خليفة الشيمي لـ"المجلة": الحرف العربي إرث بصري لا أداة قراءة فحسبhttps://www.majalla.com/node/332319/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D9%85%D9%8A-%D9%84%D9%80%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D8%A5%D8%B1%D8%AB-%D8%A8%D8%B5%D8%B1%D9%8A-%D9%84%D8%A7-%D8%A3%D8%AF%D8%A7%D8%A9-%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%81%D8%AD%D8%B3%D8%A8
يحرص الفنان والخطاط المصري خليفة الشيمي على إبراز جماليات الخط العربي، وقد استطاع خلال خمسة عقود من احتراف هذا الفن تكوين فلسفته البصرية الخاصة، عبر إظهاره استدارة الخطوط وانحناءها وهي تسبح في فضاء اللوحة، تارة بعبارات مقروءة، وأخرى بعبارات تبدو عصية على القراءة لكنها قادرة دائما على نقل المتفرج إلى عالم مختلف، خاصة أن الشيمي مزج بين الخط العربي والتشكيل لينتج لوحات حروفية، تعرف الجمهور اليها من خلال معارض شخصية وأخرى جماعية أقيمت في دول عدة حول العالم. هنا حوار "المجلة" معه.
متى بدأت علاقتك بالخط العربي، وكيف عملت على تطويرها ومن ثم احترافها؟
بدأت علاقتي بالخط العربي منذ نعومة أظفاري حيث ظهرت الموهبة التي حازت إعجاب واهتمام أساتذتي منذ المرحلة الابتدائية في الخمسينات، ومن هنا بدأ الاهتمام والاطلاع على كراسات الخط التي تعود لأساتذة الخط وعمالقة هذا الفن من الأسماء الكبيرة في مصر وكنت أقلد كتاباتهم إلى أن قررت الغوص في هذا اليم، واكتشاف ما به من درر وكنوز، ومن حسن حظي في ذلك الوقت أن أستاذي الذي تشرفت بالتعرف اليه من طريق أستاذة متخصصين هو الأستاذ محمد الشحات وكان خطاطا للملك في ذلك الوقت.
تطور الأمر بعد ذلك وتشجعت حين حاز خطي إعجاب أساتذتي لما لاقوه من موهبة وجد واجتهاد ومثابرة في التعلم والتطوير الذاتي، إذ كنت في الحادية عشرة من عمري وكتبت أول رسالة الى الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الذي رد علي برسالة مع صورة تذكارية بتوقيعه.
كتبت أول رسالة الى الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الذي رد علي برسالة مع صورة تذكارية
وتطور الأمر في السنوات التالية إلى دراسة الخط بإشراف الشيخ حسن جلبي تلميذ حامد الأمدي، أي درست في معقل الخط العربي وصناعته بما في ذلك الزخرفة واستعمال الذهب وصناعة الورق المقهر اليدوي، وبدأت رحلة تكللت بالنجاح والحصول على أعلى شهادات الخط العربي بكل أنواعه العربية والعثمانية والإنكليزية.
بين الخط والتشكيل
بدأت تجربتك الفعلية منذ سبعينات القرن الماضي، فما أهم المنعطفات التي حصلت منذ ذلك التاريخ الى الآن؟
كثرة الأعمال والدراسة والتجارب تكسب الإنسان كثيرا من المعرفة والخبرة، وربما تعدد الأعمال وتنوع الأسلوب منذ سبعينات القرن الماضي جعلاني أقف عند عدة أساليب من الخط العربي وإجادته بطريقة علمية ودراسية طويلة، إلى جانب الرسم الواقعي الذي بدأ منذ الصغر إلى أن وصلت الى مرحلة النضج الفني.
لماذا اعتمدت في أعمالك على الجمع بين الخط الأصيل والرؤية التشكيلية المعاصرة؟
باعتباري رساما أيضا، أجيد الرسم الواقعي والكلاسيكي بكل مدارسه، بالإضافة إلى رسم لوحات الاستشراق، كل هذا يزيد الولوج إلى عالم متجدد بشكل واضح وصريح، فعملت بشكل مباشر على المزج بين الخط وأصالته وقوانينه الصارمة والرسم والتشكيل، وخلق لوحات حروفية تجمع الخط والتشكيل.
من أعمال الفنان والخطاط المصري خليفة الشيمي
هلا فسرت لنا فلسفتك في ما سميته "صدى الكلمات" وكيف ترجمتها فنيا؟
صدى الكلمات فلسفة اعتمدتها في أعمالي، بأن قمت بتلوين السطح بألوان تتماهى بانسجام وكتبت عليها نصوصا أيضا بدرجات لونية متماهية تبدأ من الفاتح إلى الغامق بدرجات لونية في أماكن وإخفاءات في أماكن أخرى لتعطي في النهاية صدى الكلمات تماما كصدى الصوت.
