هوليوود تبدأ حقبة الذكاء الاصطناعي

التكنولوجيا تتسلل بهدوء إلى مختلف مراحل صناعة الأفلام

المجلة
المجلة

هوليوود تبدأ حقبة الذكاء الاصطناعي

لا يزال الذكاء الاصطناعي من أكثر القضايا حساسية في "تنسيل تاون- هوليوود". فقد كان الغضب من احتمال توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي في كتابة السيناريوهات وإنشاء نسخ رقمية من الممثلين أحد أبرز دوافع إضرابات عام 2023.

ومنذ ذلك الحين، واصل كبار صناع السينما توجيه انتقادات حادة إلى هذه التكنولوجيا. فقد صرح كين بارسونز، مخرج الفيلم الناجح "باك رومز" أو "الغرف الخلفية"، مؤخرا بأنه لو امتلك القدرة، "لطقطق أصابعه" وجعل الذكاء الاصطناعي "يختفي".

أما كريستوفر نولان، مخرج النسخة السينمائية الضخمة الجديدة المقتبسة من "الأوديسا"، فوصفه بأنه "حصان طروادة"، ودعا إلى التشكيك في دوافع المروجين له.

وفي مايو/أيار، وافق استوديو أمازون إم جي إم على إنتاج مسلسل رسوم متحركة مدعوم بالذكاء الاصطناعي يحمل اسم "بانكي داك" ، غير أن المخرج انسحب من المشروع بعد يومين فقط إثر تلقيه تهديدات بالقتل.

ولكن، على الرغم من الرفض المعلن، يواصل الذكاء الاصطناعي ترسيخ حضوره خلف الكواليس، ممتدا إلى مختلف مراحل صناعة الأفلام، من تطوير السيناريو والتخطيط للإنتاج إلى توليد اللقطات وتنفيذ عمليات المونتاج.

وفي مارس/آذار، استحوذت "نتفليكس" مقابل نحو 600 مليون دولار على شركة "إنتر بوزيتيف"، التي يديرها بن أفليك وتتخصص في الإنتاج باستخدام الذكاء الاصطناعي، وكشفت شركة البث العملاقة الشهر الماضي أنها استعانت بهذه التكنولوجيا في إنتاج نحو 300 عمل خلال هذا العام وحده.

أ.ف.ب
المخرج البريطاني الأميركي كريستوفر نولان يصدر توقيعاته في فعالية للترويج لفيلم "الأوديسا"، في 4 أغسطس/آب 2026 ، عشية عرضه في سيول عاصمة كوريا الجنوبية

وفي يونيو/حزيران، استثمر مختبر الذكاء الاصطناعي "غوغل ديب مايند" نحو 75 مليون دولار في استوديو "إيه 24"، المنتج لفيلم "باك رومز"، في إطار شراكة بحثية ترمي إلى تطوير أدوات قائمة على الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، لا تزال المؤشرات محدودة على أن هذه التكنولوجيا باتت قريبة من إزاحة البشر عن السجادة الحمراء، على الرغم من أن الظهور اللافت للممثلة المولدة بالذكاء الاصطناعي تيلي نوروود، والذي حظي بتغطية إعلامية واسعة العام الماضي، أثار موجة عابرة من القلق.

في فيلم" يونغ واشنطن"، استخدم المخرج جون إروين الذكاء الاصطناعي لإضافة سيل هائج فوق خندق طوله 50 قدما، ما جنبه تعريض ممثليه لمشهد ذي مخاطر كبيرة

وقال تيد ساراندوس، الرئيس المشارك لـ"نتفليكس"، في يوليو/تموز: "يتطلب صنع عمل عظيم فنانين عظماء، والذكاء الاصطناعي لا يغير ذلك"، وأضاف أن التكنولوجيا "ستمنح المبدعين أدوات أفضل لتحويل رؤاهم إلى واقع"، وسيكون المستهلكون المستفيد الأكبر من هذا التحول.

ويرى بيتر وودبريدج، مؤلف كتاب "آلة الأحلام" عن الذكاء الاصطناعي والترفيه، أن كثيرا من الاستوديوهات تتعامل حاليا مع هذه التكنولوجيا وفق نهج "لا تسأل ولا تخبر". غير أن بعض صناع الأفلام يتبنون موقفا أكثر انفتاحا، ففي أحدث أفلامه "يونغ واشنطن"، استخدم المخرج جون إروين الذكاء الاصطناعي لإضافة سيل هائج فوق خندق يبلغ طوله 50 قدما، ما جنبه تعريض ممثليه لمشهد ينطوي على مخاطر كبيرة. ويصف إروين هذه التكنولوجيا بأنها "مسببة للإدمان الإبداعي"، ويقول إنه يسهر حتى وقت متأخر في الليل وهو يختبر إمكانياتها.

