حول نظريات المؤامرة

حول نظريات المؤامرة

استمع إلى المقال دقيقة

من يؤمن بنظريات المؤامرة ومن يرفضها؟

السؤال غامض وفضفاض، لا يخضع لا لأيديولوجيا، ولا لأفكار. غامض غموض أصحابها، كأنما أحيانا غريزة الفكر التبريري هناك، بلا مصطلح واضح، وأحيانا هو ابن ساعته، وأخرى يلامس الحقيقة. فكل تحديد لها لا يصلح لاحتوائها.

إنما كل الناس أحيانا وفي مناسبات معينة، من طبقات رفيعة وأخرى هزيلة، تمارسها. بل يقال إن هذه النظريات بلا نظرية أصلا، لأن ليس لها معين عقلاني، وأحيانا هي نظرية مكتملة الأوصاف، جاهزة في أبجدية الناس على اختلاف وقائعهم ومشاربهم ومستوياتهم.

فهي موجودة هنا، يدافع عنها من يدافع عنها ويشهرها من يشهرها. وهي غير موجودة هناك، لا في وعي أصحابها ولا في لاوعيهم. بل هي مادة تنسحب على كل المناسبات، ومادة لا تستوي عند مريديها.

على الرغم من ذلك، حاولت بعض الجهات محاصرتها، وتمييزها، فتم إجراء استفتاء في فرنسا، قبل سنوات، أظهر أن شخصا من عشرة يؤمنون بأن هذه النظرية موجودة ومنتشرة. لكن، وكما يقول بعضهم، ماذا لو كان وراء هذه هذه النظرية جمعيات سرية تتلاعب بالحقائق لنشر الفوضى، وإظهار هشاشة العقلانية وحتى الواقع، وكذلك المعطيات المنطقية؟

ويرى كثيرون ويتساءلون: لماذا لا يمكن أن نؤمن أو نقتنع بهذه النظريات؟، لماذا لا نقر بأن بعض هذه المنظمات السرية تحكم العالم من خلالها على مستويات عديدة سياسية واجتماعية وثقافية وعلمية. فهل كنا نصدق آنئذ أن كل مرة تجري فيها أحداث ما مرتبطة بهذه الجمعية، يحدث انقسام.

إذا استمرينا على هذه المواقف، فالإنسان لم يطأ القمر وهذه العملية صورت في استوديوهات هوليوود. ونعرف في هذه الحالة، أن الادعاءات النظرية المؤيدة لنظريات المؤامرة لا تقوم على الأسس المعرفية بل تناقض المعطيات الفلسفية والمنطقية وتذهب إلى تصديق الأعراف والشائعات، متجاوزة اليوتيوبات المفتوحة على هوائها والوقائع المادية.

وعلى الرغم من ذلك، فإذا كان علينا أن نشك (وهذا طبيعي) ببعض الظواهر، أو الأشخاص فمن جهة أخرى نطرح جوانب إيجابية قائمة على الحقائق الدالة. وهذا يمنحنا مصداقية لرأينا، ونمضي إلى ظواهر أخرى في حال تصديقنا النظرية الجاهزة، فإذا قيل إن الدواء مسموم (عرضا) فهل يعني أن كل الأدوية مسمومة؟ وإذا قيل إن الجريدة الفلانية لا تقول الحقائق (عرضا أيضا)، فيعني أن كل الجرائد مجرد حكايات.

 تتناقض الآراء والأحكام وتتوالى وتتصادم، بحيث تضيع الحقائق والبراهين، وهكذا تغدو نظريات المؤامرة جزءا لا يتجزأ من الرأي العام

وضمن هذا الإطار، لا ننسى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عندما فشل في الانتخابات الرئاسية الثانية اتهم خصومه بالتزوير وجمع مناصريه واحتلوا الكابيتول لتغيير النتائج.

وهنا نعود إلى الأزمنة السابقة، عندما اتهم الحكام في اليونان الفيلسوف الكبير سقراط بأنه لم يعترف بآلهة أثينا، فحكم عليه بالإعدام، وزج به في السجن قبل تنفيذ القرار، وعندما حاول بعض أصدقائه إقناعه بالهروب رفض ذلك، واختار أن يقاوم وحده تلك المؤامرة.
 وتتفاقم هذه الظاهرة اليوم حول هذه المسألة، بسيطرة وسائل الإعلام المتعددة والفائضة، والتي يمتلكها كل من اقتنى من أنواعها وقياساتها من كل الأعمار والفئات، وهنا تتناقض الآراء والأحكام وتتوالى وتتصادم، بحيث تضيع الحقائق والبراهين، وهكذا تغدو نظريات المؤامرة جزءا لا يتجزأ من الرأي العام.

السؤال: كيف يمكن في هذه الفوضى التمييز بين الوقائع والأفكار؟

يقول الرئيس الأميركي ترمب في هذا المجال إنه ليس المهم معرفة إذا كان ما يقوله صحيحا عندما يعبر عما يحسه الشعب. لكن بالرغم من كل ذلك يمكننا اعتماد طرق عدة للتخلص من "فلسفة التبرير" التي يعتمدها كثيرون وعلى مختلف وجوهها الأيديولوجية، والحزبية والسياسية، كمحاولة تفكيك الوقائع وما إليها تفكيكا عقلانيا ومتماسكا ومقنعا. كل هذا مطلوب، لكن كما سبق وأشرنا، بالرغم من هذه الوسائل، تبقى نظريات المؤامرة مسألة غير محددة تختلط فيها الأقاويل والحكايات.

لذا من الصعب أن يعترف كثيرهم بمسؤوليتهم عن كارثة أو عن أخطاء، أو فساد، باعتبار أن قناعاتهم مكتملة النص دائما، ولا تفتح الباب على كل ما يناقضها ولو كان حقيقيا، أو مدبرا أو مزيفا. فالانتماءات اللاعقلانية الشعبية، لا تقنعها لا براهين ولا وقائع، خصوصا إذا كانت تمس الانتماءات الدينية أو الفكرية. فهي صامدة في قناعاتها. وقد تشمل هذه الحالات مجتمعات أخرى سواء انتمت إلى أنظمة ديمقراطية أو سواها. فاستخدام المنطق يحتاج إلى تفكير ووعي، وجزء من المعرفة، والتوازن وشيء من الحياد، وكثير من الشجاعة.

font change