافذ، إذ تحتاج هذه الكائنات في ليلة شتائية صقيعية، أن تتقارب كي تدفئ بعضها البعض، لكن ما إن يحدث ذلك، حتى تتأذى من وخز الشوك الذي يشبك فيما بينها، تلك هي المفارقة، ما أحوج الإنسان إلى دفء العلاقات مع الآخرين، لكن عواقب هذا الدنو وخيمة، وحتما تؤول إلى أذى، وبذا لا بد من أن يأخذ كل منا مسافة، ليضمن سلامة البعد، ويتفادى وخز القرب.
على هذا النحو أعرب ديدرو بأنّ المسافة من أعظم مولدات الإعجاب، وأما فالتر بنيامين فيشحذ استعارة المسافات بقوله: إن الهالة هي ظهور مسافة، مهما كان الشيء الذي يستدعيها قريبا، ويجنح راينر ماريا ريلكه أعمق في رسائله إلى شاعر شاب: "يمكن لحياة مشتركة بديعة بين عاشقين أن تنمو إذا نجحا في أن يحبّا المسافة الفاصلة بينهما"، لا يقف ريلكه عند هذا الحدّ، ويردف: حين يغدو قربك بعيدا، تكون مسافتك قد بلغت النجوم.
كيف لا، وكل بصيرة متوقّدة تولد من مسافة بحسب إميل سيوران، ولهذا وجد الفن كي يخلق مسافة بين الإنسان واعتياده، وفق نظر السينمائي أندريه تاركوفسكي، كما أن الرغبة لا تعيش إلا في المسافة يعزّز رولان بارت من سفر المتعة، وبذا كانت الكتابة ولا تزال هي المحافظة على المسافة كما يفصح موريس بلانشو. وصدى هذا الأخير يذكرنا بشذرة سيمون فايل بأن المسافة هي روح الجمال، بل إنّ الجمال لا يولد أحيانا إلا من المسافة التي تفصلنا عنه، كما يهجس ياسوناري كاواباتا.
لولا المسافة بين النص والآخر، ما كان للتجربة الجمالية أن تتقدم، وللمنجز الفني أن يتجدّد
ولأنّ الأشياء ترى أوضح من بعيد، كما أعرب أنطون تشيخوف، فلكي ترى المدينة حقا ينبغي أن تضع بينها وبين نفسك مسافة، يدوّن إيتالو كالفينو في يومياته "ناسك في باريس".
في مدار مواز، ثمة ملاحظة طالما كرّرها طيّار من صلب تجارب تحليقه، يدعى تشارلز ليندبرغ: "الحياة تشبه منظرا طبيعيا، نعيش في قلبه، ولكننا لا نستطيع وصفه إلا من نقطة تمنحها المسافة". وقد أوجز ألبير كامو، أوجز المسألة هو الآخر باعترافه: "كان بيني وبين العالم تلك المسافة التي لا يمكن ردمها". ولعل ما يضاعف من المعنى، ما نلفيه شعريا لدى وليام وردزورث: "أجمل الألحان هي تلك التي تزيدها المسافة عذوبة". وأبعد لدى محمود درويش في الجدارية: "ولكن المسافة مثل حدادين ممتازين، تصنع من حديد تافه قمرا". وفي أثر الفراشة "هي المسافة: تمرين البصر على أعمال البصيرة، وصقل الحديد بناي بعيد".
في تاريخ الأفكار كما في مطبخ الكتابة والأدب، لا بد للمبدع من إقامة مسافة ضرورية حتى يضمن لأثره عمق التحقق ورصانة الحدوث، في صيانة العزلة، وموقع الرؤية والرصد، أولا، لا بد من مساحة بين الكاتب وبين ما يقع حتى تتشكل الرؤية المعول عليها، وبالمقدار نفسه، لا بد من مساحة بين ما كتبه آنفا وما ينوي كتابته لاحقا. فلولا المسافة بين النص والآخر، ما كان للتجربة الجمالية أن تتقدم، وللمنجز الفني أن يتجدّد، وللخلق الأدبي أن ينزاح.