العراق... "صولة الفجر" بين العدالة والتسوية

هل يتحول الحساب إلى صفقة

رويترز
رويترز
أنصار رجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر يتظاهرون ضد الفساد، داخل البرلمان في بغداد، العراق، 30 يوليو 2022

العراق... "صولة الفجر" بين العدالة والتسوية

قرأنا في حكايات "ألف ليلة وليلة" عن مغارات يخزن فيها الذهب والفضة والأموال، وتحتفظ ذاكرتنا بهذه الصور التي جسدتها أفلام الرسوم المتحركة. لكننا اليوم نشاهدها في القنوات الفضائية والتقارير الصحافية التي تناقلت أخبار "صولة الفجر" التي بدأت باعتقال قيادات حزبية كبيرة ونواب في البرلمان العراقي ومسؤولين كبار في الدولة بتهم الفساد.

صدمة الشارع العراقي لم تكن تجاه صولة لمحاربة الفساد، رغم أنها المرة الأولى التي يتم فيها اعتقال شخصيات بهذا المستوى السياسي وتتمتع بحصانة برلمانية، وإنما في مشاهد عرض كمية الأموال بالدينار العراقي والدولار الأميركي والمصوغات الذهبية التي تم ضبطها في منازل الذين تم اعتقالهم. في حين كان أكثر من 5 ملايين موظف عراقي، ومليوني متقاعد ومشمول برواتب الرعاية الاجتماعية يترقبون رواتبهم الشهرية التي تأخرت بسبب نقص السيولة في خزائن الدولة.

الحديث عن الفساد في بلد مثل العراق، لا يحتاج إلى التدقيق في تقارير المؤسسات الدولية، كمنظّمة "الشفافية الدولية" مثلاً أو غيرها، إذ يكفي أن تكون هناك جولة في شوارع بغداد أو بين المحافظات الوسطى والجنوبية، وحتّى الشمالية (كردستان العراق)، لتجد دلالات واضحة على تراكمات الفساد. فمدخل العاصمة العراقية بغداد عبارة عن طرقات خربة تنتشر فيها حواجز أمنية غير منظَّمة، رغم الحديث عن تخصيص ملايين الدولارات لتأهيلها. وإذا تجوّلت بين مناطق بغداد ستجد بنايات شاهقة تحمل عناوين مشاريع استثمارية، لكن لو جرى التدقيق في الجهات المالكة لها ستجدها تابعة لأحزاب السلطة، أو لمافيات قريبة من القوى السلطوية، أو لشخصيات يمكن وصفها بالمافيات الصاعدة، أو لطبقات رجال الأعمال الطفيلية التي صعدت إلى مصاف رجال الأعمال بسبب علاقتها المشبوهة بقوى النفوذ السياسي.

لا يرتبط الفساد السياسي فقط بالأموال، وإنّما قد يشمل المتاجرة بالمواقع السياسية أو النفوذ السياسي على سبيل المثال، وتغيير أو إصدار بعض القوانين لمصلحة فئة أو شركة معينة

تكفي جولة واحدة في مناطق العاصمة بغداد لتكون مؤشراً على مظاهر الفساد في العراق. إذ تشاهد في شوارع العاصمة التجارية عجلات فارهة من أرقى الماركات العالمية تصل قيمتها إلى عشرات الآلاف من الدولارات، ولكنها تسير في شوارع أغلبها متهالكة وأرصفة شبه محطمة، ومناطق تجارية تعبر عن تلوث بصري. لعل هذه أبسط دلالات الفساد التي لا تحتاج إلى تقارير دولية تؤشر على تغول الفساد في العراق.

فجوة في تعريف الفساد

تعترف جميع القيادات السياسية في العراق بوجود الفساد، وتتفق على تشخيص مواطنه. لكن لا توجد إرادة واضحة لمكافحته أو وضع حدود له، لأن الجميع بدأ يتعايش معه ويعده ظاهرة طبيعية لا توجد ضرورة للتمرد عليها أو محاربتها. المفارقة، أن المواطنين أصبحوا منشغلين بمتابعة أخبار الفساد، حتى تعودنا على سماع سرقات وصفقات فساد بملايين ومليارات الدولارات. وهذه الأرقام المرعبة تقارب ميزانية دول مثل الأردن وسوريا ولبنان.

لكن المشكلة الأهم هي الفجوة في تعريف وتحديد الفساد بين المواطن والسياسي. إذ يعتقد السياسي أن سرقة أموال الدولة من خلال العقود والاستثمارات المشبوهة، والسيطرة على المال العام والاستحواذ على مؤسسات وأراضي الدولة والشراكة مع مافيات تسمي نفسها "رجال أعمال"، ليس فساداً، وإنما جزء من التقاسم المحاصصاتي بين "زعامات" المكونات السياسية لاقتصاد ريع الدولة.

