مسيرات أوكرانيا تنقل الحرب إلى عمق القرم اللوجستي

خنق القرم...

REUTERS
REUTERS
صورة التقطها قمر صناعي تظهر تصاعد الدخان من جسر القرم، وسط الصراع الروسي الأوكراني

مسيرات أوكرانيا تنقل الحرب إلى عمق القرم اللوجستي

في ليلة 19 إلى 20 يونيو/حزيران 2026، لم تكن الهجمات الأوكرانية على شبه جزيرة القرم ومحيط مضيق كيرتش مجرد موجة جديدة من الضرب ات بالمسيرات. فقد عكست تلك الهجمات تحولا واضحا في طريقة استخدام كييف لهذا السلاح، من أداة تكتيكية مرتبطة بخطوط الجبهة إلى وسيلة عملياتية تستهدف البنية التي تسمح لروسيا بإدارة الحرب في الجنوب.

وبحسب الاستخبارات الدفاعية البريطانية، استهدفت الضربات الأوكرانية أنظمة دفاع جوي ومنشآت لتخزين الوقود وثلاث عبارات تستخدم في حركة النقل بين روسيا والقرم. وزادت هذه الضربات، على الأرجح، من اضطراب الإمدادات داخل شبه الجزيرة، في وقت كانت القرم تواجه بالفعل نقصا في الوقود وضغطا متزايدا على شبكات الكهرباء والنقل.

ولا تكمن أهمية هذه الضربات في الأهداف التي أصابتها فقط، بل في طبيعتها أيضا. فالقيمة العسكرية للمسيرة لم تعد تقاس فقط بقدرتها على تدمير دبابة أو موقع قتالي قريب من الجبهة، بل أصبحت تقاس أيضا بقدرتها على تعطيل جسر، أو شل عبارة، أو ضرب مخزن وقود، أو إجبار منظومة دفاع جوي روسية على إعادة التموضع.، فقد تحولت المسيرات إلى جزء من حرب أوسع ضد الشبكات اللوجستية، لا مجرد وسيلة لضرب الأهداف المباشرة.

ويرتبط الجديد في هجمات القرم أيضا بنوعية المسيرات المستخدمة، فإلى جانب مسيرات "إف بي في" الصغيرة التي غيرت شكل القتال اليومي على الجبهة، توسعت أوكرانيا في استخدام مسيرات ثابتة الجناح متوسطة وطويلة المدى أكبر من الدرونات الصغيرة، وتستطيع الطيران لمسافات أطول، وحمل رؤوس أثقل، وضرب أهداف تقع خلف خطوط القتال.

ومن بين النماذج التي تعكس هذا التحول مسيرات شركة "فاير بوينت" الأوكرانية، خصوصا "إف بي-2" التي تقول الشركة إنها طورت لتجمع بين المدى والحمولة والتكلفة الأقل مقارنة بالصواريخ التقليدية. كما تحدثت مصادر مفتوحة عن إدخال قدرات أكثر تقدما في الملاحة والاستهداف، بما في ذلك عناصر مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، من دون كشف تفاصيل تشغيلية دقيقة.

ويمنح هذا التحول أوكرانيا ميزة لا تقوم على امتلاك سلاح خارق، بل على بناء طبقة جديدة من القوة الرخيصة نسبيا والقابلة للتكرار. فبدلا من انتظار صواريخ غربية محدودة العدد، أو الاكتفاء بمسيرات صغيرة محدودة الأثر، باتت كييف تطور مسيرات قادرة على ضرب نقاط الاختناق التي تعتمد عليها روسيا في القرم مثل الجسور والعبارات ومخازن الوقود والدفاعات الجوية ومحاور النقل.

