فريدا كالو التي صنعت أيقونتها بنفسها

يحتفى بها بعد موتها كما أرادت في حياتها

CLAUDIO CRUZ / AFP
CLAUDIO CRUZ / AFP
افتتاح معرض "ف.ريدا.. التجربة الغامرة" في مكسيكو

فريدا كالو التي صنعت أيقونتها بنفسها

لم تخفت جاذبية الفنانة المكسيكية فريد كالو على الرغم من مضي أكثر من سبعين سنة على وفاتها عام 1954. في كل مرة يبتكر فيها منسقو المعارض مناسبة لاستعادتها، يقف الجمهور مبهورا بلغز الفنانة التي أضفت على حياتها القصيرة (47 سنة) الكثير من عناصر الإثارة، وهو ما برعت فيه حين حولت هشاشتها الجسدية وحادث السير الذي تسبب لها بإعاقة دائمة عامل جذب في علاقتها مع الآخرين، نساء ورجالا، وفي مقدمتهم ليون تروتسكي، الزعيم الروسي ورفيق لينين في الثورة البلشفية بروسيا عام 1917، الذي اختار أن يكون في ما بعد معارضا، وهو ما أدى إلى اغتياله في المكسيك عام 1940 بعدما أمر ستالين بتصفيته.

لقد وهبها موت تروتسكي هالة مضافة. ما أن يذكر مقتل الزعيم الروسي حتى تتخذ ذكرى فريدا مساحة عريضة في المشهد. فاليهودي الأوكراني الذي أسس الجيش الأحمر في روسيا، كان شغف حبا بالفنانة التي تمكنت من قلب أكبر رسامي المكسيك دييغو ريفيرا وتزوجها. ذلك ما وثقته السينما حين تتبعت حياة أبي الأممية الرابعة في منفاه.

قبل سنوات أقام متحف "فكتوريا وألبرت" بلندن معرضا كان مخصصا للفساتين التي ارتدتها فريدا كالو، كأنها كانت عارضة أزياء. وهو ما ينسجم مع كونها امرأة استعراضية. لم يكن مهما بالنسبة لمنسقي المعرض أن يقولوا شيئا عن فن فريدا. لقد تحولت إلى ظاهرة، الأيقونة التي تشد الجمهور إليها وتكون مصدرا لجلب المال. ما فعلته المتاحف، كانت فريدا قد تمنته وخططت له في حياتها. أن تكون حاضرة في الحياة اليومية، حياة الناس العاديين باعتبارها امرأة استثنائية.

المرأة التي تحولت إلى أيقونة، ما كان لها أن تستمر في جاذبيتها لولا الحكايات الشعبية الحقيقية والملفقة التي رافقتها وأحاطت بها

ذلك ما يؤكده معرض يقام حاليا في "تيت مودرن" بلندن تحت عنوان "فريدا: صناعة الأيقونة". عنوان صريح بمعناه المزدوج. فهو من جهة يكرس قوة الظاهرة دعائيا، وينطوي من جهة أخرى على اعتراف بأن تلك الظاهرة هي مجرد صناعة، وبأن المرأة التي تحولت إلى أيقونة، ما كان لها أن تستمر في جاذبيتها لولا الحكايات الشعبية الحقيقية والملفقة التي رافقتها وأحاطت بها وأعادت إنتاج صورتها بعد موتها.

من المرأة الفاتنة إلى هوس جماهيري

حين رأيت صورة تريسي أمين وهي نائمة على سرير، في محاولة منها للقيام بدور فريدا في مرضها، شعرت أن هناك خطأ ما. خطأ لم تخلقه أمين حين استثمرت فيه. النافذة التي أطلت منها الفنانة البريطانية على ظاهرة كالو، كانت مفتوحة أصلا. لقد استعمل مرض الفنانة المكسيكية في مجال التسويق لظاهرتها الاستثنائية، كأن فنها لا يكفي لشد الجمهور إليها. كثرت الحكايات الشعبية المتداولة التي تقدم حياتها على فنها. وهو ما يذكر بما حدث ويحدث لفنسنت فان غوغ حين صارت حكاية أذنه المقطوعة هي السر في إقبال الكثيرين على رؤية معارضه وزيارة متحفه بأمستردام.

صحيح أن كالو عاشت الجزء الأكبر من حياتها على السرير بحكم مرضها، غير أن الصحيح أيضا أنها صنعت أسلوبها الفني المتميز الذي نجحت من خلاله في الانضام إلى السوريالية من جهة بعيدة. هنا تكمن القيمة الحقيقية لفنها، وهي قيمة صارت المتاحف لا توليها كثير اهتمام بعدما حولت حياة كالو بكل ما حفلت به من تناقضات وفضائح وصراعات وانتكاسات وخسائر، إلى مصدر إلهام وجودي تنوعت درجات تأثيره في الطريق إلى صناعة الأيقونة التي كانت ثمرة لأسطرة الفنانة. 

