في العلاقات الدولية، يعد ضبط النفس فضيلة سياسية تعكس حكمة الدول الكبرى وحرصها على استقرار محيطها، ولكن هذه الفضيلة تتحول إلى خطيئة إذا فهمت على أنها ضعف أو تردد، وهذا تحديدا ما أدركته السعودية في تعاملها مع التهديدات المتكررة التي تطال أراضيها من قبل الميليشيات الموالية لإيران، حيث أثبتت الأيام الماضية أن الصبر له حدود، وأن السعودية التي تمنح فرصة واثنتين وثلاثا تقديرا للروابط الأخوية مع دول الجوار، لا يمكن أن تتوانى لحظة واحدة في حماية أمنها وردع كل من يحاول المساس باستقرارها أو التطاول على مقدراتها.
الضربات الجوية التي نفذتها القوات المسلحة السعودية بالتنسيق مع القيادة الوسطى الأميركية ضد مقار ميليشيا "الحشد الشعبي" في العراق، لا يمكن اعتبارها مجرد رد فعل انفعالي على محاولة استهداف المنشآت البترولية في الشرقية والرياض، وإنما جاءت كعمل عسكري منسق يضع النقاط على الحروف، والمتابع لمسار الأحداث يدرك أن الرياض سعت مرارا وتكرارا لحث الحكومات العراقية المتعاقبة على معالجة التحديات الأمنية والمخاطر المتزايدة التي تشكلها هذه الميليشيات تجاه أمن المملكة وأمن الدول المجاورة للعراق، وتمت مواجهة بغداد بالأدلة القاطعة والبراهين التي تثبت تورط هذه الجماعات، وتم التحذير أكثر من مرة من مغبة ترك الساحة لمجموعات مسلحة تتصرف كدولة داخل الدولة وتأتمر بأوامر خارجية، وفي ضوء عدم اتخاذ الحكومة العراقية أي إجراءات حقيقية واضطلاعها بمسؤولياتها السيادية لمنع هذه الاعتداءات، كان لا بد من تأديب المتجاوزين ووضع حد لهذا العبث.
هذا التحرك العسكري السعودي يوجه رسالة واضحة مفادها أن السعودية ليست في حالة عداء مع العراق، ولا تسعى إلى حرب مفتوحة أو تصعيد إقليمي يعقد المشهد المعقد أصلا، والعمل الذي تم تنفيذه يستهدف حصرا مخازن الأسلحة التابعة لميليشيات إرهابية اختارت النهج التصعيدي وتجاهلت ما تقتضيه مبادئ حسن الجوار، وانطلاقا من حق الدفاع عن النفس الذي يكفله القانون الدولي وفق المادة 51من ميثاق الأمم المتحدة، مارست الرياض حقها الأصيل في حماية سيادتها ومواطنيها ومقدراتها الاقتصادية، بما ينسجم تماما مع قواعد القانون الدولي التي تتيح للدول درء الأخطار المحيطة بها والرد على مصادر التهديد بحزم وقوة.
العمل الذي تم تنفيذه يستهدف حصرا مخازن الأسلحة التابعة لميليشيات إرهابية اختارت النهج التصعيدي وتجاهلت ما تقتضيه مبادئ حسن الجوار
هذه الضربات تؤسس لمرحلة جديدة ومختلفة في التعاطي مع وكلاء طهران في المنطقة، حيث سقطت ورقة التخفي خلف الحدود السيادية للدول، ولم يعد مقبولا بأي حال من الأحوال أن تستخدم الأراضي العربية كمنصات لإطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية دون أن يتحمل الفاعلون ثمن مغامراتهم، والرسالة اليوم تتجاوز حدود المواقع المستهدفة في العراق لتصل إلى كل من يعتقد أن بإمكانه العبث بأمن السعودية والاختباء خلف شعارات المقاومة أو مظلات سياسية عاجزة عن ضبط أراضيها، والسعودية التي مدت يدها دائما للسلام والبناء ودعمت استقرار المنطقة، تمتلك في الوقت ذاته إرادة الحسم وقوة الردع متى ما تطلب الأمر ذلك، ولن تتردد في استخدام كل الخيارات المتاحة لحماية أمنها القومي.
أخيرا، من يقرأ المشهد بعمق يدرك أن الاستقرار الإقليمي لا يبنى بالنوايا الحسنة وحدها، والمنطقة التي تعج بالميليشيات المنفلتة تحتاج إلى قوة تضع حدا لهذه الفوضى، والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس عن حجم الرد السعودي أو توقيته، وإنما عن قدرة دول الجوار على استعادة سيادتها، إما أن تكون الدولة هي صاحبة القرار الوحيد على أراضيها، وإما أن تتحمل الميليشيات ومن يقف خلفها عواقب أفعالهما، لأن الأجواء السعودية ليست ساحة لاختبار الطائرات المسيرة، والأمن الوطني خط أحمر لا يقبل أنصاف الحلول.