تفكيك "أفريقيا الفرنسية"... معركة الساحل للسيادة على الذهب والقرار

كيف تُعيد بوركينا فاسو ومالي والنيجر رسم خريطة التوازنات وصراع الأقطاب في الساحل؟

أ.ف.ب
أ.ف.ب
نصب تذكاري للجيش في عاصمة مالي باماكو، في 26 أبريل 2026

تفكيك "أفريقيا الفرنسية"... معركة الساحل للسيادة على الذهب والقرار

يمثل قرار واغادوغو بإنهاء صلاتها وعلاقاتها الدبلوماسية بباريس نقطة تحول مفصلية تعيد ترتيب الأوراق السياسية في شريط جنوب الصحراء الكبرى، مؤذنا بالأفول الرسمي لعهد الهيمنة الفرنسية التقليدية، ليمهد الطريق أمام تنامي حضور أقطاب دولية صاعدة كموسكو وبكين وواشنطن مما يفتح الباب أمام معادلة إقليمية جديدة تقوم على تعدد الشراكات والندية الدولية.

وقالت حكومة بوركينافاسو، في بيان لها أُذيع على التلفزيون الرسمي يوم الجمعة الماضي، إنها "قررت إنهاء العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا". وأوضح وزير الاتصالات جيلبير ويدراوغو أن "الشروط الأساسية لتعزيز العلاقات القائمة على الاحترام والثقة المتبادلين واحترام مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية والسيادة الوطنية غير متوفرة"، متهما باريس بدعم "شبكات تخريبية" و"إرهابيين".

من جهتها، وصفت الخارجية الفرنسية القرار بأنه "عدائي ولا أساس له"، وقالت إنه "يعكس الانحراف المقلق للسلطات البوركينابية"، مضيفة أن "التدابير المتبادلة اللازمة قيد الدراسة".

وقبل الإعلان عن قرار القطيعة الدبلوماسية شهدت العلاقات بين واغادوعو والاتحاد الأوروبي، تصعيدا ملحوظا، إذ استدعت رئيس بعثة "الاتحاد" فيليب برونشين احتجاجا على قرار تبناه البرلمان الأوروبي بأغلبية 476 صوتا مقابل 11، وامتناع 75 نائبا، انتقد حل الأحزاب السياسية وتعليق نشاط منظمات المجتمع المدني وتهديد حرية الصحافة في بوركينا فاسو. وانتقد وزير خارجية بوركينا فاسو جان ماري تراوري تصريحات للنائب الفرنسي في البرلمان الأوروبي كريستوف غومارت، معتبرا أنها تحمل "نزعة استعمارية جديدة".

قرار واغادوغو بإنهاء علاقاتها بباريس مؤذن بالأفول الرسمي لعهد الهيمنة الفرنسية التقليدية


ولا يمكن قراءة قرار قطع حبال التواصل السياسي والدبلوماسي بين واغادوغو وباريس بمعزل عن مسار طويل من التشنج المزمن، إذ جاء هذا الإجراء كخطوة لا مفر منها توجت سلسلة من القرارات السيادية الحاسمة تعكس رغبتها المطلقة في التحرر التام من إرث "أفريقيا الفرنسية" والمعروف سياسيا بمصطلح "Françafrique" أو (الأفروفرانكفونية)، وقد بدأت بالطرد الفوري للقوة الفرنسية العسكرية "سابر" من على الأراضي البوركينية عام 2023، وأعقبها إلغاء كافة اتفاقيات الدفاع بين البلدين إثر تدهور حاد في العلاقات بعد انقلاب سبتمبر/أيلول الذي أفضى إلى تولي النقيب إبراهيم تراوري السلطة.

نهاية الوصاية... استرداد الثروة

ويعكس هذا الانفصال الجذري عن النهج السابق رغبة صناع القرار والقواعد الشعبية في الانعتاق النهائي من قيود "أفريقيا الفرنسية" وإنهاء التبعية المؤسساتية غير العادلة، فمن خلال هذا القرار تسعى بوركينافاسو لتأميم قرارها السياسي وصياغة استراتيجية أمنية سيادية تقوم أساسا على الإدارة المباشرة والاستغلال الذاتي لثرواتها الوطنية، بعيدا كل البعد عن النفوذ الفرنسي التقليدي في أفريقيا.