تقوم الفكرة الأساس في التطور الأوكراني على بناء طبقة وسطى بين الدرون الصغير والصاروخ. الدرون الصغير رخيص وسريع الانتشار، لكنه محدود في المدى والتأثير. والصاروخ أقوى بكثير، لكنه أغلى ثمنا، وأقل عددا، ويخضع غالبا لحسابات سياسية وعسكرية

والنتيجة أن القرم، التي سعت موسكو إلى التعامل معها كقاعدة خلفية آمنة ومنصة لإدارة عملياتها في الجنوب، تتحول تدريجيا إلى مساحة مكشوفة للاستنزاف. لا يعني ذلك أن السيطرة الروسية على شبه الجزيرة مهددة بانهيار فوري، لكنه يعني أن استخدامها كمنطقة آمنة ومريحة أصبح أكثر تكلفة وتعقيدا.

مدى أبعد وحمولة أثقل

تقوم الفكرة الأساس في التطور الأوكراني على بناء طبقة وسطى بين الدرون الصغير والصاروخ. الدرون الصغير رخيص وسريع الانتشار، لكنه محدود في المدى والتأثير. والصاروخ أقوى بكثير، لكنه أغلى ثمنا، وأقل عددا، ويخضع غالبا لحسابات سياسية وعسكرية. أما المسيرات الجديدة فتقدم حلا عمليا بين الاثنين. فهي ليست بقوة الصاروخ، لكنها تستطيع الوصول إلى أهداف أبعد من خط الجبهة، وتحمل شحنة كافية لتعطيل هدف لوجستي، ويمكن إنتاجها واستخدامها بوتيرة أعلى من الصواريخ.

وبحسب المواصفات التي أعلنتها الشركة المطورة لطراز "إف بي-2"، حصلت النسخة الأحدث على جناح جديد وخزان وقود مدمج، بما يسمح لها بحمل رأس حربي يصل إلى نحو 200 كيلوغرام لمسافة تقارب 370 كيلومترا. وإذا حملت رأسا أخف، في حدود 105 كيلوغرامات، تقول الشركة إن مداها يمكن أن يصل إلى نحو 700 كيلومتر.

REUTERS
سفينة إنزال برمائية تابعة للبحرية الروسية، كانت قد نُشرت لنقل السيارات عبر مضيق كيرتش، تتحرك بالقرب من جسر القرم

هذه الأرقام، رغم أنها معلنة من الشركة وليست نتائج اختبار مستقلة، تشرح جوهر التغيير، فمسيرة بهذه المواصفات تضع الجسور وممرات العبور ومخازن الوقود في دائرة استهداف أوسع، من دون الحاجة دائما إلى استخدام صاروخ بعيد المدى. وفي حالة القرم، يصبح هذا النوع من السلاح مناسبا لضرب أهداف ليست مباشرة على خط الجبهة، لكنها ضرورية لتغذية القوات الروسية في الجنوب.

أما طراز "إف بي-1" فيمثل الاتجاه الآخر داخل العائلة نفسها، فهو مخصص أكثر للضربات العميقة بحمولة أخف. وتشير المواصفات المعلنة إلى أن النسخ المطورة منه يمكن أن تصل إلى مدى يقارب 2700 كيلومتر مع خزان وقود إضافي مدمج في الجناح. وهذا يعني أن أوكرانيا لا تعمل على تطوير مسيرة واحدة لكل الأغراض، بل توزع الأدوار بين أكثر من نوع، من مسيرة بعيدة المدى لضرب العمق الروسي، ومسيرة متوسطة أثقل لضرب أهداف أقرب لكنها أكثر صلابة، مثل الجسور والعبارات ومخازن الوقود.

إلى جانب هذه المسيرات، ظهر اسم "بيهموث" في تقارير عن ضربات استهدفت جسور القرم وممرات العبور نحو الجنوب الأوكراني المحتل. ووفق ما نشرته مصادر مفتوحة، تحمل هذه المسيرة رأسا مركبا يجمع بين شحنة شديدة الانفجار وشحنة حرارية، بإجمالي يقارب 75 كيلوغراما. هذا النوع من الحمولة لا يهدف فقط إلى إحداث انفجار عابر، بل إلى إلحاق ضرر كاف بسطح جسر أو نقطة عبور أو طريق إمداد، بما يجبر روسيا على إغلاق الطريق أو فحصه أو تحويل حركة النقل إلى مسار آخر.

