أسباب الطفرة السياحية في مصر والمغرب: سعر الصرف أم جودة التجربة؟

لم يكن تعويم العملة سوى جزء من القصة

أ.ف.ب.
أ.ف.ب.
سياح يركبون الجمال أثناء جولة حول الأهرام، الجيزة 7 نوفمبر 2025

أسباب الطفرة السياحية في مصر والمغرب: سعر الصرف أم جودة التجربة؟

على الرغم من التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، وتصاعد المخاوف من انعكاساتها على الاقتصاد الإقليمي وحركة السفر، بادرت كل من مصر والمغرب إلى اتخاذ خطوات استباقية للحد من أثر الصدمات الخارجية على قطاع السياحة، باعتباره أحد أهم مصادر النقد الأجنبي ومحركات النمو الاقتصادي.

وتؤكد بيانات الأمم المتحدة للسياحة (UN Tourism) الصادرة في مطلع يونيو/حزيران الجاري هذا المسار. إذ سجل المغرب نموا بنسبة 24 في المئة في الإيرادات السياحية خلال الربع الأول من 2026، فيما واصلت مصر الحفاظ على أحد أعلى معدلات نمو الوافدين في المنطقة (16 في المئة)، بما يعكس أن الطفرة السياحية في البلدين.

ولا بد من الإشارة إلى أن الإصلاحات الاقتصادية، ومرونة سياسات سعر الصرف، والاستثمارات الواسعة في البنية التحتية، وتطوير الربط الجوي، وتنويع المنتجات السياحية، كلها عوامل تضافرت لتقديم نموذجين بارزين في توظيف الإصلاح الاقتصادي لدعم تنافسية القطاع.

عاطف عبد اللطيف، عضو جمعية مستثمري جنوب سيناء وعضو غرفة شركات السياحة المصرية، قال في مقابلة أجرتها معه "المجلة": "يعكس إدراج مصر والمغرب بين الوجهات الأسرع نموا في عوائد السياحة نجاحا واضحا للإصلاحات الاقتصادية والمالية التي نفذها البلدان خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية السياحية والمطارات والفنادق وشبكات النقل، وهو ما يعزز تنافسية المقصدين على المستوى الدولي".

الأرقام تكشف اتساع المكاسب

استقبل المغرب 19.8 مليون سائح في عام 2025، بزيادة 14 في المئة مقارنة بالعام السابق، محققا إيرادات سياحية بلغت 14.8 مليار دولار، وفق بيانات وزارة السياحة المغربية ومقياس السياحة العالمي الصادر عن الأمم المتحدة للسياحة (UN Tourism). كما سجلت الإيرادات السياحية نموا بنسبة 24 في المئة خلال الربع الأول من عام 2026، لتصل إلى 31 مليار درهم (3.3 مليار دولار)، في حين ارتفع عدد الزوار بنسبة 7 في المئة إلى 4.3 مليون سائح، وهو ما يعكس تحسنا في متوسط إنفاق السائح وجودة العوائد السياحية، وليس مجرد زيادة في أعداد الوافدين.

صعود مصر والمغرب ضمن الوجهات الأسرع نموا في عوائد السياحة، وفق مؤشرات دولية حديثة، يعكس نتيجة تراكمية لحزمة من العوامل لا يمكن اختزالها في عامل واحد

أما مصر، فاقتربت من استقبال 19 مليون سائح خلال عام 2025، بزيادة بلغت 21 في المئة مقارنة بعام 2024، وفق بيانات وزارة السياحة والآثار المصرية. كما ارتفعت إيرادات السياحة خلال النصف الأول من السنة المالية 2025/2026 إلى 10.2 مليار دولار، بزيادة 17 في المئة على أساس سنوي، مدفوعة بارتفاع عدد الليالي السياحية بنسبة 16 في المئة. وفي الوقت نفسه، بلغت إيرادات السياحة خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2024/2025 نحو 12.5 مليار دولار، مما يعكس استمرار نمو القطاع بوتيرة قوية، مع تحسن متوسط إنفاق السائح ومدة الإقامة، وليس فقط زيادة أعداد الزوار.

