سيري هوستفيدت تكتب عن العالم بعد بول أوستر

"قصص أشباح" نص يحوّل الحداد إلى معرفة

AFP
AFP
الروائي الأميركي بول أوستر وزوجته الكاتبة الأميركية سيري هوستفيدت خلال تكريمه بوسام "غراند فيرميل" من بلدية باريس، 10 يونيو 2010

سيري هوستفيدت تكتب عن العالم بعد بول أوستر

منذ عقود، تحتل سيري هوستفيدت موقعا فريدا في المشهد الأدبي الأميركي، فهي روائية وشاعرة وباحثة تجمع بين الحساسية الأدبية الصافية والانشغال الفلسفي والعلمي بأسئلة الوعي والذاكرة والهوية.

كتابها الجديد "قصص أشباح"، الصادر حديثا في نيويورك عن دار "سِبتر"، يكشف وجها آخر من تجربتها: وجها أكثر هشاشة وانكشافا، يُكتب من قلب الفقد الشخصي ومن منطقة يصعب على اللغة نفسها أن تطأها من دون أن تتعثر.

الكتاب وُلد من تجربة قاسية عاشتها الكاتبة بعد وفاة زوجها، الروائي الأميركي الشهير بول أوستر، في ربيع 2024 إثر صراع مع سرطان الرئة. لكن هوستفيدت لا تقدم فيه مجرد مذكرات عن المرض والرحيل، ولا تكتفي بتأبين شريك حياتها الذي رافقها أكثر من أربعة عقود.

ما تكتبه أقرب إلى محاولة لفهم ما يفعله الموت بالأحياء، وكيف يعيد تشكيل الزمن والذاكرة والإدراك، وكيف يتحول الغياب نفسه إلى نوع من الحضور المستمر.

شراكة

تفتتح هوستفيدت كتابها بجملة قاطعة تكاد تشبه حكما وجوديا: "أنا حية. زوجي بول أوستر ميت". ومن هذه الحقيقة العارية يبدأ السرد، من دون أي تمهيد. ومنذ تلك اللحظة يتضح أن الكاتبة لا تسعى إلى كتابة سيرة لزوجها الراحل بقدر ما تسعى إلى إدراك ما يحدث للذات عندما تفقد جزءا أساسيا من تكوينها. فأكثر من مجرد زوج أو رفيق يومي، كان أوستر شريكا فكريا وإبداعيا وعاطفيا، حتى بدا موته وكأنه زعزعة للبنية الداخلية التي كانت تنظم علاقتها بالعالم.

لهذا السبب يصعب تصنيف "قصص أشباح" ضمن خانة واحدة. فهو مزيج من السيرة الذاتية، واليوميات، والتأمل الفلسفي، والتحقيق النفسي في طبيعة الحزن والذاكرة والزمن. كما أنه يحمل في صفحاته نصوصا غير منشورة لأوستر نفسه، من بينها رسائل كتبها إلى زوجته وابنته وحفيده، فضلا عن أجزاء من مشروعه الأخير غير المكتمل.

الأشباح هنا هي آثار تتسلل عبر الروائح والأصوات والعادات والأشياء الصغيرة التي تحتفظ بذاكرة أصحابها

هكذا يتحول الكتاب إلى حوار متواصل بين صوتين، أحدهما لا يزال حيا، والآخر يواصل الكلام من وراء الغياب.

عنوان الكتاب ليس استعارة أدبية فحسب. فقبل رحيله ردد أوستر أكثر من مرة أنه يرغب في العودة شبحا. وهوستفيدت تستجيب لهذه الأمنية بطريقتها الخاصة عبر استكشاف الكيفية التي يواصل بها الموتى الإقامة داخل حياة الأحياء، بعيدا من أي معالجة فانتازية مباشرة. فالأشباح هنا هي آثار تتسلل عبر الروائح والأصوات والعادات والأشياء الصغيرة التي تحتفظ بذاكرة أصحابها.

AFP
الكاتبة الأميركية سيري هوستفيدت خلال جلسة تصوير لفيلم "سيري هوستفيدت: الرقص حول الذات" في مهرجان برلين السينمائي، 13 فبراير 2026

في هذا السياق تستعيد الكاتبة إحدى الأفكار القريبة من عالم مارسيل بروست، ومفادها أن الراحلين لا يغادرون دفعة واحدة، بل يتحولون إلى نوع من الحضور الغامض الذي يرافقنا بعد موتهم. لذلك يبدو أوستر في الكتاب حاضرا بقدر ما هو غائب. حضوره يتجسد في كرسيه المعتاد، وفي آلته الكاتبة، وفي الأقلام التي تركها على مكتبه، وفي رائحة سيجاره التي تشعر زوجته بأنها لا تزال عالقة في أرجاء البيت.

