تاركوفسكي في يومياته: أين ذهب الشّعر؟

قراءات وانطباعات عن كتّاب ومخرجين

AFP
AFP
المخرج السينمائي أندريه تاركوفسكي

تاركوفسكي في يومياته: أين ذهب الشّعر؟

"بإمكان دوستويفسكي أن يصبح غاية ما أريد أن أفعل في السينما" يفصح المخرج السينمائي أندريه تاركوفسكي في مفتتح يومياته التي شرع في كتابتها بدءا من 1970 حتّى 1986، وصدرت بالألمانية في 1989 تحت عنوان "زمن داخل الزمن: يوميات 1970-1986"، ولم تصدر بالأصل الروسي إلا في 2008، وذلك بعد أن ترجمت إلى 15 لغة على الأقل.

طالما فكّر تاركوفسكي وخطّط لإنجاز فيلم سينمائي حول صاحب "الجريمة والعقاب"، لا يتعلّق الأمر بتحويل إحدى رواياته إلى عمل سينمائيّ، بل يتعلق بشخصه المريب، كذات إنسانية مُفردة، عن أعماله الروائية ومجمل أفكاره الخاصة في تماهٍ مع حياته المنذورة للعزلة.

هي العزلة ذاتها التي اختارها تاركوفسكي في 24 أبريل/ نيسان 1970 إذ اشترى منزلا في الريف مفضلا تربية الخنازير والإوز والاعتناء بالنباتات على أن يرضخ لتدخلات القائمين على الإنتاج الذين فرضوا عليه تعديلات قسرية ستدمّر فيلمه "سولارس"، وهذا ما رفضه بالمطلق.

أصرّ تاركوفسكي على ألا يعمل من أجل المال وحده، فعظمة الإنسان في اعتقاده كامنة في الاحتجاج

تتأبّد أزمته في الريف مع بلوغ ابنه "أندريويوشكا" السبع سنوات، في ظلّ إفلاسه المزمن واستفحال ديونه، ومع ذلك يواظب على القراءة، منوّها بعبقرية توماس مان في رواية "موت في البندقية" على سبيل المثال.

محنة

تتواصل محنة المخرج الشقي أمام تعنّت النظام والرقابة وبيروقراطية موظّفي إدارة الأستوديو الذين ينعتهم بالحمقى، زد على ذلك استياؤه من النقاش العقيم الذي دار في الجامعة حول فيلمه "أندريه روبلوف"، ومع ذلك التزم بانتصاره لحريته في العمل، في سبيل الموت بنبل وكرامة، مقابل السقوط الإنساني المطوق بالعمى المادي، أو الانحطاط الأخلاقي الممعن في جرف العصر إلى هاوية مطبقة الظلمة، وعنوان حضيضها السحيق هو الإفلاس الروحي المبين.

على هذا النحو أصرّ على ألا يعمل من أجل المال وحده، فعظمة الإنسان في اعتقاده كامنة في الاحتجاج.

لا يني تاركوفسكي يكشف عن علاقته المعقدة بأبيه خاصّة، بعائلته عموما، إذ تغيب الطمأنينة في اقترابه منهم، ويحضر السلام في ابتعاده عنهم، إنّ ما يسعى إليه هو التحصّن بنعمة الحرية، فلا شيء يرعبه أكثر من أن يرى من يحبّهم يتألمون بسبب أنانيته.

تستأنف يوميات تاركوفسكي كشفها عن قراءاته الروائية بين الحين والآخر:لعبة الكريات الزجاجية لهرمان هسّه، دكتور فاوست لتوماس مان، التحول لكافكا... مع الاستشهاد المتواتر بمقولات غوته، آينشتاين، هرمان هيسه، ريلكه، شوبنهاور.. على طول المتن.

يتفاقم سحاب التذمّر مُلبِّدا سماء تاركوفسكي بينما هو محاصر في بلده من لدن بطش السلطة التي تمنعه من السفر إلى إيطاليا لكي ينجز أعمالا فنية بطلب من مؤسسات وأفراد هناك، وكذلك عدم الترخيص لأفلامه بالعرض الذي يليق بها خاصة فيلمي "سولارس" و"المرآة"، والسبب المغرض: الغموض. أقسى من ذلك، إنّه يحظى بتقدير عظيم في السويد وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا، ويكفي ما كتبه عنه إنغمار برغمان الذي يصف اكتشاف أعمال تاركوفسكي بالمعجزة، غير أنّ المفارقة عدم التقدير الذي يعانيه في مكانه، إذ يتحالف الجهل المطبق بما هو إيديولوجي في إعدامه الرمزي محليّا.