وتكتسب هذه الطفرة أهمية كبرى على مستوى الاقتصاد الكلي، باعتبار السياحة مصدرا سريعا للنقد الأجنبي، وأداة لتخفيف الضغوط على ميزان المدفوعات. بالإضافة إلى ذلك، تعتبر داعما مباشرا للتشغيل وقطاعات الخدمات والطيران والنقل والمطاعم. في مصر، ساعدت زيادة الإيرادات في دعم الاحتياطي النقدي، وتخفيف عجز الحساب الجاري، وتعويض جزء من خسائر إيرادات قناة السويس.

أ.ف.ب.
زوار المتحف المصري الكبير، في القاهرة 4 نوفمبر 2025

أما في المغرب، فتُعدّ السياحة أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، إذ تسهم بنحو 7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتُعدّ من أكبر القطاعات المولدة لفرص العمل، وفق بيانات وزارة السياحة المغربية وتقارير دولية حديثة.

عوامل مشتركة ومسارات مختلفة

أوضح وزير السياحة المصري الأسبق هشام زعزوع، في مقابلة أجرتها معه "المجلة" أن صعود المقصدين المصري والمغربي في سوق السياحة الدولية "يعود إلى عوامل مشتركة وأخرى خاصة بكل دولة". وقال: "بالنسبة إلى المغرب، شكلت سياسة السماوات المفتوحة عاملا رئيسا في جذب شركات الطيران التقليدية والمنخفضة التكلفة، بما أسهم في خفض تكلفة السفر وتعزيز تدفق السياح الأوروبيين. أما مصر، فقد طبقت سياسة مشابهة بدرجة أقل انفتاحا، وهو ما يفسر تفاوت أثرها مقارنة بالتجربة المغربية".

اختزال الطفرة السياحية في عامل التعويم وحده سيكون تبسيطا مخلا، لأن العملة الضعيفة قد تجذب السائح مؤقتا، بينما تتطلب استدامة النمو إصلاحات هيكلية أعمق

وأضاف زعزوع: "يساعد القرب الجغرافي للمغرب من إسبانيا وجنوب أوروبا في تنشيط حركة السياحة البرية، خصوصا لدى الزوار الآتين بسياراتهم. كذلك تشترك مصر والمغرب في تنفيذ مشاريع واسعة لتطوير شبكات الطرق والربط بين المدن السياحية، بما يسهل حركة السياح داخليا. وفي المغرب، يسهم القطار الفائق السرعة 'البراق' في تحسين التنقل بين الوجهات السياحية بكفاءة وتكلفة مناسبة".

وأشار زعزوع إلى أن جاذبية البيئة الاستثمارية في المغرب "دفعت عددا من رجال الأعمال والمستثمرين المصريين إلى ضخ استثمارات سياحية كبيرة هناك، ومن بينهم سميح ساويرس وكامل أبو علي وحسام الشاعر، على الرغم من امتلاكهم استثمارات واسعة داخل مصر". ورأى أن القوانين المشجعة للاستثمار السياحي، إلى جانب السياسات المطبقة منذ نهاية عام 2009، تساهم في تحقيق نتائج ملموسة في السوق المغربية. ولفت زعزوع إلى "أن الوعي السياحي لدى المواطنين المغاربة، وتعدد اللغات، وحسن التعامل مع السائح الأوروبي، هي عوامل ساعدت في تحسين التجربة السياحية"

أ.ف.ب.
سياح يتجولون في ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش في المغرب في 12 مايو 2022

وأكد "أن تفرد مصر بحضارتها وتراكمها التاريخي أفرز مقومات سياحية استثنائية، وفي مقدمتها المواقع الأثرية والثقافية". واعتبر أن افتتاح المتحف المصري الكبير في الجيزة في أواخر عام 2025 يمثل "الحصان الرابح" للسياحة المصرية في المرحلة الحالية. أما في ما يخص أثر التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، فرأى "أن المغرب لم يتأثر بدرجة كبيرة لبعده الجغرافي عن بؤر التوتر، بينما شهدت مصر بعض الارتباك في الأسابيع الأولى، قبل أن تستعيد الأسواق الأوروبية والعربية اهتمامها بها كوجهة آمنة ومستقرة نسبيا، ولاسيما القاهرة والساحل الشمالي والعلمين".