ويرتبطُ الإنتاج القياسي للذهب في بوركينافاسو بتقويض الهيمنة الفرنسية على قطاع التعدين كجزء لا يتجزأ من معركة تحصين وتأميم القدرات الوطنية لتحقيق التنمية المستقلة، ففي يونيو/حزيران أعلن الرئيس البوركينابي النقيب إبراهيم تراوري اتخاذ قرارات صارمة شملت إنهاء نشاط خمس شركات أجنبية في قطاع التعدين ووضعها جميعا تحت إدارة الدولة.

ويقول عبد الرفيق كشوط، أستاذ محاضر في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة محمد الصديق بن يحيى جيجل ورئيس فرقة بحث بعنوان إشكالات الأمن والسلام في المتوسط في حديثه لـ"المجلة" إن "هذا التحول جاء مدفوعا بظلال الإرث الاستعماري والرواسب التاريخية، حيث تريد واغادوغو تقويض النفوذ الفرنسي الذي تراه الامتداد الفعلي والمباشر للاستعمار الجديد المسمى  أفريقيا الفرنسية، خاصة في ظل اتهامات بوركينافاسو لباريس بانتهاج مقاربة تصادمية ودعم كيانات مهددة للسلم الأهلي".

ولا تعتبر بوركينافاسو الدولة الوحيدة التي أعلنت القطع الكامل للعلاقات الدبلوماسية الرسمية مع فرنسا في القارة السمراء، إذ سبقتها دول أخرى في منطقة الساحل الأفريقي لتقليص النفوذ الفرنسي وتجسد هذا عبر طرد القوات العسكرية الفرنسية وفسخ الاتفاقيات الدفاعية في كل من مالي والنيجر وتشاد والسنغال وكوت ديفوار.

أ.ب
قوات "برخان" الفرنسية خلال دورية في شوارع تمبكتو، مالي، 29 سبتمبر 2021

 

بوركينا فاسو ترى أن فرنسا تضمر طموحات استعمارية جديدة ودعم "شبكات تخريبية"


بدائل واغادوغو... السلاح والحرير

ويكمن التأثير المباشر لهذا القرار في أنه أدى إلى فراغ استراتيجي استغلته قوى دولية جديدة للتوسع السريع وفي مقدمتها روسيا والصين اللتان قدمتا بديلا استراتيجيا يختلف في مضمونه وشكله عن العقيدة الفرنسية، ويرى عبد الرفيق كشوط أن "النفوذ الفرنسي في الساحل الأفريقي يشهد تراجعا دراماتيكيا لصالح بروز قطبين جديدين وهما روسيا والصين وهو ما سيعيد رسم الخارطة الاستراتيجية للمنطقة".

فقد بادرت موسكو باستثمار الفراغ الأمني عبر ذراعها العسكرية الضاربة في القارة السمراء "الفيلق الأفريقي" الذي يشكل النسخة المؤسسية الجديدة للنفوذ العسكري الروسي في الساحل الأفريقي وهو موجود في 5 دول أفريقية وهي كل من: بوركينافاسو وليبيا ومالي وجمهورية أفريقيا الوسطى والنيجر، ويشمل الدعم الروسي إرسال مدربين روس للإشراف على تدريب وتطوير عقيدة القتال لدى القوات المسلحة وهيئات حماية القانون في واغادوغو، ويمتد التعاون العسكري ليشمل التعاون النووي السلمي ففي أكتوبر/تشرين الأول 2023 وقعت الحكومتان اتفاقية لبناء محطة تعمل بالطاقة النووية.

أ.ف.ب
أحد مؤيدي المجلس الوطني لحماية الوطن في النيجر (CNSP) يحمل أعلام مالي وبوركينا فاسو والجزائر والنيجر وروسيا في ملعب الجنرال سيني كونتشي في نيامي، 26 أغسطس 2023

 

موسكو استثمرت الفراغ الأمني بذراعها الضاربة "الفيلق الأفريقي"، وبكين أمسكت بزمام التنمية والاقتصاد


وفي مسار موازٍ، وضمن تناغم جيوسياسي مع الحضور الروسي، أمسكت بكين بزمام الملف التنموي والاقتصادي عبر دمج بوركينافاسو في مبادرة الحزام والطريق التي تعرف أيضا باسم طريق الحرير الجديد أو طريق الحرير للقرن الـ21 وترجم هذا الاندماج على أرض الواقع من خلال عدة مبادرات ومشاريع مشتركة نذكر على سبيل المثال: إنشاء شركة شحن مشتركة بين البلدين لتسهيل حركة التجارة ونقل السلع، وتقديم بكين منحة بقيمة 5 ملايين دولار لدعم المبادرة الرئاسية للإنتاج الزراعي في بوركينافاسو وتوفير الأسمدة والبذور.

