مساءلة الإنسان في "نزيف الأطياف" لعبد البر الصولديhttps://www.majalla.com/node/332466/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%A1%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D9%86%D8%B2%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%8A%D8%A7%D9%81-%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D9%84%D8%AF%D9%8A
يظهر في أعمال الكاتب المغربي عبد البر الصولدي اهتمام واضح بالإنسان وعلاقته بالذاكرة والمكان والزمن، إلى جانب حرصه على تنويع تقنيات الحكي وإثراء المشهد القصصي بصور تنبع من البيئة المغربية، وتكتسب امتدادا إنسانيا رحبا. إذ تتسم تجربته بحس مراقب يلتقط التحولات الدقيقة في المجتمع، ويصوغها ضمن بنى سردية محكمة تعتمد الإيحاء، وتستثمر المفارقة، وتفسح المجال أمام القارئ للمشاركة في إنتاج الدلالة.
تذهب المجموعة القصصية "نزيف الأطياف"، الصادرة عن "دار مرفأ" في بيروت (2026)، إلى الحيز الذي يلتقي فيه الواقع بالمجاز، وتتجاور فيه الذاكرة مع الحاضر، وتتقاطع خلاله الوقائع اليومية مع إشارات رمزية تمنح كل قصة امتدادا يتجاوز حدود الحدث المباشر. تنطلق الحكايات من تفاصيل مألوفة، ثم تتسع شيئا فشيئا حتى تبلغ مساحة فكرية رحبة، فيغدو السرد وسيلة لاستكشاف أعماق النفس، واستنطاق العلاقات الاجتماعية، وتأمل المصائر التي تصنعها العادات والظروف والتحولات التاريخية.
يحمل عنوان المجموعة دلالة مركبة تجمع بين فعل الاستنزاف الذي يحمله لفظ "نزيف"، وبين الامتداد الشفيف الذي توحي به "الأطياف"، إذ يفتح اجتماع المفردتين أفقا واسعا للتأويل، فالنزيف يرمز إلى استمرار الألم، والطيف يحيل على أثر يبقى حاضرا رغم الغياب، فتتولد علاقة بين الجرح والذاكرة، وبين الفقد والصور التي تستقر في أعماق الوعي. وهكذا يصبح العنوان جزءا من البنية السردية، لأن القصص جميعها تتحرك داخل مساحة تتداخل فيها آثار الماضي مع نبض الحاضر، وترافق الشخصيات ظلال تجاربها السابقة في كل خطوة تخطوها.
تتحول البيوت والأحياء والأسواق والمقابر والطرق إلى فضاءات تحمل أسئلة تتصل بالوجود والعدالة
تنبض قصص المجموعة بالحياة المغربية في تفاصيلها الدقيقة، إذ تتحول البيوت والأحياء والأسواق والمقابر والطرق إلى فضاءات تحمل أسئلة تتصل بالوجود والعدالة والكرامة والذاكرة. لذلك تبدو البيئة المحلية منطلقا لرؤية أكثر اتساعا، تمتد نحو الإنسان في كل مكان، وتمنح النصوص قدرة على العبور خارج حدودها الجغرافية.
المفارقة السردية
يعتمد عبد البر الصولدي بناء سرديا يقوم على زحزحة الواقع خطوة بعد أخرى، حتى يغدو المألوف نفسه مصدرا للدهشة. فالحدث يبدأ بصورة اعتيادية، ثم يتكشف تدريجيا عن طبقات جديدة من المعنى، فيشعر القارئ أنه ينتقل من مستوى إلى آخر من دون انقطاع في الإيقاع أو افتعال في التحول.
يقوم السرد على مبدأ التدرج، إذ تتنامى التفاصيل الصغيرة حتى تصنع مشهدا كاملا يحمل كثافة رمزية عالية، ويختار الكاتب عناصره بعناية، ثم يتركها تتفاعل داخل فضاء القصة، فتتشكل المفارقة من قلب الحياة اليومية، وتنبثق الغرابة من منطق اجتماعي يملك مبرراته الداخلية.
تتكرر في المجموعة مساءلة العادات الاجتماعية، والكشف عن المسافة الفاصلة بين الغاية الأولى لأي طقس والصورة التي يستقر عليها بعد تراكم الزمن، إذ يقترب الكاتب من الطقوس المألوفة، ثم يسلط الضوء على تفاصيلها الدقيقة، فتظهر تناقضات كانت مختبئة داخل الاعتياد.
سوق في مدينة تنغير وسط شرق المغرب
يتجسد هذا المنحى بوضوح في قصة "موسم الجنائز"، التي تفتتح فضاءها السردي بجملة تحمل طابعا خبريا، بينما تضمر مفارقة عميقة: "استيقظوا! فقد حل موسم الجنائز".
