أميركا "الاستثنائية" في ذكراها الـ250... الوحدة التي تتبدد على صخرة الانقسام

بدا التفرد بالزعامة العالمية منذ التسعينات وكأنه منح نبوءة ونثروب الدينية عام 1630 قراءة علمانية جديدة

لينا جرادات
لينا جرادات

أميركا "الاستثنائية" في ذكراها الـ250... الوحدة التي تتبدد على صخرة الانقسام

"علينا ان نأخذ بالاعتبار أننا سنكون مثل مدينة فوق تل؛ عيون جميع الناس تنظر لنا، فإذا أخلفنا وعدنا مع ربنا في هذا العمل الذي نضطلع به، فسيتسبب هذا بأن يحرمنا من عونه لنا وبالتالي سنصبح قصة ومثلا [سيئا] في أنحاء العالم"...

تختصر هذه الكلمات الشهيرة التي قالها الزعيم الديني والسياسي جون ونثروب (John Winthrop) في عام 1630 مخاطبا عشرات من المؤمنين المسيحيين التطهريين (Puritans) الهاربين من الاضطهاد الديني البريطاني على متن سفينة متجهة إلى "العالم الجديد"، تختصر قصة أميركا على نحو لم يتوقعه أو يخطط له ونثروب، الرجل المؤثر في قصة البدايات الأميركية، ومؤسس ما أصبحت تاليا ولاية ماساتشوسيتس (Massachusetts) في شمال شرق أميركا. عبر استخدامه عبارات إنجيلية (مثل المدينة على التل التي يتطلع لها الناس بإعجاب)، في خطبة تُقدم بوصفها طقسا مسيحيا بعنوان ديني "نموذج للمحبة المسيحية" (A Model of Christian Charity) أمسك ونثروب بما سيصبح، على مدى القرون التالية، خصيصتين أساسيتين في تعريف الولايات المتحدة لنفسها، وإلى حد ما للكيفية التي يراها فيها الكثيرون خارجها حتى في أيامنا هذه. الخصيصة الأولى هي حس الاستثنائية المبكر الذي طبع فهم الأميركيين لأنفسهم (في خطبة ونثروب يصبح المهاجرون إلى أميركا الذين يخطب بهم في السفينة شعب الله المختار: "وسيكون الربُّ إلهَنا، ويُسرُّ بأن يقيم في وسطنا بوصفنا شعبَه الخاص، ويمنحنا بركته في جميع طرقنا ومساعينا").

اتخذ حس الاستثنائية المبكر هذا، والذي تواصل لاحقا، طابعا قيميا خالصا، يتعلق بالقيم "المتفوقة" التي تقود حياة المهاجرين في البلاد الجديدة. فعلى امتداد ما يقرب من قرنين تاليين لهذه الخطبة، وفي وقت كانت فيه المستعمرات البريطانية- التي أقيمت عموما على ساحل المحيط الأطلسي- أقل ازدهارا وأكثر قسوة في ظروفها المعيشية من كثير من أنحاء أوروبا، اعتاد من أصبحوا تاليا يُطلقون على أنفسهم تسمية "الأميركيين" (ومعظمهم مهاجرون إنجليز) التفاخر بما عدّوه تفوقا أخلاقيا وسياسيا على القارة الأوروبية، أو ما عُرف بينهم بالعالم القديم، منتقدين، في القرن السابع عشر، قيودَها على الحرية الدينية، وفي القرن الثامن عشر، استبدادَها الملكي. ساهم هذا الشعور بتغذية الرغبة في بناء مجتمع مغاير لأوروبا يخلو من الاضطهاد الديني الذي عاشه المهاجرون التطهريون فيها (حتى رغم ممارسة هؤلاء التطهريين قيودا دينية على بعض الذين اختلفوا معهم دينيا في موطنهم الجديد في أميركا). بمرور الزمن، اندمج هذا الإرث الديني بأفكار التنوير الأوروبي ليشكل هذان التياران المختلفان زمنيا وديموغرافيا، الأساس الفكري والثقافي الذي تطورت منه الهوية السياسية الأميركية. عبر الزمن، انعكس هذا الخليط الفكري، بدرجات متفاوتة وفي مراحل زمنية مختلفة، على تطور المؤسسات السياسية في المستعمرات البريطانية، التي انتهى مسارها إلى قيام الولايات المتحدة الأميركية كدولة مستقلة في عام 1776.