سعر الصرف عامل مساعد... ولكن

قال خبير الاقتصاد والمال الدكتور ياسر العالم، في مقابلة أجرتها معه "المجلة" إن سياسات سعر الصرف "تؤدي دورا محوريا في تعزيز القدرة التنافسية في مصر والمغرب. فقرار تحرير سعر الصرف في مصر، وما تبعه من انخفاض في قيمة الجنيه، أديا إلى تراجع التكلفة الحقيقية للإقامة والخدمات السياحية بالنسبة إلى الزائر الأجنبي الذي ينفق بالدولار أو اليورو، وبالمثل، استفاد المغرب من مرونة أكبر في إدارة سعر الدرهم ضمن إصلاحات تدريجية لسوق الصرف، مما يساعد في الحفاظ على جاذبية الأسعار مقارنة بوجهات متوسطية منافسة مثل إسبانيا وتركيا واليونان".

اقتصاديا، يؤدي انخفاض قيمة العملة المحلية إلى ما يُعرَف بميزة "القيمة في مقابل المال"، إذ يستطيع السائح الأجنبي الحصول على خدمات فندقية وتجارب سياحية بتكلفة أقل نسبيا من دون تراجع كبير في جودة الخدمة. غير أن اختزال الطفرة السياحية في عامل التعويم وحده سيكون تبسيطا مخلا، لأن العملة الضعيفة قد تجذب السائح مؤقتا، بينما تتطلب استدامة النمو إصلاحات هيكلية أعمق.

تحرير سعر صرف الجنيه المصري يعزز فاعلية أدوات السياسة النقدية، ويرسل إشارات أكثر وضوحا إلى المستثمرين والسياح في شأن استقرار القطاع المالي، إذ ينعكس ذلك على بيئة الأعمال السياحية من خلال دعم جاذبية المقصد المصري

الخبير المصرفي محمد عبد العال

وفي هذا السياق، اعتبر زعزوع أن سعر الدرهم لم يكن العامل الأساس في زيادة الحركة السياحية بالمغرب. وفي المقابل، رأى أن سعر الصرف كان من أبرز العوامل المؤثرة في مصر، إذ أدى ارتفاع الدولار إلى نحو 50 جنيها إلى جعل أسعار الفنادق والخدمات أكثر جاذبية للسائح الأجنبي مقارنة بمستوى الخدمة المقدمة.

وأكد الخبير المصرفي محمد عبد العال، في مقابلة أجرتها معه "المجلة" "أن تحرير سعر صرف الجنيه المصري يعزز فاعلية أدوات السياسة النقدية، ويرسل إشارات أكثر وضوحا إلى المستثمرين والسياح في شأن استقرار القطاع المالي، إذ ينعكس ذلك على بيئة الأعمال السياحية من خلال دعم جاذبية المقصد المصري، وزيادة أعداد الزوار، وتحسين مستويات الإنفاق، في حين تساهم الإصلاحات الاقتصادية في تعزيز مرونة الاقتصاد وقدرته على توظيف المتغيرات الخارجية لصالح القطاع".

.أ.ف.ب

ورأى رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، الدكتور محمد فؤاد في مقابلة أجرتها معه "المجلة": "أن الصعود حقيقي، لكنه ليس نتيجة التعويم وحده، فقد جعلت أسعار الصرف تكلفة الإقامة والخدمات والإنفاق اليومي أقل نسبيا للسائح الأجنبي وكان أثر خفض الجنيه في مصر أوضح منه في المغرب لأنه رفع جاذبية القيمة في مقابل السعر". لكنه عاد ليلفت إلى أن "هذه الميزة سعرية فقط، وقد تتآكل مع التضخم وارتفاع التكلفة المحلية إذا لم تُدعَم بإصلاحات أعمق".

وأشار عبد اللطيف إلى أن تجربة مصر بعد تحرير سعر الصرف وإعادة هيكلة الاقتصاد "تسهم في جذب مزيد من التدفقات السياحية والاستثمارية، وتجلى ذلك في بلوغ عدد السياح الوافدين [19 مليون التي سبق وذكرناها] أعلى رقم تحققه السياحة المصرية في تاريخها.