لا تطور كييف مسيرة واحدة، بل تبني عائلة كاملة من المسيرات، بعضها يذهب بعيدا بحمولة أخف، وبعضها يضرب مدى متوسطا بحمولة أثقل، وبعضها يستخدم ضد الجسور ونقاط العبور وفي تنوع يمنح أوكرانيا مرونة أكبر

هنا تظهر أهمية المدى والحمولة معا، فالمسيرة التي تطير إلى مدى يتراوح بين 300 و600 كيلومتر لا تكون مهمة لأنها تصل إلى مسافة بعيدة بل لقدرتها على الوصول إلى نقطة لوجستية حساسة وهي تحمل شحنة كافية لتعطيلها. وفي القرم، يعني ذلك أن أوكرانيا تستطيع ضرب طرق ومنشآت لا تقع مباشرة على خط القتال، لكنها تغذي القوات الروسية وتسمح باستمرار عملياتها.

العنصر التقني الآخر هو تطور أنظمة الملاحة والتوجيه. الحديث عن الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة أن المسيرة تتحول إلى سلاح مستقل بالكامل يقرر وحده كل شيء. المقصود، وفق ما تشير إليه المصادر المتاحة، أن بعض هذه المسيرات قد تحصل على أنظمة تساعدها في الملاحة، أو التعرف البصري، أو التعامل مع الهدف في المرحلة الأخيرة من الرحلة. وتربط أهمية ذلك الأمر بالحرب الإلكترونية، إذ تعتمد روسيا على التشويش لتعطيل إشارات الملاحة والاتصال بين المسيرة والمشغل. فإذا أصبحت المسيرة أقل اعتمادا على الاتصال المستمر، أو استطاعت متابعة مسارها بدرجة أكبر من الاستقلالية، ترتفع فرص وصولها إلى الهدف.

هذا التطور مهم في القرم تحديدا، فالمنطقة محمية بأنظمة دفاع جوي وتشويش ورادارات، ولذلك لا يكفي أن تكون المسيرة بعيدة المدى فقط. يجب أن تكون قادرة على العمل في بيئة معادية. ولهذا تتحرك أوكرانيا نحو مسيرات تجمع بين التصميم الثابت الجناح، وخزانات الوقود المدمجة، والحمولة الأكبر، والبرمجيات الأكثر تقدما، والقدرة الأفضل على مقاومة التشويش.

لذا، لا تطور كييف مسيرة واحدة، بل تبني عائلة كاملة من المسيرات، بعضها يذهب بعيدا بحمولة أخف، وبعضها يضرب مدى متوسطا بحمولة أثقل، وبعضها يستخدم ضد الجسور ونقاط العبور وفي تنوع يمنح أوكرانيا مرونة أكبر. فإذا كان الهدف مصفاة أو منشأة في العمق الروسي، تستخدم مسيرة بعيدة المدى. وإذا كان الهدف جسرا أو عبارة أو مخزن وقود في القرم، تصبح المسيرات المتوسطة الأثقل أكثر ملاءمة.

الأثر الاستراتيجي

لا تقف أهمية المسيرات الأوكرانية عند قدرتها على إصابة هدف هنا أو هناك، إذ يظهر تأثيرها الحقيقي في أنها بدأت تغير الطريقة التي تنظر بها روسيا إلى القرم. فقد كانت شبه الجزيرة بالنسبة لموسكو مساحة خلفية آمنة نسبيا تتحرك منها الإمدادات إلى جبهات الجنوب، وتوجد فيها مخازن وقود وممرات نقل ودفاعات جوية وقواعد عسكرية. لكن مع تكرار هجمات المسيرات، بدأت هذه الصورة تتغير، فالقرم لم تعد مجرد قاعدة تنطلق منها روسيا، بل أصبحت منطقة تحتاج إلى حماية مستمرة، وإصلاح مستمر، وإعادة تنظيم مستمرة للإمدادات.