هل يمكن أن تفرض عليك العبارات أو الآيات القرآنية أو القصائد، نوعا معينا من الخطوط أم تكون حرا باختيار ما تريد؟
أعتمد في معظم لوحاتي على الخط الديواني لأنه أكثر مرونة وانسيابية في التعامل مع الأرضيات اللونية، ولكن هنا يحكمني النص وقدرته على الانزياح لخط الثلث، وهذا يعتمد على نوعية النص إذا كان فيه من التصوف أو الحكم المختلفة أو الشعر أو المقولات.
لكني أحرص على أن تحمل كل لوحاتي رسائل من خلال الأشعار والحكم والمقولات. فمن هنا تصل رسالتي التي تحمل على سبيل المثل قيم مثل القناعة والعمل والأمانة والأمن.
أي نوع من الخطوط هو الأجمل بالنسبة لك ولماذا؟
الأجمل بالنسبة لي تماما هو خط الثلث الذي حصلت فيه على أعلى إجازات وشهادات وهو سيد الخطوط العربية على الإطلاق. خط كله وقار وثبات وقوة حروف.
عمل حروفي للفنان والخطاط المصري خليفة الشيمي
ظاهرة الإفصاح
ما الذي أردت إيصاله الى القارئ من خلال كتابك الصادر تحت عنوان "صدى الكلمات"؟
يظهر الكتاب أنني عندما أنسج لوحاتي الحروفية أعتمد على جملة من الخبرات التي تأتت نتيجة جهد وتجارب وعمل دؤوب ساعيا لامتلاك الأدوات وتطوير المنتج الفني بصورة تتقارب مع قناعاتي ورؤيتي التي تعكس إحساسي. ولا أنسى أبدا أستاذي شيخ الخطاطين حسن جلبي، وهو تلميذ حامد الآمدي، تلميذ نظيف باشا. فأجد نفسي مستلهما الحروف العربية سواء كانت قصيدة أو مقولة ذات رسالة أو حكمة أو شعرا، وهنا أستدعي طاقتي كلها وأحاسيسي في بناء لوحة بصرية أساسية بمستويات حروفية تجد سبيلها إلى عالم الحروفية، حال تداخلها وتآلفها مع حيز الألوان وفضاءاته المهيمنة على اللوحة. وهذا الصراع يفسر لنا ظاهرة من الظواهر الأساس التي تتضح في أعمالي وهو ما قد اسميه "ظاهرة الإفصاح".
شاركت في الكثير من المؤتمرات والملتقيات العربية والعالمية الداعية لنشر وتذوق الخط العربي، فكيف يمكن أن ينجذب الجمهور في بلدان مثل اليابان وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا للخط العربي؟
وجدت عند الجمهور الأجنبي شغفا كبيرا في الخط العربي باعتباره فنا أصيلا وحجر زاوية للفنون الإسلامية وكنزا من كنوز المعرفة، وقد شاهدت ذلك من خلال معارضي التي أقيمت في كثير من دول العالم ولي فيها مقتنيات عديدة.
اللوحة الحرفية أكثر إيصالا للهوية العربية لأنها تجمع بين التشكيل بألوانه والخط بأصالته
أما معظم جمهور معارضي في الخارج فهم من المتخصصين والباحثين وجامعي اللوحات، ينظرون إلى العمل من خلال كيفية دمج الخط العربي مع التشكيل، وتكوين الحروف والعبارات، كما أنهم يتذوقون معنى العبارات بعد ترجمتها لهم.
عمل للفنان والخطاط المصري خليفة الشيمي
هل تعكس اللوحة الحروفية هوية الفن العربي، أكثر من اللوحات التشكيلية المنفذة بأساليب وتقنيات غربية معاصرة؟
بالتأكيد، اللوحة الحرفية أكثر إيصالا للهوية العربية لأنها تجمع بين التشكيل بألوانه والخط بأصالته. فاللوحة الحروفية تلعب دورا أكبر وأعمق في تأصيل هوية الفن العربي، فهي تستلهم الخط العربي بحروفه وقواعده ودقته الصارمة لتخلق لغة بصرية أصيلة واضحة للملتقي، إذ أنها تنبع من روح الفنان وتعكس أحاسيسه بلمسات وجماليات الحروب العربية، بينما تعتمد الأساليب والتقنيات المعاصرة على أفكار دخيلة بأشكال متعددة وعلى سبيل المثال إقحام البرامج الحاسوبية المختلفة.
وفي تصوري أن الحرف العربي هو إرث بصري لا مجرد أداة للقراءة، بل هو شكل هندسي مرن تحكمه قياسات محكمة، فعندما ندمج الحرف العربي ونمزجه باللوحة التشكيلية كتراث أصيل في شكل عصري مبتكر، يعكس ذلك مباشرة بيئتنا وثقافتنا وهويتنا.