تشهد ظاهرة مسلسلات "الميكرودراما" حضورا متزايدا، لا سيما مع استخدام برامج الذكاء الاصطناعي التي تسهل الاعتماد على نماذج جاهزة، توفر إمكانات إنتاجية لا متناهية، وتطرح في الوقت نفسه أسئلة الأصالة الفنية والإبداع، أمام عنصر السهولة والسرعة والمعادلات المسبقة.
الدراما الرأسية
لمن لا يعرف ماهية "الميكرودراما"، فهو الوسيط المستحدث الممتد من فيديوهات "الريلز" الآتية من منصات كـ"إنستغرام" و"تيك توك"، وله تسمية أخرى هي "الدراما الرأسية" Vertical Drama، وتسمى رأسية لأن أبعاد "الفريم" فيها هي نسبة (9:16) أي 16 للارتفاع و 9 للعرض، لأنها مصممة تحديدا لمستخدمي الهواتف، وقد بدأت "الميكرودراما" أولا في الصين، ومن ثم انتشرت في دول كثيرة كاليابان وأميركا وغيرهما من المناطق تباعا.
وسيط "الميكرودراما" هو وسيط تجاري بحت لاعتماده تقنيا ودراميا وتسويقيا على حيثيات تجارية تماما، فالموضوعات مثلا لا بد أن تتخذ صبغة ميلودرامية، فتكون العواطف هي الأهم في المقام الأول، كما تستند على نوعيات فيلمية واضحة مثل "الرومانتيك كوميدي" والميلودراما العائلية والتشويق، وبالنسبة الى طول الحلقات، هي تبدأ من دقيقة حتى ثلاث دقائق، كما يجب مراعاة الـ Product Placement أي التسويق لمنتجات طوال الحلقة عبر تضمينها داخل المشهد، وفي الأخير تعتمد منصات "الميكرودراما" على الكم لا الكيف، فالأهم دوما هو إنتاج عدد كبير جدا من المسلسلات، وهي ركيزة أساس وجوهرية تماما يعتمد عليها وسيط "الميكرودراما" اعتمادا كليا.
في النهاية تستهدف "الميكرودراما" الأجيال الأصغر سنا، "جيل ألفا" في المقام الأول ويليه "جيل زد" بالطبع، لأن كل تلك الحيثيات مرتبطة ارتباطا وثيقا بكيفية تلقي الأجيال الأحدث للتكنولوجيا والعالم، كما تعتمد على ثقافتها السريعة في التعامل مع كل الأشياء المحيطة وصولا إلى مشاعرها.
ولأن التجريب مرتبط بالفن أكثر من النبذ والإنكار، لا بد دوما من محاولة استيعاب الوسائط والتقنيات الجديدة، لا الرفض المطلق الواضح، كما يجب عدم الاستعلاء على ثقافة جيل ووصمه، بل المهم في كل مرة هو السعي للتواؤم أو التوافق الذي يرضي كل الأطراف، فإن كانت رؤية الفنان تجاه "الميكرودراما" والذكاء الاصطناعي متشائمة ومتشككة، فإن ذلك لن يغير من الأمر شيئا، لأن التطور قادر على فرض نفسه في كل مرة، وفي الرجوع الى التاريخ يتضح أن التطور ممكن تطويعه دائما لكي يساعد، وهو في نهاية الأمر ليس عدوا للفنان، إلا للفنان المحدود الأفق.




