"علينا ان نأخذ بالاعتبار أننا سنكون مثل مدينة فوق تل؛ عيون جميع الناس تنظر لنا، فإذا أخلفنا وعدنا مع ربنا في هذا العمل الذي نضطلع به، فسيتسبب هذا بأن يحرمنا من عونه لنا وبالتالي سنصبح قصة ومثلا [سيئا] في أنحاء العالم"...
تختصر هذه الكلمات الشهيرة التي قالها الزعيم الديني والسياسي جون ونثروب (John Winthrop) في عام 1630 مخاطبا عشرات من المؤمنين المسيحيين التطهريين (Puritans) الهاربين من الاضطهاد الديني البريطاني على متن سفينة متجهة إلى "العالم الجديد"، تختصر قصة أميركا على نحو لم يتوقعه أو يخطط له ونثروب، الرجل المؤثر في قصة البدايات الأميركية، ومؤسس ما أصبحت تاليا ولاية ماساتشوسيتس (Massachusetts) في شمال شرق أميركا. عبر استخدامه عبارات إنجيلية (مثل المدينة على التل التي يتطلع لها الناس بإعجاب)، في خطبة تُقدم بوصفها طقسا مسيحيا بعنوان ديني "نموذج للمحبة المسيحية" (A Model of Christian Charity) أمسك ونثروب بما سيصبح، على مدى القرون التالية، خصيصتين أساسيتين في تعريف الولايات المتحدة لنفسها، وإلى حد ما للكيفية التي يراها فيها الكثيرون خارجها حتى في أيامنا هذه. الخصيصة الأولى هي حس الاستثنائية المبكر الذي طبع فهم الأميركيين لأنفسهم (في خطبة ونثروب يصبح المهاجرون إلى أميركا الذين يخطب بهم في السفينة شعب الله المختار: "وسيكون الربُّ إلهَنا، ويُسرُّ بأن يقيم في وسطنا بوصفنا شعبَه الخاص، ويمنحنا بركته في جميع طرقنا ومساعينا").
اتخذ حس الاستثنائية المبكر هذا، والذي تواصل لاحقا، طابعا قيميا خالصا، يتعلق بالقيم "المتفوقة" التي تقود حياة المهاجرين في البلاد الجديدة. فعلى امتداد ما يقرب من قرنين تاليين لهذه الخطبة، وفي وقت كانت فيه المستعمرات البريطانية- التي أقيمت عموما على ساحل المحيط الأطلسي- أقل ازدهارا وأكثر قسوة في ظروفها المعيشية من كثير من أنحاء أوروبا، اعتاد من أصبحوا تاليا يُطلقون على أنفسهم تسمية "الأميركيين" (ومعظمهم مهاجرون إنجليز) التفاخر بما عدّوه تفوقا أخلاقيا وسياسيا على القارة الأوروبية، أو ما عُرف بينهم بالعالم القديم، منتقدين، في القرن السابع عشر، قيودَها على الحرية الدينية، وفي القرن الثامن عشر، استبدادَها الملكي. ساهم هذا الشعور بتغذية الرغبة في بناء مجتمع مغاير لأوروبا يخلو من الاضطهاد الديني الذي عاشه المهاجرون التطهريون فيها (حتى رغم ممارسة هؤلاء التطهريين قيودا دينية على بعض الذين اختلفوا معهم دينيا في موطنهم الجديد في أميركا). بمرور الزمن، اندمج هذا الإرث الديني بأفكار التنوير الأوروبي ليشكل هذان التياران المختلفان زمنيا وديموغرافيا، الأساس الفكري والثقافي الذي تطورت منه الهوية السياسية الأميركية. عبر الزمن، انعكس هذا الخليط الفكري، بدرجات متفاوتة وفي مراحل زمنية مختلفة، على تطور المؤسسات السياسية في المستعمرات البريطانية، التي انتهى مسارها إلى قيام الولايات المتحدة الأميركية كدولة مستقلة في عام 1776.