تجربة الحِداد

لكن قوة الكتاب لا تقتصر على هذه التفاصيل. فهنالك أيضا الطريقة التي تفحص بها هوستفيدت تجربة الحداد نفسها بوصفها اضطرابا عميقا في إدراك العالم، لا مجرد حالة نفسية أو مرحلة يمكن تجاوزها تدريجيا. فالزمن يفقد انتظامه، والعادات اليومية تتشقق، والبيت الذي كان مألوفا يتحول إلى فضاء غريب مليء بالآثار والذكريات والكمائن العاطفية.

في هذا السياق تبتكر الكاتبة مفهوما لافتا تسميه "التشظي المعرفي"، وهو التعبير الذي تستخدمه لوصف حالة الضياع التي أعقبت وفاة أوستر. إذ لم تعد تتذكر الأشياء بالطريقة نفسها، ولم تعد العلاقات المألوفة بين الأمكنة والأزمنة تعمل كما كانت. حتى أبسط الأفعال اليومية تكتسب طابعا سورياليا أو تتحول إلى مهام شاقة تتطلب جهدا استثنائيا. كأن العقل نفسه فقد أحد محاوره المركزية.

تروي مثلا كيف كانت تدخل حوض الاستحمام ثم تكتشف أنها نسيت خلع جواربها، أو كيف كانت تخرج من المنزل لتجد نفسها عاجزة عن العثور على مدخل محطة المترو الذي عرفته لسنوات طويلة.

AFP
الكاتب والمخرج الأميركي بول أوستر

أكثر من مجرد طرائف عابرة، تقدم هوستفيدت هذه الوقائع باعتبارها علامات على انهيار النظام الداخلي الذي ينظم علاقتنا بالعالم. فالحزن، في نظرها، شعور نفسي، وتجربة تمس الجسد والإدراك والذاكرة في آن واحد.

هنا تحديدا تظهر الخلفية الفكرية للكاتبة، واهتمامها الطويل بعلم النفس والفلسفة. فهي تراقب نفسها كشخص آخر، وتجمع بين موقعَي المكلومة والباحثة التي تحاول فهم ما يجري لها.

الفقد هنا يتعلق بخسارة شخص عزيز وبضياع جزء من الذات تشكل عبر سنوات المشاركة الطويلة

لكن هذا البعد التأملي لا يحول الكتاب إلى دراسة نظرية. فالمعرفة هنا تبقى متجذرة في التجربة الحية. وكل فكرة فلسفية تنبثق من واقعة ملموسة أو ذكرى أو إحساس جسدي.

من هنا تنبع فرادة الكتاب: إنه يتحرك باستمرار بين التأمل الذاتي والاستقصاء المعرفي، ويحوّل الحداد إلى شكل من أشكال المعرفة، من دون أن يفقده صدقه العاطفي أو كثافته الإنسانية.

حبّ

لكن أجمل ما في "قصص أشباح" هو تأمله في طبيعة الحب الطويل. فالعلاقة بين هوستفيدت وأوستر تظهر باعتبارها شراكة معقدة تشكلت عبر الزمن، منذ اللقاء الأول بين الكاتبين في نيويورك مطلع الثمانينات، حين كانت هوستفيدت طالبة دكتوراه شابة، وكان أوستر لا يزال في بدايات مسيرته الأدبية.

في صفحات كثيرة يبدو زواجهما أقرب إلى مشروع فكري مشترك. فالاثنان كانا يقرآن أعمال أحدهما الآخر قبل النشر، ويناقشان التفاصيل الصغيرة، ويتبادلان الملاحظات والاعتراضات. وتصف هوستفيدت هذه العلاقة بأنها "حوار" استمر أكثر من أربعة عقود. لذلك فإن ما تنعاه هو أوستر، وتلك الثنائية التي تشكلت منها هويتها عبر السنين.

غلاف "قصص أشباح"

وهذا ما تقوله في واحدة من أكثر العبارات تأثيرا في الكتاب، حين تؤكد أنها ترثي زوجها، وترثي أيضا "الواو" التي كانت تجمع بين "سيري وبول". هذه الملاحظة البسيطة تكشف عمق المشروع كله. فالفقد هنا يتعلق بخسارة شخص عزيز، وبضياع جزء من الذات تشكل عبر سنوات المشاركة الطويلة.