لذلك، ينطبق توصيف منظّمة "الشفافية الدولية" على العراق، عندما عرفت الفساد بأنه "سوء استخدام السلطة المعهودة للقادة السياسيين بهدف زيادة المنفعة الخاصة لزيادة السلطة أو الثروة، ومن هنا لا يرتبط الفساد السياسي فقط بالأموال، وإنّما قد يشمل المتاجرة بالمواقع السياسية أو النفوذ السياسي على سبيل المثال، وتغيير أو إصدار بعض القوانين لمصلحة فئة أو شركة معينة".

رويترز
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يلقي خطابا متلفزا بعد توليه منصبه، في بغداد، العراق، في 16 مايو 2026

 وهذا ما حصل فعلاً في تشريع مجلس النواب العراقي في 2025، التعديل الثاني على قانون العفو العام رقم 27 لسنة 2016. إذ تم إقرار تسوية تقوم على منح المحكومين بسرقة المال العام عفواً في مقابل استحصال الأموال المترتبة بذمتهم إلى الجهات المتضررة. في حين تم تجاهل مبدأين أساسيين في مكافحة الفساد، أولهما، سوء استغلال الوظيفة العامة، والثاني، عدم معالجة تضخم الثروات التي يكون مصدرها سرقة أموال الدولة.

الأموال مقابل الحرية

صحيح أن قانون العفو العام كان محددا بجرائم فساد قبل 2025، ولكن يبدو أنه أسس قاعدة عامة لمحاربة الفساد، ألا وهي تسوية إعادة الأموال مقابل الحرية. وكان هذا واضحاً في حديث رئيس الوزراء علي الزيدي بعد عملية "صولة الفجر"، إذ أكد على استمرار صولة مكافحة الفساد، مطالباً "كل من لديه أموال عامة، نريده أن يُرجع الأموال إلى أهلها. أموال الشعب ترجع إلى الشعب".

الكلمات لم تعد قادرة على التعبير عن مشاعر الإحباط واليأس لدى العراقيين وهم يرون ثرواتهم تهدر وتتم سرقتها أمام أعينهم، ويرون الطبقة السياسية وحاشيتها تزداد ثراء في مقابل تزايد أعداد الفقراء

ربما تكون هذه التسوية من الناحية العملية تحقق أحد أركان حملة مكافحة الفساد، والتي تتمثل باستعادة الأموال. ولكنها لا تحقق الغاية الرئيسة في القضاء على الفساد. لا سيما أن الفساد تغوَّلَ على الدولة وأصبح هو الوجه الآخر لجماعات الدولة الموازية التي تفرض نفسَها بقوّة السلاح والنفوذ السياسي والفساد المالي والإداري. ولكنَّ خطورة الفساد في العراق أنّه لم يعد يقتصر على مظاهر الفساد السياسي والمالي والإداري، وإنّما هناك تقبّل اجتماعي وثقافي للفاسدين باعتبارهم شخصيات عامة.

إلى ذلك كشفت "صولة الفجر" عن عورة شرعية الانتخابات الأخيرة، إذ إن هناك أكثر من شخصية برلمانية فازت فيها بسبب المال السياسي. ولا يزال القضاء يحقق في الأموال التي حصل عليها المتهمون من أعضاء مجلس النواب خلال حملاتهم الانتخابية من شخصيات متهمة بالفساد اعترفت بدفع الأموال إلى هؤلاء البرلمانيين. ولذلك فإن الحديث عن تسوية إعادة الأموال لا يمكنها أن تحجب هكذا فضيحة عن منظومة سياسية أصبح التداخل بين الفساد والسياسة فيها واضحاً بهذا الشكل.

ومن جانب آخر، قد يكون مبدأ الأموال مقابل الحرية. يعبر عن نية صادقة في استعادة الأموال إلى خزينة الدولة. ولكن طوال 23 عاماً تتحدث مؤشرات ومعطيات عن أن ما لا يقل عن 150 مليار دولار من صفقات الفساد، تم تهريبها إلى الخارج منذ 2003، كما صرح بذلك رئيس الجمهورية الأسبق الدكتور برهم صالح في 2021. وهذا الرقم الفلكي، يجعل موضوع استعادة الأموال من الفاسدين معركة يجب أن لا تنحصر حدودها داخل العراق، لأن النسبة الأكبر من المبالغ تم تهريبها خارج العراق.