ودعمت بكين نفوذها الاقتصادي بضخ أموال طائلة في مشاريع المرافق الأساسية مثل شبكة الطرق والمشاريع اللوجستية، والطاقة الشمسية والمنشآت الصحية، إلى جانب الظفر بامتيازات استكشاف تعديني، ورخص استثمار استراتيجية في قطاع الثروة المعدنية والمعادن النفيسة لا سيما في قطاع الذهب، ويقوم النهج الصيني على سياسة المصالح المشتركة والنأي عن التدخل في الشؤون المحلية، مما أفسح مجالا كبيرا لحكومة واغادوغو لامتصاص صدمة العقوبات الأميركية والتوترات مع الأوروبيين.

تمخضات جيوسياسية

جيوستراتيجياً، لا تتوقف الارتدادات الجيوسياسية لهذا القرار ضمن المحور الثنائي بين واغادوغو وباريس بل تتجاوزه لتشكل مدخلا أساسيا لثتبيت الجبهة الداخلية وترسيخ وتماسك "تحالف دول الساحل" (AES) الذي يضم كلا من بوركينافاسو ومالي والنيجر.

ويعتقد عبد الرفيق كشوط أن "التحالفات الإقليمية الناشئة في الساحل الأفريقي ستكون أكثر صلابة وقوة في المرحلة القادمة خاصة بعد اختفاء العامل الفرنسي الذي كان يساهم بشكل كبير في إذكاء الانقسامات البينية، مستفيدة في هذا الإطار من التناغم التام والاتفاق بين دول المنطقة وحلفائها الجدد في موسكو وبكين".

وتتجه هذه القوى مجتمعة نحو صياغة إطار استراتيجي دفاعي ودبلوماسي جماعي لحماية مصالحها ومواجهة الجماعات المسلحة النشطة في منطقة المثلث الحدودي المعروفة باسم "ليبتاكو غورما" (منطقة حدودية غنية بالموارد تقع في قلب الساحل الأفريقي عند نقطة التقاء حدود النيجر ومالي وبوركينافاسو)، بعيدا عن الضغوط السياسية والحقوقية التي تحاول بروكسل فرضها أو المظلات العسكرية الغربية.

وعلى النقيض من ذلك يمنح قرار بوركينافاسو حافزا معنويا ومكسبا استراتيجيا لتحالف المعارضة السياسية والتحالفات الانفصالية بالتحالف أو التنسيق مع جماعات إرهابية مرتبطة بتنظيم "القاعدة" على المدى القريب وهو السيناريو نفسه الذي شهدته باماكو في الأشهر الأخيرة، إذ أظهرت التطورات الميدانية تنسيقا عسكريا غير مسبوق بين "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" و "جبهة تحرير أزواد ضد الجيش المالي"  ويهدف هذا التحالف إلى استنزاف القوات الحكومية وإسقاط السلطة العسكرية الحاكمة.

وفي المحصلة، يمكن القول إن قرار واغادوعو بقطع العلاقات لا يمثل مجرد إجراء دبلوماسي عابر، بل يعتبر إشهارا علنيا بإنهاء التوازنات التقليدية القائمة في المنطقة. لكن بالمقابل يضعها أمام مرحلة حرجة يكتنفها الغموض وتعدد السيناريوهات، ويرهن هذا التوجه الجديد نجاحه بمدى فاعلية السلطة في إيجاد بدائل أمنية واقتصادية لسد العجز القائم، واستيعاب التحولات الجيوسياسية ضمن بيئة إقليمية معقدة للغاية تسيطر عليها مخاطر الإرهاب العابر للحدود والجريمة المنظمة.

font change