الخليج بين نار المتشددين

الخليج بين نار المتشددين

استمع إلى المقال دقيقة

حدثان بارزان لا يمكن القفز عنهما حين الكتابة عن تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، يتمثل أولهما في الوفاة المفاجئة للسيناتور الأميركي ليندسي غراهام مساء السبت الماضي، حيث بموته يُسدل الستار على واحد من أبرز الصقور الجمهوريين في الولايات المتحدة المؤيدين لإسرائيل، والساعين بجد وإصرار إلى تعميم "الاتفاقات الإبراهيمية" في المنطقة، بل وكان من أبرز الداعمين الأميركيين لإسرائيل في حربها ضد غزة، وخاض معركة كبيرة ضد قرار المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بخصوص إصدار مذكرات توقيف بحق القيادة الإسرائيلية، فكان أن جاء موته بمثابة الصدمة لكثير من السياسيين ووزراء الحكومة الإسرائيلية.

في المقابل، يأتي استدعاء وزارة الخارجية بسلطنة عُمان للسفير الإيراني لديها بهدف تسليمه مذكرة احتجاج رسمية على خلفية تعرُّض مواقع في محافظتي مسندم والوسطى لهجمات بواسطة طائرات مُسيَّرة، حدثا بارزا في المشهد السياسي بالمنطقة. إذ تُعرف مسقط بعلاقتها الوثيقة بإيران، وتجنبها لأي نقد يُفضي إلى أي سوء فهم أو توتر مع "الجمهورية الإسلامية"، لكن يظهر أن الصبر العُماني قد بلغ حدَّه، ولم تستطع معه كَظْم غيظها وحنقها من التجاوزات الحربية الإيرانية، فكان أن استدعت السفير لإبداء احتجاجها واستياء السلطنة من هذه الأعمال غير المسؤولة.

على أن بيانات الاحتجاج لم تتوقف عند مسقط، وإنما امتدت إلى جميع الدول التي استُهدفت في الخليج، بالإضافة إلى الأردن. وواقع الحال، أنني لا أجد، ككاتب يُراقب تطورات الوضع في ثنايا الحرب الدائرة في الخليج، أي مبرر يدعو الإيرانيين إلى الإمعان في استهداف جيرانهم العرب في دول مجلس التعاون الخليجي، لاسيما وأن عددا من هذه الدول قد أعلن استهجانه ورفضه للاعتداء الأميركي-الإسرائيلي، وسعى بجهده الدبلوماسي إلى وقف إطلاق النار، وساهم في دعم مسار التفاوض غير المباشر، بوساطة باكستانية، بين الوفد الأميركي بقيادة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، والوفد الإيراني بقيادة رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، بهدف الوصول إلى حل سياسي مُرضٍ لجميع الأطراف، ينزع فتيل الأزمة بشكل أو بآخر.

كان ذلك، ولا يزال، هدف المملكة العربية السعودية، وقطر، بالإضافة إلى سلطنة عُمان، وحتما هو هدف باقي الدول العربية المستهدفة، وهو ما جعل الباب مفتوحا بين هذه الدول وإيران، ودفع بها إلى المشاركة رسميا في تشييع "المرشد الأعلى" علي خامنئي، إيمانا منها بالسلام وحق الجوار، وإصرارا منها على نزع فتيل أي شرارة يستهدف إشعالها المتشددون في إيران دون أن يدركوا أنهم يخدمون، بجهلهم إسرائيل التي تستهدف الجميع.

هذا السياق هو ما يجعل قادة دول الخليج العربي بين نارين: نار الجهل والتشدد في "الحرس الثوري" في إيران ومن يُواليهم من السياسيين، فحجبتهم عن النظر ببصيرة وإمعان، فباتوا يطلقون النار على محيطهم وجارهم العربي المسلم، غافلين عن أن من يجب أن يتوجهوا إليه بالحرب هي إسرائيل، التي استهدفتهم، فقتلت "مرشدهم الأعلى"، وكبار قادتهم السياسيين والعسكريين، وأعملت فيهم الهجمات.

وفي مقابل ذلك، تقف دول الخليج أمام نار العداء المستحكم للعرب والمسلمين في ذهن الإسرائيليين المتشددين، الذين ينطلقون في توجهاتهم من بُعد ديني توراتي، ينص على أن العرب والمسلمين أعداء لهم.

تبرز الحاجة اليوم إلى بدء حوار خليجي دولي جاد تشارك فيه تركيا وباكستان ومصر، علاوة على عدد من الدول الأوروبية غربا، والصين وروسيا والهند شرقا، بهدف الوصول إلى تهدئة حقيقية تُنهي فتيل الأزمة

هكذا نكون، في دول مجلس التعاون الخليجي، بين نارين تلفحان بلهيبهما كياننا العربي، الذي يأبى الضيم والتعرض لأي اعتداء، وفي الوقت ذاته يتوقف عن الرد حتى لا يُحسَب في خانة إسرائيل حال حربها مع دولة إسلامية، وهو ما لا يُدركه المتشددون في إيران، الذين أعماهم جهلهم عن إدراك واقع الحال السياسي.

فهل يقف المعتدلون في إيران عاجزين عن التحرك لاستعادة زمام القرار سياسيا وعسكريا، حماية لأنفسهم ووطنهم، ونأيا بالمنطقة عن الدخول في حرب لا تُبقي ولا تذر؟ مع الإشارة إلى أن الموقف الإقليمي والدولي آخذ في التحول إزاء إيران التي استمرأت التعنت في بسط قوتها غير القانونية على مضيق هرمز وقطع سلاسل الإمداد العالمية دون وجه حق، وهو ما يُحيل موقفها مع الوقت من حالة المُعتدَى عليه إلى حالة المُعتدِي على أمن واستقرار العالم.

في ضوء هذا المشهد، تبرز الحاجة اليوم إلى بدء حوار خليجي دولي جاد تشارك فيه تركيا وباكستان ومصر، علاوة على عدد من الدول الأوروبية غربا، والصين وروسيا والهند شرقا، بهدف الوصول إلى تهدئة حقيقية تُنهي فتيل الأزمة، وتُعيد حالة الاستقرار والهدوء إلى ثنايا الإقليم، وهو ما يكبح جماح المتشددين في إيران وإسرائيل على السواء، ويسمح بعدئذ بحلحلة مختلف الأزمات القائمة سواء في اليمن، أو السودان، علاوة على "أرض الصومال".

font change