   

CHARLY TRIBALLEAU / AFP
لوحة "شجرة الأمل، كوني صامدة" للفنانة المكسيكية فريدا كالو في متحف الفن الحديث بنيويورك

 يرى المشاهد في معرض "فريدا: صناعة أيقونة" أكثر من 30 عملا من أشهر أعمال كالو، التي تعرفنا الى جوانب شخصيتها المتعددة. الزوجة المخلصة والمثقفة والفنانة المعاصرة والناشطة السياسية. ذلك أمر حسن، غير أن الأمر السيء يكمن في عرض قطع الملابس والمجوهرات والصور التذكارية القيمة الخاصة بها. وهو ما لم يكن ضروريا. في المقابل فإن المعرض ضم أكثر من 200 عمل فني لفنانين معاصرين لها ولفنانين ألهمتهم من الأجيال اللاحقة، احتفاء بتأثيرها الدائم على أولئك الذين يعيدون تخيل قصتها الرائعة واستعادتها. المفاجئ أن يختتم المعرض باستكشاف "هوس فريدا"، إذ يسلط المعرض الضوء على تحول كالو إلى علامة تجارية عالمية من خلال عرض أكثر من 200 قطعة تجارية تجسد فنها وصورتها وأسلوبها وشخصيتها.

Photo by YURI CORTEZ / AFP
مقتنيات فريدا كالو في متحف "كازا كالو" بمدينة مكسيكو

الأسطورة المريضة التي قاومت قدرها

"صناعة الأيقونة" عنوان لم يخطئ هدفه. ذلك جانب إيجابي في عنوان المعرض. الجزء الأكبر من أسباب شهرة كالو، إنما ينتمي إلى الدعاية وهي صناعة، وإلى الترويج وهو صناعة. شيء يقع خارج الانجاز الفني. وفي حالة شهرة كالو، فإن الجزء الذي ينتمي إلى الصناعة والتجارة هو أكبر من الجزء الذي يتصل بالفن والألم الشخصي.

يسلط المعرض الضوء على تحول كالو إلى علامة تجارية عالمية من خلال عرض أكثر من 200 قطعة تجارية تجسد فنها وصورتها وأسلوبها وشخصيتها

عام 2002 مثلت سلمى حايك دور كالو في فيلم "فريدا". وإذا  كانت سلمى قد أجادت في أدائها فلأنها أصلا اعتمدت على أداء كالو في حياتها التي اعتبرتها استعراضا. حتى مرضها كان لها مناسبة للاستعراض الفضائحي. وهو ما يمكن أن يكون دافعا لتريسي أمين للسخرية منها. ذلك تأويل جانبي قد لا يكون حقيقيا. ما يهم هنا أن فريدا كالو هي التي أحاطت نفسها بهالات المرأة المختلفة بتحررها، المناهضة لزمنها، والراغبة في أن ترغم العالم على الاعتراف بها، كونها ابنة حياة قاومت القدر. 

يمكن القول والحالة هذه إن فريدا هي التي بدأت بحياكة صورتها الأيقونية بنفسها. فإذا ما سعينا إلى نسف الأيقونة باعتبارها مصطنعة، فإن ذلك ينسف حياة عاشتها كالو بقوة المرأة التي تصنع مصيرها. لذلك صار من الصعب النظر إلى رسوم المرأة التي صنعت من تروتسكي عاشقا، بمعزل عن حياتها التي كانت أشبه بالأزقة التي تضيق وتتسع حسب مزاج أنثوي متمرد، لم يتمكن ريفيرا ولا تروتسكي من ترويضه. ففي واحدة من أهم مراحل حياتها أفصحت فريدا عن ميولها المثلية. كان ذلك جزءا من أيقوتها.

نصف المعرض لها والنصف الآخر عنها

لم تخف فريد كالو شغفها المبالغ فيه بنفسها. المرأة النرجسية رسمت صورا كثيرة تظهر من خلالها كما لو أنها واحدة من آلهات الأزتيك والمايا. انحرفت بقواعد الجمال المتداولة لتخضعها لشروط ملامحها. وقبلت صورها لا لأنها تعبر عن الحالة الشعورية والنفسية التي تعيشها، كما هي الحال مع صور فنسنت الشخصية، بل لأنها تثبت قواعد جديدة لجمال المرأة، لا تتماشى مع النظرية الجمالية التقليدية.  

 

Photo by ANGELA WEISS / AFP
لوحة "دييغو وأنا" لفريدا كالو في دار "سوذبيز" للمزادات

من بين كل الفنانين الذين ألهمتهم فريدا أو تأثروا بها أو بحكايتها، يبقى دييغو ريفيرا (1886 ـ 1957) هو الأهم. الرسام الذي اعتبر واحدا من أهم رموز الواقعية الاشتراكية في العالم، رسم زوجته عارية، مستلهما واقعية الرسام الفرنسي غوستاف كوربيه المتحررة في القرن التاسع عشر. خان ريفيرا الواقعية الإشتراكية من أجل عيني فريدا.

قبلت صورها لأنها تثبت قواعد جديدة لجمال المرأة لا تتماشى مع النظرية الجمالية التقليدية

ولأن صورة فريدا اكتسبت نفوذا شعبيا، فإن منسقي المعرض وجدوا حلا ينقذهم من مسألة قلة أعمال الفنانة في معرض استعادي (37 عملا) من خلال تسليط الضوء بشكل مبالغ فيه على شهرتها باعتبارها ظاهرة لم تتكرر. نصف المعرض لها والنصف الآخر عنها. باستثناء رسوم ريفيرا، فإن أعمال الآخرين التي تشيد بها أو تعيد تقديمها وتفكيكها ليست ذات أهمية.  أما السلع التجارية التي استفاد مصمموها ومروجوها من رسوم كاهلو، فإنها أقحمت في المعرض بطريقة تجارية فجة.

font change

مقالات ذات صلة