وسجلت "نتفليكس" أول استخدام للذكاء الاصطناعي التوليدي في أحد إنتاجاتها من خلال محاكاة انهيار مبنى في مسلسل الخيال العلمي الأرجنتيني "ذا إترنوت"، الذي عرض العام الماضي، كما تضمن مسلسلها الوثائقي الحديث "ذا أميركان إكسبيرمنت" أو "التجربة الأميركية" 17 دقيقة من اللقطات المعززة بالذكاء الاصطناعي، من بينها مشاهد لمعارك تاريخية، قال ساراندوس إنها أنجزت "بضعف السرعة وبنصف تكلفة" البدائل الأخرى.

وتصطحب إلينا فان دير فيلدن، مبتكرة شخصية تيلي نوروود، مراسلكم في تجربته الإخراجية الأولى، إذ يقوم بإعداد مقطع مدته عشر ثوان، تظهر فيه الشرطة البريطانية وهي تلقي القبض على الشخصية المولدة بالذكاء الاصطناعي. ولم يستغرق توليد المشهد سوى أربع دقائق، بينما كان تصويره في موقع حقيقي سيتطلب نصف يوم، بحسب فان دير فيلدن، التي تقر بأن الوصول إلى نسخة احترافية منه سيحتاج إلى محاولات إضافية باستخدام البرنامج.

قد يمنح الذكاء الاصطناعي الاستوديوهات قدرة على منافسة "الدراما القصيرة جدا" الصينية، لجماهير باتت تقضي وقتا أطول في تصفح "يوتيوب" مما يمضونه في مشاهدة "ديزني" و"فوكس"

ويأمل إروين أن يسهم الذكاء الاصطناعي في قلب "المعادلة الاقتصادية غير المستدامة" في هوليوود، حيث تدفع تكاليف الإنتاج الباهظة الاستوديوهات إلى تبني خيارات أكثر تحفظا وأقل ميلا إلى المخاطرة، مثل الاستمرار في إنتاج سلاسل لا تنتهي من الأفلام.

 في المقابل، يخشى آخرون أن تفتح هذه التكنولوجيا الباب أمام سيل من المحتوى الرديء المولد بالذكاء الاصطناعي، مستشهدين بما يعرف بـ"الدراما القصيرة جدا" القادمة من الصين، وهي أعمال مثيرة ومبتذلة تعتمد بصورة متزايدة على هذه الأدوات، بوصفها نموذجا تحذيريا لما قد تؤول إليه الصناعة، غير أن إيفان شابيرو، المنتج التلفزيوني، لا يرى أن هذا "الهراء" يشكل تهديدا كبيرا لهوليوود، إذ يعتقد أن الجمهور سيظل قادرا على تمييز المحتوى الجيد وتقديره.

وقد يمنح الذكاء الاصطناعي الاستوديوهات قدرة أكبر على منافسة هذا النوع من الدراما، إلى جانب منصات الفيديو مثل "يوتيوب" و"تيك توك"، التي تستحوذ على نصيب متزايد من اهتمام الجمهور، ويقدر شابيرو أن المشاهدين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و54 عاما في الولايات المتحدة وسبع أسواق رئيسة أخرى باتوا يقضون وقتا أطول في تصفح "يوتيوب" مما يمضونه في مشاهدة المحتوى الذي تنتجه "ديزني" و"فوكس" و"باراماونت" و"إن بي سي يونيفرسال" و"وارنر براذرز ديسكفري" مجتمعة.

رويترز
مؤدية الدوبلاج بيتينا تسيش في استوديو دبلجة صوتية في ميونيخ، ألمانيا، 2 يوليو/تموز 2025

ويدفع هذا التحول قطاع السينما إلى الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لإعادة تقديم محتواه في مقاطع أقصر،مصممة خصيصا للمشاهدة عبر الهواتف الذكية.

 وتستخدم شركة "سوشيال ديبارتمنت" ، وهي شركة ناشئة تتخذ من لوس أنجلوس مقرا لها، هذه التكنولوجيا لمساعدة الاستوديوهات على إحياء المسلسلات القديمة، من خلال تقسيمها إلى مشاهد قصيرة يعاد توزيعها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويوضح جوناثان فيرك، مؤسس الشركة، أن الذكاء الاصطناعي يثبت فائدته بصورة خاصة في المهمة الدقيقة المتمثلة في تحويل مقاطع الفيديو المصورة أفقيا إلى صيغة عمودية تلائم شاشات الهواتف المحمولة.

وبدأ نجوم هوليوود بدورهم في إعادة النظر في موقفهم من الذكاء الاصطناعي، وتقول ألكسندرا شانون، من وكالة "كرييتف آرتستس" التي تمثل عددا كبيرا من أبرز النجوم، إن كثيرا من عملائها كانوا يشعرون بالقلق خلال إضرابات عام 2023 من احتمال استغلال مطوري النماذج لصورهم وأصواتهم، ومن صعوبة حمايتها، أما اليوم، فقد أصبحوا أكثر حماسة حيال الفرص التي تتيحها هذه التكنولوجيا، شرط أن تتوافر فيها العناصر الثلاثة التالية: الموافقة، والضوابط، والتعويض.