تضع هذه العبارة القارئ مباشرة أمام عالم ينقلب فيه ترتيب الأشياء، فالموت يتحول إلى موسم، والموسم يرتبط عادة بالخير والانتظار والوفرة، الأمر الذي يخلق صدمة دلالية تدفع الذهن إلى البحث عن المغزى الكامن خلف هذا التركيب. ومع تقدم السرد تتضح ملامح المفارقة، إذ يغدو الحزن جزءا من روتين اجتماعي، وتتحول الولائم إلى مركز الاهتمام، بينما يتراجع الفقد إلى الهامش.
تكشف القصة، عبر هذا البناء، قدرة العادة على إعادة تشكيل المشاعر الإنسانية، فالتكرار يصنع نوعا من الألفة مع أكثر الأحداث قسوة، ويعيد ترتيب الأولويات داخل الوعي الجمعي، فتتبدل صورة الموت، وتتغير وظيفة الطقوس، ويصبح الاحتفال بالحضور الاجتماعي أكثر وضوحا من الإحساس بالخسارة نفسها.
أحد أفراد الجالية اليهودية خلال إحياء موسم "الهيلولة" في مقبرة يهودية بمدينة مكناس
تتجلى الغرائبية في قصص المجموعة بوضوح، وهي غرائبية تنبع من صميم الواقع وتتغذى من تناقضاته اليومية. فالحدث العجيب يتشكل تدريجيا عبر سلسلة من الوقائع المتتابعة، حتى يغدو امتدادا منطقيا لما سبقه. وهو ما يجعل السرد ذا مرونة لافتة، إذ يرافق القارئ الشخصيات في انتقالها من المألوف إلى المدهش من غير أن يشعر بانقطاع في السياق أو افتعال في مسار الأحداث. ويظل الواقع حاضرا في الخلفية، بينما يسلط الخيال الضوء على جوانبه الخفية، فتتشكل مساحة سردية تتيح للنص الكشف عن حقائق اجتماعية ونفسية يصعب بلوغها عبر الواقعية المباشرة.
وتصل هذه التقنية إلى ذروتها في مشهد المجاعة الذي يرد في القصة نفسها، حيث يقول السارد: "شحت الأرض لما أصابها من جفاف، ولكن على الرغم من ذلك، كان لا بد من أن يخترع الناس تقليد إقامة الولائم، مهما كلفهم ذلك، حيث انتهكت حرمة الجثث إلى أبعد حد، إذ تحولت هي نفسها إلى حساء من اللحم البشري. في البدء، تم تجريم هذا الفعل، وانقسم الناس بين مؤيد ومعارض، ومع مرور الزمن وسيطرة المجاعة على العقول، صار حساء اللحم البشري طعاما مقبولا".
تتجلى الغرائبية في قصص المجموعة بوضوح، وهي غرائبية تنبع من صميم الواقع وتتغذى من تناقضاته اليومية
يحمل المشهد قسوة شديدة، غير أن قيمته الفنية تكمن في رمزيته، فالمجاعة هنا تمتد إلى المجال الأخلاقي، والجسد يتحول إلى صورة مكثفة لاستنزاف الإنسان تحت ضغط الحاجة، بينما تكشف النهاية حدود التكيف التي يستطيع المجتمع الوصول إليها حين تتغير الظروف بصورة جذرية.
ويختصر هذا المشهد رؤية الكاتب تجاه العلاقة بين الإنسان والواقع، فالقصة ترسم مسارا تتراجع خلاله الحدود الفاصلة بين المقبول والمرفوض، ويتحول الاستثناء إلى قاعدة مع استمرار الأزمات. ومن خلال هذه الصورة يثير السرد أسئلة تتصل بمرونة الضمير الإنساني، وبقدرة المجتمعات على إعادة إنتاج معاييرها كلما تبدلت شروط الحياة.
امرأة تسير فوق أرض متشققة عند سد المسيرة في قرية أولاد عيسى مسعود، في ظل موجة جفاف حادة في المغرب
النهايات وأثرها الفني
يعتمد الكاتب في معظم قصص المجموعة نهايات تقوم على فتح المعنى بدلا من إغلاقه، فالحدث يبلغ خاتمته، بينما تواصل الأسئلة حضورها في ذهن القارئ، فيعود إلى التفاصيل السابقة بحثا عن إشارات جديدة تكشف طبقات أخرى من الدلالة. ومن هنا تكتسب القصص قدرة أكبر على البقاء في الذاكرة، إذ تتحول النهاية إلى نقطة انطلاق لعملية تأويل متجددة. وتأتي المفاجأة ثمرة للبناء السردي بأكمله، مترابطة مع عناصره ومتصلة بتطوره، ولهذا تغدو الخواتيم امتدادا طبيعيا للحكاية، وتترك أثرا فكريا وشعوريا يتجاوز لحظة القراءة.
