إبرة الكتابة

إبرة الكتابة

استمع إلى المقال دقيقة

يمكن للإبرة أن تكون استعارة لعمل الكتابة في المجمل، فعينها من عين الكتابة ذاتها، إذ الرؤية للوجود تتحقق لدى الكاتب عبر بصيرته، من زاوية حادة، وأما رأس الإبرة فهو المسؤول عن الإيقاع، وهو من إيقاع الكتابة، خطها المتشعب، أو الماراثوني، إن تعلق الأمر برواية، والمكثف إن تعلق بقصة قصيرة أو قصيدة، وأما خيط الإبرة فهو خيال الكتابة الجامح، الخيط المتأهب كيما ينسج خرائط العالم الجديد.

هذه المقدمة المجازية لا تعني الإبرة والكتابة وحدهما، أو تلكم العلاقة الضمنية أو التخييلية بينهما، بل تعني أيضا نموذجا من الكتاب عاشوا إلى جوار ماكينات خياطة أمهاتهم، بالتمام والكمال، كانت أمهاتهم محض خياطات، ويا له من عمل نبيل وعتيد، ولا يعدو أن يكون الأمر بالنسبة لكثيرين مجرد مهنة كسائر أصناف المهن، لكن بالنسبة لنا، الأمر أعمق من أن يكون حرفة خاصة وانتهى، نعم، هؤلاء الكتاب من حيث لا يدرون، مدينون لإبر أمهاتهم، إن لم تكن هذه الإبر هي من يكتب في كواليس ما أنجزوه من نصوص وأعمال أدبية.

في الطليعة لا بد أن نقف مثلا عند أم جبران خليل جبران، السيدة كاميليا، واسمها الحقيقي كاملة، وقد عرف عنها أنها كانت خياطة بديعة، وفي ذاكرة الصدى، لا يمكن إلا أن نتخيل أزيز إبرتها وهي تزحف فيما كتبه ابنها الرؤيوي، من مؤلفه ذائع الصيت "النبي"، مرورا بـ"العواصف"، و"الأجنحة المتكسرة"، و"المواكب"، وقس على ذلك من عناوين تتأرجح بين دمعة وابتسامة. ما العلاقة؟

يمكن استقراء هذه العلاقة في إيقاع الكتابة ذاته، ولا يمكن أن نتبيّنه إلا ضمن فرضية، حيث ترقص إبرة كاميليا في جوار كل نص، بل في المطبخ السري لكل كتاب من رصيده الأدبي، وهو القائل في "آلهة الأرض": "إنك قد أُعطيتَ النول المقدس، أُعطيتَ الفن لحياكة الثياب، النول والفن سيكونان لك إلى الأبد وسيكون معهما الخيط الأسود والنور، ولك أيضا الأرجوان والذهب، وأنت مع كل هذا تحوّل من نفسك ثوبا قد نجست يداك نفس الإنسان من الهواء الحيّ والنار، وأنت الآن تريد أن تقطع الخيط وتطلق أصابعك الشعرية في الأبدية الخاملة".

تشارلز بوكوفسكي هو الآخر، كانت أمه خياطة بارعة، واسمها كاتارينا فيت، كما هو موثق في حواراته ومارست والدته المهنة في بلدة أندرناخ بألمانيا وبالقدر الذي كانت والدته تحترف عملا يرمز للرتق والإصلاح، عجزت بالمقابل عن ترميم بيتها الممزق أو حماية ابنها من عنف الاعتداء الذي كان يتلقاه من والده القاسي ومن أبدع ما كتبه عن أمه قصيدة "ابتسامة للذكرى" التي يراها مجرد سمكة مسكينة.

وقبله جاك كيرواك، وأمه الخياطة الفذة فضلا عن احترافها صناعة الأحذية وكان اسمها غابرييل أنج ليفسيك، وقد التزم طوال حياته بأن يكلمها بالفرنسية حفاظا على تراثهم الكيبيكي، كونها تنحدر من كندا وقد انعكس هذا في إيقاعات شعره ونثره معا، وكانت قد شرعت في العمل داخل مصانع الأحذية المعنية بالنسيج منذ سن الرابعة عشرة، والغريب أن زوجة كيرواك الثانية والدة ابنته جان والتي تدعى وان هافرتي كانت هي الأخرى تعمل خياطة إضافة الى كونها نادلة، وعن أمه كتب قصيدة "أم واحدة"، ألقاها برفقة عازف البيانو الشهير ستيف آلن ضمن مشروع "جيل البيت".

في حدّة الإبر، في المرئي من ثقوبها ما يجعل تبئير الحكايات والعالم محض لازمة لاجتراح المعنى، لرصد الحقائق بوخز البصيرة

في مجاورة هؤلاء لا بد من الاستئناس بمحمود درويش الشاعر الأكثر التفاتا إلى إبر الأمهات، حدّ أنه يفصح:

"أرى لغتي كلها على حبة القمح مكتوبة بإبرة أنثى

ينقحها حجل الرافدين".

وهذا ما يراه بعين الحالم في حالة الفراشة:

"الفراشة تنسج من إبرة الضوء زينة ملهاتها".

والعالم بلا نهائيته منظورا إليه من ثقب الإبرة أيضا إذ يعرب درويش دائما:

"ما أجمل الأرض من ثقب إبرة".

وليس أبدع في شعره عن جماليات الإبرة من أن نقف عند:

"أما أنا سأدخل في شجر التوت حيث تحولني دودة القز خيط حرير أدخل في إبرة امرأة من نساء الأساطير ثم أطير كشال مع الريح".

في تقديم أندريه ميكال لكتاب "العين والإبرة" لعبد الفتاح كيليطو، يتساءل: هل خطر في بالكم ذات يوم أن تكتبوا على مآقي بصركم، بواسطة إبرة حادة، حكاية برمتها تحمل عبرة أخلاقية؟ كلا بالطبع، سيكون الأمر مؤلما للغاية ومستحيلا على أية حال، إنها مع ذلك الاستعارة التي يستخدمها في غير ما مكان راوي ألف ليلة وليلة".

إبرة الحكاية هي نفسها إبرة الفلسفة، ففي ديوان "إبرة الوجود" لعبد الله زريقة، يعمد الشاعر إلى رتق فراغات روحية بإبرة المعنى حيث تطريز العدم هو نفسه تطريز قميص الأشياء اللامألوفة.

في حدّة الإبر، في المرئي من ثقوبها ما يجعل تبئير الحكايات والعالم محض لازمة لاجتراح المعنى، لرصد الحقائق بوخز البصيرة، لرسم الخرائط الجديدة، للكشف عن جناح الفراشة الذي يفصل بين الواقع والحلم، بين الشعر والنثر، بين الماضي والمستقبل، والفضل في مجمله يعود لإبر أمهاتنا التي رتقت جوارب وأقمصة طفولتنا على طول فراسخ الفصول، وفي المضمر ما رتقن سوى ثقوب أحلامنا.

font change