في العقود التي تلت الحرب الأهلية مباشرة، كانت الولايات المتحدة لا تزال متأخرة صناعيا مقارنة ببريطانيا وبعض دول أوروبا الغربية، إذ كان الاقتصاد الأميركي يحتفظ بطابع زراعي واسع

على مدى عقود طويلة، وقبل إعلان استقلال الولايات المتحدة في الرابع من يوليو/تموز من ذلك العام، انتظمت التجمعات الجغرافية البريطانية الساحلية في ثلاث عشرة مستعمرة خاضعة للتاج البريطاني. تشكلت في معظم هذه المستعمرات (التي تحولت تسميتها إلى ولايات بعد الاستقلال)، جمعياتٌ تشريعية محلية منتخبة، بينما كان العرش البريطاني يُعيّن معظم حكام هذه المستعمرات، الأمر الذي أوجد تجربة مبكرة للحكم الذاتي المحلي والتمثيل السياسي، رغم بقائها ضمن الإمبراطورية البريطانية.

في جانبه السلبي، ساعد حسّ الاستثنائية الأخلاقية والتفوق القيمي هذا في نمو نزعة إمبريالية ظهرت في سياقات مختلفة، كما في التعامل القاسي مع قبائل السكان الأصليين- الذين يُعرفون خطأ في العالم العربي بالهنود الحمر- بوصفهم شعوبا متخلفة ينبغي إزاحتها أو إخضاعها، وفي تجارة العبيد الأفارقة، وهي تجارة ذات جذور أوروبية، ورغم أن الولايات المتحدة حظرت استيراد العبيد من أفريقيا رسميا عام 1808، فإنها أبقت على نظام العبودية داخل البلاد، واستمر الإتجار الداخلي بالعبيد لعقود تالية. أصبح استغلال هؤلاء العبيد أساسيا لاستمرار الاقتصاد الزراعي الواسع في الولايات الجنوبية. ولذلك دافعت هذه الولايات بشدة عن العبودية، خصوصا مع احتدام الخلاف حول توسعها إلى الأراضي الجديدة، في مواجهة ولايات شمالية أكثر تنوعا اقتصاديا وأكثر ميلا نحو العمل الحر والصناعة، الأمر الذي انتهى بانفصال إحدى عشرة ولاية جنوبية عن الاتحاد وتأسيس دولة جديدة حمت العبودية دستوريا، ثم اندلاعت الحرب الأهلية الأميركية بين عامي 1861 و1865.

أ.ف.ب
قوات أميركية على شواطئ نورماندي (شمال غرب فرنسا) كتعزيزات خلال يوم الإنزال التاريخي، 6 يونيو 1944، في الحرب العالمية الثانية

مَهّد انتصار الولايات الشمالية في هذه الحرب الشديدة الدموية والعالية الكلفة بروزَ الخصيصة الثانية التي ستطبع أيضا فهمَ أميركا لنفسها: التفوق الاقتصادي، ثم التكنولوجي، المرتبط بالصعود الصناعي الأميركي في إطار ما يُسمّى تاريخيا بالثورة الصناعية الثانية بين عامي 1870 و1914. ففي العقود التي تلت الحرب الأهلية مباشرة، كانت الولايات المتحدة لا تزال متأخرة صناعيا مقارنة ببريطانيا وبعض دول أوروبا الغربية، إذ كان الاقتصاد الأميركي يحتفظ بطابع زراعي واسع، خصوصا في الجنوب والغرب. لكن البلد الواسع الأرجاء والمتنوع جغرافياً ومناخياً امتلك قاعدة صناعية نامية (حصيلة الثورة الصناعية الأولى التي بدأت في أواخر القرن الثامن عشر واستمرت على امتداد النصف الأول من القرن التاسع عشر)، وموارد طبيعية هائلة، وسوقا داخلية واسعة، وشبكة سكك حديدية آخذة بالتوسع تربط مناطقه المختلفة والممتدة بعيدا. ساعدت هذه كلها البلد على الدخول، بعد الحرب، في مرحلة تصنيع سريع وواسع حوّلته، في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إلى واحدة من كبرى القوى الصناعية في العالم.

