زورباران رسام الأشياء وهي تستعيد حياتها الروحية

أحد أبرز معالم برشلونة

The National Gallery, London
The National Gallery, London
فرانسيسكو دي ذورباران، "طبيعة صامتة مع ليمون في سلة من الخوص"، نحو 1643–1649

زورباران رسام الأشياء وهي تستعيد حياتها الروحية

كلما وقفت أمام لوحة تعود إلى عصر الباروك (القرن السابع عشر) أجد صعوبة في أن أمنع يدي من لمس عنقود عنب يتدلى عدد من حباته من صحن خزفي لأتأكد من أنه حقيقي وليس مرسوما. كان رسامو ذلك العصر، الهولنديون منهم والإسبان على وجه الخصوص، يتسابقون في المهارة لا من أجل إظهار الشبه، شبه الشيء المرسوم بأصله الواقعي فحسب، بل في الإخلاص لروح الشيء، بمعنى حياته الداخلية. وعلى الرغم من أن تلك الظاهرة الإعجازية كانت عامة، غير أن هناك استثناءات تمثلت في ظهور رسامين وصلت العبقرية بهم إلى مرحلة القبض على ملمس الأشياء ووزنها، بحيث قدر لهم أن يصلوا بالأشكال إلى مرحلة شفافيتها المثالية، كأنها تعرضت لعملية إعادة خلق. وإذا كان الهولندي رامبرنت والإسباني فيلاسيكز قد وقفا في مقدمة تلك الأقلية من الرسامين، فإن رسام أشبيلية بالأندلس فرانسيسكو دي زورباران لا يقل أهمية عنهما.

غير أن زورباران أضاف إلى تلك الظاهرة الإستثنائية ملمحا استمده من فكره الماورائي. فهو فنان ذو رؤية داخلية، فنان تأمل وتفكر. لا يمر الزمن عنده بل يتوقف. يتميز عمله بصفة متناقضة تجعلك تتساءل عما تنظر إليه، ويعود ذلك جزئيا إلى قدرته على جعل ما هو غير مادي يبدو ملموسا وقابلا للمس. كما أن أعماله تصور أحيانا مستويين من الواقع في آن واحد. قدرة الأشياء على أن تكون موجودة بقوة إخلاصها إلى تفاصيلها الدقيقة وتماهي تلك الأشياء مع أبعادها التأملية، ما لا يرى منها كأنها نسخة لأصل يقيم في عالم الغيب.

بين انتقال فيلاسكيز إلى مدريد عام 1623 وبروز موريلو في خمسينات القرن السابع عشر، كان زورباران الرسام الأبرز في إشبيلية. رسمت معظم لوحاته لصالح الأديرة الإسبانية. تأثر أسلوبه المميز بواقعية الإيطالي كارافاجيو وأتباعه المتمردة، ولذلك تجمع أعماله بين الوضوح الشديد والروحانية العميقة.

الرسم الذي يخترق المسافات

يوصف زورباران الذي يقيم له حاليا متحف "ناشيونال غاليري" بلندن معرضا استعاديا، بأنه أكثر رسامي عصر الباروك غموضا. وهو وصف دقيق. ذلك لأن الحكاية الدينية تبدو في لوحاته مقتضبة، بالمقارنة مع ما رافقها من ألغاز بالنسبة لعصره. يبلغ الغموض ذروته في العمل الفني الذي أراد المنسقون أن يختموا به المعرض. عمل صغير الحجم يمر به المرء سريعا وهو بتجه نحو المخرج، ظانا أنه مجرد لوحة أخرى لصلب المسيح مع شخصية تصلي في المقدمة. لكن من خلال إمعان النظر، يتضح أن الشخصية الواقفة أمام المسيح المرسوم على خلفية قاتمة كما اعتاد زورباران، هي رسام. في يده اليسرى فرش ولوح مليء بأصباغ مناسبة تماما لرسم لون بشرة الشخصية وردائها. أما يده اليمنى فمضمومة إلى قلبه ووجهه المحمر ينظر إلى الأعلى في رهبة إلى مخلصه، الذي هو على النقيض رمادي البشرة وميت تماما.

يمثل زورباران قدرة الرسم على نقل رؤى تتأرجح بين الواقع والخيال، بين الوهم والملموس، بين الاستسلام للحكاية والانضمام إليها

من يكون هذا الشخص الذي يقف عند سفح الصليب ممسكا بباليت ألوانه؟ اعتقد البعض أنه القديس لوقا شفيع الفنانين. لكنه قد يكون بطريقة أو بأخرى زورباران نفسه. وهنا بالضبط تقع واحدة من أهم الأفكار التي سعى زورباران إلى تكريسها. الرسم باعتباره فعل تعبد ودهشة ودعاء. وفي ذلك ما يوحي بمكانة الرسم باعتباره وسيلة لاختراق الحجب التي تخفي المضمون الإلهي. وهو ما يشير إلى قدرة الرسم على نقل رؤى تتأرجح بين الواقع والخيال، بين الوهم والملموس، بين الاستسلام للحكاية والانضمام إليها من خلال المساهمة في صناعتها.

Photographic Archive Museo Nacional del Prado
فرانسيسكو دي ذورباران، "المسيح المصلوب مع رسام"، نحو 1650

يبرهن زورباران على أن الفن يجسد صورا لا تحاكي الواقع فحسب بل تتجاوزه إلى ما يقربنا من سر الحياة. فيه، تصبح الطبيعة كشفا عن عالم ما وراء الطبيعة. تعد أعماله أدوات للتأمل العميق وللتفكر الذي يفتح لنا آفاقا لتجربة روحية. تبهرنا بساطة أشكاله ونقاؤها وتلامس حساسية معاصرة. إن طريقة معالجته للموضوعات تشكل استعارة للفن ولقوة الصور أيضا ولقدرتها على توليد وهم الواقع.