توم كروز وبراد بيت يتشاجران فوق سطح مبنى... مقطع فائق الواقعية مولد بالذكاء الاصطناعي ، دفع ديزني وجمعية الأفلام لمطالبة الشركة المالكة لـ"تيك توك" الصينية بوقف ما اعتبرتاه انتهاكا لحقوق النشر

ومع ذلك، تبقى حقوق الطبع والنشر واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل. ففي فبراير/شباط، اجتاح مواقع التواصل مقطع فائق الواقعية يظهر توم كروز وبراد بيت وهما يتشاجران فوق سطح مبنى في لوس أنجلوس، وصنع المقطع باستخدام "سيدانس 2.0"، وهو نموذج طورته شركة "بايت دانس" الصينية، المالكة لتطبيق "تيك توك".

ودفع ذلك كلا من "ديزني" و"باراماونت" وجمعية الأفلام، التي تمثل مصالح القطاع، إلى مخاطبة "بايت دانس" ومطالبتها بوقف ما اعتبرته انتهاكا لحقوق الطبع والنشر. وردت الشركة، التي تؤكد احترامها للملكية الفكرية، بإضافة إجراءات حماية جديدة إلى أداة توليد الفيديو التابعة لها.

وفي ديسمبر/كانون الأول، أبرمت "ديزني" اتفاقا مع شركة "أوبن إيه آي"، المطورة لـ"تشات جي بي تي"، لترخيص استخدام شخصيات من بينها "ميكي ماوس" في نموذج الفيديو "سورا"، لكن الاتفاق لم يصمد طويلا، إذ انهار في مارس/آذار بعد أن أوقفت "أوبن إيه آي" تشغيل النموذج.

جادة السيليكون

قد يسرع تمدد شركات التكنولوجيا الكبرى داخل هوليوود وتيرة تبني الذكاء الاصطناعي في صناعة السينما، وتبدو "أمازون"، التي يتردد اسمها بشكل ملحوظ، المثال الأبرز على هذا التداخل، فإلى جانب امتلاكها استوديو "إم جي إم"، تعزز الشركة حضورها عبر منصة "برايم فيديو" و"خدمات أمازون ويب"، التي توفر البنية التحتية السحابية لعدد كبير من الاستوديوهات الكبرى.

وتصف سميرة بناح بختيار، المسؤولة التنفيذية في "خدمات أمازون ويب"، هذه الخدمات بأنها "العمود الفقري غير المرئي" لصناعة الترفيه.

ومن أبرز تطبيقات ذلك تعاون الشركة مع "فوكس سبورتس" لتحويل البث إلى صيغة عمودية تناسب الهواتف الذكية، مع إبقاء زمن الاستجابة عند أدنى حد ممكن، كما حظي مسلسل "بانكي داك"، الذي لم يكتب له النجاح، بدعم من "صندوق مبدعي الذكاء الاصطناعي التوليدي"، وهو مبادرة مشتركة بين "خدمات أمازون ويب" و"إم جي إم"، أطلقت لتشجيع صناع الأفلام على تبني أدوات الذكاء الاصطناعي.

رويترز
أحد مراكز بيانات "خدمات أمازون ويب" المعروف باسم "يو إس إيست 1" في آشبرن بولاية فرجينيا الأميركية، 20 أكتوبر/تشرين الأول 2025

وقد يكون سعي "خدمات أمازون ويب" إلى تعزيز حضور الذكاء الاصطناعي في هوليوود مرتبطا جزئيا بما تتطلبه أدوات إنتاج الفيديو من قدرات حاسوبية هائلة، إذ قد يتيح انتشارها للشركة تحقيق عائد من استثماراتها الضخمة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

 وربما تقف دوافع مماثلة وراء استثمار "غوغل"، التي تحظى عائلة نماذجها الصوتية والمرئية "فيو" بشعبية واسعة في هوليوود، في هذه الأدوات.

ومع ذلك، سيظل كثيرون على موقفهم الرافض، فعندما دخل إروين عالم السينما في تسعينات القرن الماضي، استعان بكاميرا رقمية ثمنها 3 آلاف دولار، بدلا من كاميرا مقاس 35 مليمترا تصل كلفتها إلى 300 ألف دولار. يومها، رأى صناع الأفلام المخضرمون في التقنية الرقمية تهديدا لحرفتهم ومكانتها، أما اليوم، فقد غدت أداة مألوفة يعتمدها الجميع تقريبا، باستثناء المتشددين، وفي مقدمتهم نولان.

وقد ينتهي الذكاء الاصطناعي إلى ما انتهت إليه التكنولوجيا الرقمية من قبله، فيغدو جزءا أصيلا من صناعة الأفلام، وفي مقابلة حديثة، شبه جورج لوكاس، مبتكر سلسلة "حرب النجوم"، معارضي الذكاء الاصطناعي التوليدي في قطاعه بمن عارضوا السيارات في بداياتها بدعوى أنها أشد خطرا من الخيول والعربات، وقال: "لا سبيل إلى إيقافه... فهذا هو المستقبل".

font change