تزداد أهمية هذا البعد حين نعلم أن السنوات الأخيرة من حياة أوستر كانت مثقلة بالمآسي. فقبل إصابته بسرطان الرئة، شهدت العائلة وفاة حفيدته روبي نتيجة تسمم بالمخدرات، ثم وفاة والدها دانيال، ابن أوستر من زواجه الأول، بعد جرعة زائدة.

تتعامل هوستفيدت مع هذه الوقائع بحذر لافت. فهي تدرك أن تجاهلها سيجعل روايتها ناقصة، لكنها ترفض أيضا أن تتحول إلى محور السرد. لذلك تمنحها الحيز الضروري لفهم السنوات الأخيرة من حياة أوستر، من دون أن تسمح لها بابتلاع الكتاب كله.

وثائق

في قلب هذا المشهد المثقل بالخسارات، تكتسب الوثائق التي تركها أوستر خلفه معنى خاصا، وفي مقدمها الرسائل التي بدأ كتابتها خلال مرضه إلى حفيده مايلز الذي كان لا يزال رضيعا، محاولا أن يترك له شيئا من ذاكرة العائلة وتاريخها.

وقد تبدو بعض هذه الصفحات أقل إثارة من بقية الكتاب، لكنها تكتسب قيمة إنسانية كبيرة لأنها تكشف وجها مختلفا من شخصية أوستر: الأب والجد والرجل المنشغل بما سيبقى بعده.

تلك الأشباح التي تنبع من الذاكرة نفسها، حيث يواصل الحب، حتى بعد الموت، ابتكار أشكال جديدة للحضور

أسلوبيا، يعتمد الكتاب بنية متشظية تتكون من يوميات ورسائل وتأملات ومقاطع قصيرة متفرقة. وهذا التفكك خيار شكلي، وأيضا انعكاس مباشر لحالة الوعي التي تصفها الكاتبة. فالحزن نفسه يظهر هنا بوصفه تجربة غير قابلة للسرد الخطي. وبينما تتدفق الذكريات على شكل ومضات، يتصدع الزمن ويتخذ شكل شظايا متفرقة، ويقفز الوعي باستمرار بين الماضي والحاضر.

ورغم الثقل العاطفي الذي يهيمن على الكتاب، لا تخلو صفحاته من حس فكاهي خافت. فبول أوستر، الذي كان يرغب في الموت وهو يروي نكتة، يظل حاضرا أيضا عبر هذا الجانب من شخصيته. كما أن هوستفيدت تحتفظ بقدرة لافتة على السخرية من نفسها، وهو ما يقي النص من الوقوع في الرثائية المفرطة.

AFP
الكاتبة الأميركية سيري هوستفيدت خلال جلسة تصوير لفيلم "سيري هوستفيدت: الرقص حول الذات" في مهرجان برلين السينمائي، 13 فبراير 2026

مع ذلك، لا يخلو الكتاب من بعض المآخذ. فبعض الرسائل الطويلة التي أدرجتها الكاتبة تفقد شيئا من توتر السرد، خصوصا حين تنزلق إلى تفاصيل عائلية لا تمتلك دائما الجاذبية نفسها بالنسبة إلى القارئ الخارجي. كما أن التأملات الفلسفية تتكاثر أحيانا على حساب الحركة السردية. لكن هذه الملاحظات تبقى محدودة أمام قوة التجربة التي يحملها هذا النص.

تكمن أهمية "قصص أشباح" في أنه يتجاوز حدود المذكرات الشخصية ليطرح أسئلة أوسع تتعلق بالهوية والذاكرة والحب والزمن. إنه كتاب عن فقدان شخص عزيز، لكنه أيضا كتاب عن الكيفية التي تستمر بها العلاقات الإنسانية بعد الموت، وعن الأثر الذي يتركه الآخرون في تكوين ذواتنا.

في النهاية، لا تقدم سيري هوستفيدت عزاء سهلا ولا حكمة جاهزة. إنها تكتب من داخل الجرح، وتتركه مفتوحا أمامنا. ولذلك يخرج القارئ من هذا الكتاب وهو يشعر بأنه قرأ أكثر من قصة حب وأكثر من سيرة حداد.

لقد قرأ تأملا عميقا في معنى البقاء بعد الفقد، وفي تلك الأشباح التي تنبع من الذاكرة نفسها، حيث يواصل الحب، حتى بعد الموت، ابتكار أشكال جديدة للحضور.

font change

مقالات ذات صلة