كلما وقفت أمام لوحة تعود إلى عصر الباروك (القرن السابع عشر) أجد صعوبة في أن أمنع يدي من لمس عنقود عنب يتدلى عدد من حباته من صحن خزفي لأتأكد من أنه حقيقي وليس مرسوما. كان رسامو ذلك العصر، الهولنديون منهم والإسبان على وجه الخصوص، يتسابقون في المهارة لا من أجل إظهار الشبه، شبه الشيء المرسوم بأصله الواقعي فحسب، بل في الإخلاص لروح الشيء، بمعنى حياته الداخلية. وعلى الرغم من أن تلك الظاهرة الإعجازية كانت عامة، غير أن هناك استثناءات تمثلت في ظهور رسامين وصلت العبقرية بهم إلى مرحلة القبض على ملمس الأشياء ووزنها، بحيث قدر لهم أن يصلوا بالأشكال إلى مرحلة شفافيتها المثالية، كأنها تعرضت لعملية إعادة خلق. وإذا كان الهولندي رامبرنت والإسباني فيلاسيكز قد وقفا في مقدمة تلك الأقلية من الرسامين، فإن رسام أشبيلية بالأندلس فرانسيسكو دي زورباران لا يقل أهمية عنهما.
غير أن زورباران أضاف إلى تلك الظاهرة الإستثنائية ملمحا استمده من فكره الماورائي. فهو فنان ذو رؤية داخلية، فنان تأمل وتفكر. لا يمر الزمن عنده بل يتوقف. يتميز عمله بصفة متناقضة تجعلك تتساءل عما تنظر إليه، ويعود ذلك جزئيا إلى قدرته على جعل ما هو غير مادي يبدو ملموسا وقابلا للمس. كما أن أعماله تصور أحيانا مستويين من الواقع في آن واحد. قدرة الأشياء على أن تكون موجودة بقوة إخلاصها إلى تفاصيلها الدقيقة وتماهي تلك الأشياء مع أبعادها التأملية، ما لا يرى منها كأنها نسخة لأصل يقيم في عالم الغيب.
بين انتقال فيلاسكيز إلى مدريد عام 1623 وبروز موريلو في خمسينات القرن السابع عشر، كان زورباران الرسام الأبرز في إشبيلية. رسمت معظم لوحاته لصالح الأديرة الإسبانية. تأثر أسلوبه المميز بواقعية الإيطالي كارافاجيو وأتباعه المتمردة، ولذلك تجمع أعماله بين الوضوح الشديد والروحانية العميقة.
الرسم الذي يخترق المسافات
يوصف زورباران الذي يقيم له حاليا متحف "ناشيونال غاليري" بلندن معرضا استعاديا، بأنه أكثر رسامي عصر الباروك غموضا. وهو وصف دقيق. ذلك لأن الحكاية الدينية تبدو في لوحاته مقتضبة، بالمقارنة مع ما رافقها من ألغاز بالنسبة لعصره. يبلغ الغموض ذروته في العمل الفني الذي أراد المنسقون أن يختموا به المعرض. عمل صغير الحجم يمر به المرء سريعا وهو بتجه نحو المخرج، ظانا أنه مجرد لوحة أخرى لصلب المسيح مع شخصية تصلي في المقدمة. لكن من خلال إمعان النظر، يتضح أن الشخصية الواقفة أمام المسيح المرسوم على خلفية قاتمة كما اعتاد زورباران، هي رسام. في يده اليسرى فرش ولوح مليء بأصباغ مناسبة تماما لرسم لون بشرة الشخصية وردائها. أما يده اليمنى فمضمومة إلى قلبه ووجهه المحمر ينظر إلى الأعلى في رهبة إلى مخلصه، الذي هو على النقيض رمادي البشرة وميت تماما.