حدود لا تمس

التداخل الخطير بين الفساد والسياسة، بات يفرض حدودا واضحة جداً على أي محاولة للحكومة أو الجهات المختصة بمكافحة الفساد. إذ لا يمكن أن نتصور أن تكون القيادات السياسية التي أنتجت هذه الحكومة وتسيطر على البرلمان، ضمن أي حملة لمحاربة الفساد. لأن هذا التصور يحمل مغالطة منطقية، إذ كيف يمكن أن تقبل قيادات تسيطر على المنظومة السياسية الحاكمة أن تسلم قرارها ومقدراتها وتتنازل عن نفوذها لحكومة هي تشكلها وتختار وزراءها.

أ.ف.ب
يقف أحد أفراد الأمن العراقيين حارسا في أحد شوارع بغداد في 28 يونيو 2026

فالحكومة وفق الأعراف التي أسستها المنظومة الحاكمة، ليست مهمتها إدارة وظائف الدولة، وإنما إدارة صفقات ومصالح القوى السلطوية. وعلى هذا الأساس، ربما يقبل الفاعلون السياسيون بالتضحية بشخصيات وعناوين محددة، ولكنهم لم ولن يقبلوا أن تتجاوز أي حملة لمكافحة الفساد حدودها العليا باستهداف قيادات الصف الأول.

التفكير بالتمني

ويمكن هنا استعارة التوصيف الذي نشره الصحافي رياض محمد في تعليقه على "صولة الفجر"، إذ قال: "يبدو أن الأمنيات تتداخل كثيرا عندما نرفع مطالب محاربة الفساد، في منظومة سياسية أسست ركائز الفساد وثبتت أوتاده في جسد النظام السياسي. وأصبحت السياسة والفساد متداخلتين بطريقة معقدة جدا".

ورغم أن الكلمات لم تعد قادرة على التعبير عن مشاعر الإحباط واليأس لدى العراقيين وهم يرون ثرواتهم تهدر وتتم سرقتها أمام أعينهم، ويرون الطبقة السياسية وحاشيتها تزداد ثراء في مقابل تزايد أعداد الفقراء، ويرون الحكومات المتعاقبة ترفع شعار محاربة الفاسدين، لكنَّها لم تتخذ خطوةً واحدةً لمحاربته ومواجهته.

على الحكومة أن تدرك تماماً أنه من الصعب جدا الحصول على ثقة المواطن، ومن السهل جداً أن تفقدها في أي خطوة تتخذها تجاه محاربة الفساد

لكن، أن تبدأ خطوات واضحة وجدية باتجاه تقليل مساحة الفساد، ومحاسبة شخصيات سياسية كانت تملأ الفضاء العام صراخاً وصخباً بحديثها عن ملفات فساد، فهذه بداية مهمة لاستعادة جزء من ثقة الشعب المفقودة بالحكومة.

لذلك، التمني هو استكمال صولات محاربة الفساد، وفتح الملفات التي أسست للفساد. ولعل أولها التدقيق في الحسابات الختامية لموازنات الدولة في السنوات السابقة، وتحديد أبواب هدر المال العام فيها، ومن ثم، محاسبة ومساءلة كل المتورطين.

أيضاً، هناك ضرورة لفتح ملفات العقود الاستثمارية في جميع الوزارات التي تعد البوابة الرئيسة لنهب المال العام والاستيلاء على مؤسسات الدولة من خلال منح عقود استثمارية بين المكاتب الاقتصادية للأحزاب التي تسيطر على هذه الوزارة أو تلك.

أ.ف.ب
مبنى وزارة التخطيط في المنطقة الخضراء ببغداد في 28 يونيو 2026

كذلك، على الحكومة أن تدرك تماماً أنه من الصعب جدا الحصول على ثقة المواطن، ومن السهل جداً أن تفقدها في أي خطوة تتخذها تجاه محاربة الفساد. لذلك فإنّ استمرار حملة مكافحة الفساد يجب أن لا تقف عند حدود معينة، وأن لا يستثنى منها أحد، أو في أقل تقدير يجب ضرب حاشيات العناوين السياسية الكبيرة التي تعد الأذرع الاقتصادية لها في مؤسسات الدولة.

أما الخطوة الأكثر عملية في محاربة الفساد، فيجب أن تكون ملامحها واضحة في إدارة موارد الدولة في موازنة 2027، والتي يجب أن تعتمد على فلسفة جديدة في الإنفاق وتعظيم الموارد وسد ثغرات هدر المال العام ومنع سرقته.

font change