هدوء يتشبه براحة الأبدي.

ولد فرانسيسكو دو زورباران في فوينتي دي كانتوس عام 1598. في عام 1629 أصبح الرسام الرسمي لمدينة أشبيلية. في عام 1634 كان في مدريد يرسم لوحات أسطورية لقصر بوين ريتيرو، القصر الجديد لفيليب الرابع، ربما وقف صديقه فيلاسكيز وراء ذلك التكليف. وعلى الرغم من أنه كان غزير الانتاج، فإضافة إلى عشرات اللوحات التي رسمها في مدريد وقبلها وبعدها في إشبيلية وكانت أعماله مطلوبة في الأميركيتين حيث أرسل أكثر من مئة لوحة إلى ليما وبوينس آيريس وغيرها، فإن سنواته الأخيرة لم تكن موفقة، إذ توفى في مدريد فقيرا عام 1664.

Photographic Archive Museo Nacional del Prado
فرانسيسكو دي ذورباران، "هرقل والثور الكريتي"، 1634

يميل نقاد الفن ومؤرخوه إلى التقاط عناصر فنه من خلال المقارنة مع معاصره وصديقه فيلاسكيز المولود عام 1599، لكي يضعوه في مكانه الصحيح من عصر الباروك. تبدو أعماله هادئة ساكنة. يمكن ملاحظة التباين بين الفنانين بوضوح في الأعمال التي تخلد انتصارات الجيش الإسباني والتي كلف كل منهما برسمها لقصر فيليب الرابع، ملك إسبانيا الجديد. كلا العملين معروض الآن في متحف برادو. تتميز لوحة زورباران، "الدفاع عن قادس ضد الإنكليز"، بطابع النقوش البارزة، حيث ينظر الجنرالات الإسبان بهدوء إلى المعركة البحرية في الأسفل. أما لوحة فيلاسكيز، "استسلام بريدا"، فهي دراما خالصة، تجسد لحظة عابرة. لوحة نابضة بالحياة تخلد مرور الزمن.

كان زورباران أكثر من صديقه ميلا إلى اعتبار الفن الديني هدفا واضحا ومباشرا سعى من خلاله إلى دفع المشاهد إلى التعبد. وباستثناء العام الذي أمضاه في مدريد يرسم للبلاط الملكي في منتصف ثلاثينات القرن السابع عشر، فإنه ركز عبر سنوات مسيرته الفنية التي عاشها في إشبيلية على الفن الديني وكان معظم عملائه من المؤسسات الدينية ذات النفوذ الهائل في المدينة والمنطقة المحيطة بها.

  Photographic Archive Museo Nacional del Prado
فرانسيسكو دي ذورباران، "ظهور القديس بطرس للقديس بطرس نولاسكو"، 1629

للأشياء حياة داخلية

لم يكن زورباران مخيرا في رسم لوحات ضخمة بسبب المساحات الكبيرة التي كانت المؤسسات الدينية قد كلفته بتغطيتها برسومه. من الطبيعي والحالة هذه أن يقيم الرسام ورشة رسم كبيرة يستعين من خلالها بمساعديه الذين هم طلابه. يبدو ذلك واضحا في حالة اللوحات الأربع والعشرين لكنيسة ميرسيد كالزادا في إشبيلية، أو لوحة المذبح التي يبلغ طولها 15 مترا وعرضها 10 أمتار لدير نوسترا سينيورا دي لا ديفينسيون. تلك الأعمال التي ترى في مكانها ولا يمكن نقلها إلى صالات المتاحف، صارت بعدما تبددت سيطرة الكنيسة عليها، مصدر جذب سياحي لأشبيلية، فإذا أردت أن ترى اهم أعمال زورباران، فاذهب إلى المدينة الأندلسية. فزورباران الذي وجد في الروحانيات إلهاما يعمق صلته بالرسم، ما كان له أن ينفذ أعماله العملاقة لولا أن أشبيلية كانت في أوج ازدهارها الاقتصادي. زورباران هو ابن تلك اللحظة المادية. ذلك تناقض عاشه معظم الفنانين الكبار، بدءا من عصر النهضة حين مولت عائلة ميدتشي في فلورنسا الفنانين الكبار بوتشيلي ودافنشي ومايكل أنجلو من أجل تنفيذ أعمالهم العظيمة.

 كان معظم عملائه من المؤسسات الدينية ذات النفوذ الهائل في المدينة والمنطقة المحيطة بها

ذلك ليس التناقض الوحيد. ما هو مثير ومدهش في أعمال زورباران وما يكسبها أهمية وما يجذب المتلقين إليها، لا يمت بصلة إلى الجانب الروحاني الذي انغمس فيه الفنان وجعل منه هدفا لفنه. لا المسيح ولا الرهبان ولا حكايات العهد القديم الكئيبة تثير اهتمام عشاق فن زورباران، على الرغم من أنها تحضر بطريقة تذكر برسامها. ما يثير حقا، إنما يكمن في  نعومة لفائف الخبز الرائعة وملمس القوارير الخزفية الزرقاء والبيضاء التي تصبح قاعدتها خشنة وغير مزججة. ذلك ما رسمه زوربارن مسحورا بالحياة الداخلية للأشياء التي يرسمها كأنها تعيش حياتها الأبدية على سطوح لوحاته.

font change

مقالات ذات صلة