شعرت أوروبا بقوة الولايات المتحدة الصاعدة بعد دخولها الحرب العالمية الأولى إلى جانب الحلفاء في عاميها الأخيرين، 1917 و1918، إذ استطاعت أميركا في خلال فترة وجيزة تعبئة قوة عسكرية كبيرة وإرسال أكثر من مليوني جندي إلى الجبهة الأوروبية، وهو ما أسهم في ترجيح كفة الحلفاء- وفي مقدمتهم بريطانيا وفرنسا وإيطاليا- في مواجهة دول المركز، ولا سيما الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية النمساوية-المجرية والدولة العثمانية، حتى انتهت الحرب بانتصار الحلفاء.

في ظل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب القادم من تقليد اليمين المتشدد، تزدهر التصورات الأيديولوجية القائمة على التفوق "الطبيعي" الأميركي

لكن خليطا من انتصار النزعة الانعزالية الأميركية، التي تجلّت في رفض الولايات المتحدة الانضمام إلى عصبة الأمم وتجنبها الانخراط الجدي في ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى أو تعميق التزاماتها السياسية والأمنية تجاه أوروبا، ومن وقائع الكساد الكبير الذي ضرب أميركا بقوة بدءا من عام 1929 واستمرت آثاره السلبية طوال عقد الثلاثينات، كل ذلك أخّر الإقرار العالمي ببروز الولايات المتحدة كقوة دولية أولى. جاء هذا الإقرار بعد الدور المحوري الذي لعبته أميركا في هزيمة دول المحور- ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان- في الحرب العالمية الثانية، ثم في إعادة إعمار أوروبا الغربية المدمرة عبر مشروع مارشال الذي موّلته الخزينة الأميركية. بعد الحرب، ترسخ الإقرار بالولايات المتحدة قوة عظمى في نظام دولي ثنائي القطبية، قبل أن تتحول إلى القوة العظمى الوحيدة اقتصاديا وعسكريا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي الذي قاده في عام 1991.

في سياق مختلف، بدا التفرد الأميركي بالزعامة العالمية منذ عقد التسعينات وكأنه منح نبوءة ونثروب الدينية عام 1630 قراءة علمانية جديدة؛ فـ"المدينة فوق تل" لم تعد رمزا لمجتمع مسيحي مثالي فحسب، بل أصبحت، في المخيال الأميركي ومخيال كثيرين غيرهم، رمزا للدولة التي تتجه إليها أنظار العالم، إعجابا بقوتها أو حسدا عليها. وجدَ هذا التصور الأيديولوجي للذات جذوره في تقليد سياسي أميركي أقدم، أعاد إحياءه زعماء بارزون، وفي مقدمتهم رونالد ريغان، الذين قدّموا الولايات المتحدة بوصفها "المدينة فوق تل". ومن هذا المنظور، يظهر التفرد الأميركي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة تأكيدا للاستثنائية الأميركية، التي يُنظر إليها على أنها نشأت من تفوقٍ أخلاقي وسياسي مفترض قاد عضويا ومنطقيا إلى تفوق اقتصادي وتكنولوجي.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في مدرج بيرنينغ هيلز في يوم افتتاح مكتبة ثيودور روزفلت الرئاسية في ميدورا، داكوتا الشمالية، الولايات المتحدة، في الأول من يوليو 2026

في ظل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب القادم من تقليد اليمين المتشدد حيث تزدهر مثل هذه التصورات الأيديولوجية القائمة على التفوق "الطبيعي" الأميركي، سيمثل، على الأكثر، الاحتفال بالذكرى المئتين والخمسين لميلاد أميركا فرصة جديدة لأقطاب هذا اليمين ليس فقط للتذكير بهذه الاستثنائية، بل بالذين يهددونها من "الخصوم الداخليين" من أعضاء الحزب الديمقراطي وسواهم من الليبراليين. ينطوي هذا الأمر على مفارقة حقيقية، فالاحتفال بأميركا كلحظة وحدة وفخر مشترك يجتمع الأميركيون حولها يصبح نفسه لحظة صراع آخر بخصوص معنى أميركا ووضعها الحالي داخليا وخارجيا.

font change