ولا تحاول أوكرانيا تدمير كل شيء بضربة واحدة، فكييف تضغط على النقاط التي تجعل القرم مفيدة عسكريا كالجسور، والعبارات، ومخازن الوقود، ومحاور النقل، وأنظمة الدفاع الجوي.

ويربك هذا الضغط روسيا لأنه لا يستنزف المعدات فقط، بل يستنزف الوقت. كل ضربة تعني فرق إصلاح، وتحويل طرق، وحماية إضافية، وفحص منشآت، وربما نقل دفاعات جوية من مكان إلى آخر. وحتى إذا أسقطت روسيا عددا من المسيرات، فهي تظل مضطرة إلى التعامل مع تهديد يتكرر ويأتي بتكلفة أقل نسبيا من كثير من الوسائل المستخدمة لاعتراضه. هنا تصبح المسيرة أداة استنزاف، لا مجرد سلاح تفجير.

من المرجح أن تواصل أوكرانيا هذا النمط. فالضربات لن تركز فقط على جسر كيرتش، بل على كل ما يجعل الحركة الروسية ممكنة حوله. وفي المقابل، ستزيد روسيا على الأرجح التشويش والتمويه والستائر الدخانية والدفاعات القصيرة المدى

وبهذا تتحول القرم تدريجيا من نقطة قوة إلى عبء، فروسيا التي تحتاجها كمنصة لإدارة الحرب في الجنوب، تضطر الآن إلى إنفاق موارد أكبر لحمايتها، مما يضغط على الدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، وشبكات الوقود والنقل. ومع الوقت، قد يصبح السؤال داخل القيادة الروسية ليس فقط كيف تستخدم القرم عسكريا، بل كيف تحافظ على استمرار عملها تحت ضغط يومي.

لكن هذا النمط لا يعني أن المسيرات وحدها قادرة على حسم معركة القرم. فروسيا لا تزال تمتلك دفاعات جوية واسعة وقدرات إصلاح وتشويش، كما يمكنها نقل الوقود وتوزيع المخزونات على نقاط أصغر، أو تغيير مسارات الإمداد، أو زيادة إجراءات التمويه والحماية حول الجسور والمعابر. لذلك فإن التأثير الأوكراني لا يظهر غالبا في انهيار مفاجئ، بل في رفع تكلفة التشغيل الروسي وإجبار موسكو على الدفاع والإصلاح وإعادة التنظيم بصورة مستمرة.

REUTERS
صورة التقطها قمر صناعي تُظهر ألسنة اللهب والدخان تتصاعد من خزانات النفط، عقب ما وصفه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأنه هجوم على مستودع نفط في مدينة كيرتش بشبه جزيرة القرم

وفي المرحلة المقبلة، من المرجح أن تواصل أوكرانيا هذا النمط. فالضربات لن تركز فقط على جسر كيرتش، بل على كل ما يجعل الحركة الروسية ممكنة حوله. وفي المقابل، ستزيد روسيا على الأرجح التشويش والتمويه والستائر الدخانية والدفاعات القصيرة المدى. لذلك تبدو القرم مرشحة لأن تصبح ساحة اختبار مستمرة بين مسيرات أوكرانية أرخص وأكثر تطورا، ودفاعات روسية تحاول حماية مساحة واسعة ومكلفة.

الخلاصة أن السيطرة الروسية على القرم قد لا تنهار فجأة، لكن شبه الجزيرة أصبحت أكثر تكلفة وأقل راحة وأضعف قدرة على العمل كقاعدة خلفية آمنة. ومن هذه الزاوية، لا تبدو مسيرات أوكرانيا مجرد سلاح جديد في ساحة المعركة، بل أداة لإعادة تعريف معنى العمق الآمن في حرب لم تعد تفصل بوضوح بين الجبهة والخلف.

font change