مزيج من الإجراءت أدت إلى مزيد من النجاح

يرى الخبراء أن نجاح البلدين في بلوغ مؤشرات سياحية جذابة لم يكن نتيجة أسعار الصرف فقط، بل جاء ثمرة حزمة متكاملة من الإصلاحات شملت تطوير المطارات والطرق، وتحسين بيئة الاستثمار، وزيادة الطاقة الفندقية، والتوسع في حملات الترويج الدولية، وتسهيل إجراءات التأشيرات، وإطلاق مشاريع سياحية كبرى جذبت اهتمام الأسواق العالمية.

تتحول السياحة من فرصة مؤقتة إلى محرك دائم للنمو الاقتصادي والنقد الأجنبي. والأثر المستدام لا يتحقق إلا عندما تقترن السياسات الإصلاحية باستثمارات استراتيجية في تطوير المنتجات السياحية، الترويج الفعّال للمقصد السياحي

وتستهدف مصر جذب 30 مليون سائح سنويا في حلول عام 2030، ضمن استراتيجيا حكومية لتوسيع الطاقة الفندقية، وزيادة السعة الجوية، وتحسين تجربة الزائر، والاستفادة من مشروعات كبرى مثل المتحف المصري الكبير، وفق تصريحات رسمية لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي ووزارة السياحة والآثار. بينما يستهدف المغرب استقبال 26 مليون سائح في العام نفسه، مدعوما باستضافة كأس العالم وتوسعات المطارات وشبكات النقل الجوي.

وبحسب العالم، "اعتمدت الحكومة المغربية منذ عام 2023 خريطة طريق سياحية تركز على توسيع الربط الجوي، وزيادة الطاقة الفندقية، وتنويع المقاصد، وتحسين جودة الخدمات، استعدادا لاستضافة فعاليات كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030. وفي مصر، تشمل الإصلاحات تطوير المطارات والطرق وشبكات النقل، وافتتاح مشاريع ثقافية كبرى مثل المتحف المصري الكبير، إلى جانب التوسع في سياحة الشواطئ والمؤتمرات".

الاستدامة اختبار المرحلة المقبلة

شدد فؤاد على "أن التحدي الحقيقي يتمثل في الاستدامة، إذ لا تكفي الميزة السعرية وحدها، فالمرحلة المقبلة تتطلب رفع جودة الخدمة، وزيادة الطاقة الفندقية، وتحسين النقل الداخلي والمطارات، وضبط الأسعار، ورفع متوسط إنفاق السائح، وتنويع الأسواق. ومن دون ذلك، قد تحقق الدولة موجة نمو سياحي مؤقتة، لكنها لن تتحول إلى قطاع مستدام عالي القيمة".

أ.ف.ب.
يُبحر أشخاص على متن قارب في بحيرة بين الويدان، في أزيلال في المغرب، في 20 أغسطس 2025

وهكذا يتطلب الحفاظ على هذا النمو مواجهة مجموعة من التحديات، أبرزها تصاعد المنافسة العالمية، والتقلبات الاقتصادية الدولية، وارتفاع تكاليف السفر والطيران، والتوترات الجيوسياسية، واحتمالات عودة الضغوط التضخمية، فضلا عن مخاطر الاعتماد المفرط على ميزة انخفاض العملة. فالاعتماد على السعر وحده قد يدفع البلدين إلى منافسة منخفضة القيمة.

تثبت تجربتا مصر والمغرب أن سعر الصرف وحده لا يصنع نهضة سياحية. فالإصلاح الاقتصادي يوفر نقطة الانطلاق، لكنه لا يغني عن الاستثمار في البنية التحتية، والربط الجوي، وجودة الخدمات، وتنوع التجارب السياحية. وقد يجذب انخفاض قيمة العملة السائح لأول مرة، إلا أن ما يضمن عودته ليس رخص الوجهة، بل جودة التجربة التي يعيشها فيها. وعند هذه النقطة تحديدا، تتحول السياحة من فرصة مؤقتة إلى محرك دائم للنمو الاقتصادي والنقد الأجنبي. والأثر المستدام لا يتحقق إلا عندما تقترن السياسات الإصلاحية باستثمارات استراتيجية في تطوير المنتجات السياحية، الترويج الفعّال للمقصد السياحي.

font change

مقالات ذات صلة