ينشغل عبد البر الصولدي بالإنسان في لحظات اختباره الأكثر قسوة، حيث تتعرض القيم لضغط الحاجة، وتواجه الذاكرة امتحان الزمن، وتدخل العلاقات الاجتماعية مرحلة تعيد خلالها تعريف نفسها وفق متغيرات الحياة. وتمتد هذه الرؤية في جميع القصص، فتمنح المجموعة وحدتها الفكرية، وتجعل تنوع الحكايات جزءا من مشروع سردي متماسك يقوم على مساءلة الواقع عبر الفن.
يتجنب الكاتب إصدار الأحكام المباشرة، ويترك الوقائع تتحدث بلغتها الخاصة، إذ يمنح هذا الاختيار النصوص قوة أكبر، لأن القارئ يصل إلى استنتاجاته عبر مراقبة الشخصيات وهي تتحرك داخل ظروفها، وتتخذ قراراتها، وتواجه نتائجها. وهكذا تتحول القصة إلى مساحة للتأمل، تتجاور فيها المتعة الفنية مع التفكير العميق في طبيعة الإنسان، وفي الكيفية التي تتغير بها القناعات حين تتبدل الظروف.
تطرح المجموعة كذلك سؤالا يرتبط بالذاكرة الجماعية، فالأحداث التي تمر بها الشخصيات تظل راسخة في وجدانها، وتواصل تشكيل حاضرها حتى بعد انقضاء زمنها. فالماضي يتحرك باستمرار داخل الحاضر، والأثر النفسي يبقى فاعلا مهما ابتعدت المسافة الزمنية، وهو ما يمنح عنوان المجموعة حضوره الرمزي، فالأطياف تمثل الصور التي تستقر في الداخل، والنزيف يعكس استمرار تأثيرها في الروح والوعي.
السخرية السوداء وأثرها الجمالي
تتحول السخرية في المجموعة إلى وسيلة تكشف التناقضات التي يعيشها المجتمع، فالضحكة التي تثيرها بعض المواقف تحمل في أعماقها مرارة واضحة، لأن مصدرها يتمثل في المفارقة بين القيمة وسلوك الإنسان تجاهها. وتتجسد هذه التقنية في قصة "موسم الجنائز" بأوضح صورها، إذ تتحول مناسبة الحداد إلى فضاء يحتشد بالحركة والطعام واللقاءات، بينما يتراجع الشعور بالفقد إلى مساحة بعيدة. وتزداد المفارقة اتساعا مع تطور الأحداث، فتغدو المجاعة امتحانا أخلاقيا يكشف الحدود القصوى التي يستطيع الإنسان بلوغها حين تتعرض حياته للخطر.
رجل يسير في أحد أزقة حي الملاح اليهودي في المدينة القديمة بمراكش
وتضفي هذه السخرية على النصوص طاقة نقدية مؤثرة، كونها تضع القارئ أمام صورة مألوفة في ظاهرها، ثم تكشف ما يختبئ داخلها من تناقضات. لذلك تأتي المفارقة جزءا من الرؤية الفكرية، وليست مجرد حيلة فنية لإحداث الإدهاش.
ينطلق الكاتب من بيئة مغربية واضحة الملامح، غير أن أسئلته تمتد إلى فضاء إنساني أرحب
تمزج "نزيف الأطياف" بين الحس الواقعي والانفتاح على الرمز، وبين البناء المحكم والانشغال بالقضايا الإنسانية، إذ ينطلق الكاتب من بيئة مغربية واضحة الملامح، غير أن أسئلته تمتد إلى فضاء إنساني أرحب، الأمر الذي يمنح القصص قدرة على مخاطبة قارئ ينتمي إلى ثقافات مختلفة.
تكشف التجربة السردية في هذا العمل وعيا بأدوات القصة القصيرة، سواء في بناء الحدث، أو في رسم الشخصيات، أو في إدارة الزمن، أو في توظيف اللغة والصورة، حيث تتضافر هذه العناصر لتشكيل عالم يمتلك خصوصيته، ويمنح القارئ تجربة قراءة تجمع بين المتعة والتأمل.
كما يظهر حرص الكاتب على الإفادة من التراث الشعبي، ومن تفاصيل الحياة اليومية، ومن الذاكرة الجماعية، ثم إعادة صوغها داخل رؤية حديثة تجعل القصة فنا قادرا على مساءلة الإنسان ومحيطه عبر لغة موحية وبناء دقيق.