أحكام وانطباعات

وأمّا ما يسترعي الانتباه فهو أحكام وانطباعات وتعليقات تاركوفسكي حول مخرجين طبقت شهرتهم الآفاق، وكذا مشاهداته لأفلام سينمائيّة بعينها لمخرجين هم محض علامات جمالية في لحظتهم التاريخية الموشومة بأعتى الطفرات البصرية الشعرية، وبلا هوادة يتأرجح تقييمه اللاذع بين استحسان ذوقه للبعض، وعدم استساغته للبعض الآخر، مع توقيع ملاحظات غير مواربة، بصراحة حادّة الجرأة، من قبيل:

  • فيلم "واترلو" لسيرغي بوندارتشوك: عقل مخجل ومثير للشفقة.
  • فيلم "تريستانا" للويس بونويل: سيّء، أحيانا يسمح لنفسه بارتكاب هذه الهفوات.
  • أكيرا كوروساوا في وضع مرعب، إنه محاط بفريق من المخبرين والحمقى، الكل يكذب عليه، يجب تحذيره من ذلك.
  • المخرج الأجنبي المفضل: روبير بريسون.
  • بعد مشاهدة فيلم "عودة أورفيوس" لجان كوكتو: أين ذهب أولئك العظام؟ أين ذهب روسليني، كوكتو، رينوار، فيغو؟ أين ذهب الشعر؟ لم يبق غير المال، المال، المال، والخوف. فليني خائف، أنتونيوني خائف، الوحيد الذي لا يخاف من شيء هو بريسون. فيلم فليني الأخير كارثة، لقد كفّ عن الوجود كفنان. لسبب ما أواصل التفكير في أنتونيوني: إنه أفضل مخرج في إيطاليا.
  • المخرج سيرغي بارادغانوف: إنه ليس عبقريا في مجال فنه وحسب، بل عبقري في كل شيء.
  • فيلم برتولوتشي "القمر": بشع، رخيص، مبتذل.
  •  

أمّا الفنان الذي نال القسط الأوفر من لذوعية انتقاده الصّرف، فهو منظّر المسرح ستانيسلافسكي الذي ينعته بالمعتوه، مُقلِّدا إيّاه وصمة الإساءة الكبرى لأجيال المستقبل في المسرح كما فعل ستاسوف في الفن التشكيلي إذ لا يعدو عملهما تزييفا لوظيفة ومعنى الفن.

هواجس

مع التقدّم في قراءة اليوميات يفاجئنا تاركوفسكي بما يهاجسه، عل الأقل ثلاث مرّات:

الأولى، وهو يفكّر في تحويل رواية "الأبله" لدستويفسكي إلى مسلسل تلفزيوني من سبع حلقات. هو نفسه الذي يستثني عمل التلفزة من قائمة الفن وهذا شيء مفارق.

فليني خائف، أنتونيوني خائف، الوحيد الذي لا يخاف من شيء هو بريسون

تاركوفسكي

الثانية، حينما يقترح على برغمان إخراج عمل مشترك يجمعهم ثلاثتهم: تاركوفسكي وبرغمان وأنتونيوني.

الثالثة، وهو يكشف عن رغبته في كتابة فيلم من صنف "الويسترن" كاستثناء لصالح المخرج سيرجيو ليوني، لولا أن هذا الأخير تخلى عن صناعة هذا النوع من الأفلام.

بالقدر الذي تتعاقب نجاحات أفلام تاركوفسكي في مهرجانات أوروبا الكبرى، تتضاعف مآسيه في بلده، خاصّة بعد مرض أبيه، وموت أمّه، وكذا تعرضّه هو نفسه لانسداد شريان في قلبه وهو بسن 46، غير أن معركته الجمالية ظلت عاتية دونما تنازلات، وهو يسعى إلى أن يضاهي بالسينما فنّي الموسيقى والشعر.

وفي يومياته يتعالق الشعر والموسيقى أيضا ولو على سبيل التخييل، إذ يقحمنا في المشهد الطبيعي الأثير لديه: السديم. ويلفعنا بتواتر موسيقاه الأمثل: "آلام القديس يوحنا" ليوهان سباستيان باخ. ولا تبارح شجرته الأجمل أفق الرؤية: الدردار.

font change

مقالات ذات صلة