بدأت سينما "متروبوليس" في العاصمة اللبنانية بيروت، بتقديم دورة سينمائية مخصصة لأفلام المخرج والممثل الفرنسي جاك تاتي، وتتضمن خمسة من أبرز أعماله. هنا مقال عن عوالم تاتي.
عرف المخرج الفرنسي جاك تاتي (1907 – 1982) بتفرد أفلامه رغم أن عددها لا يتجاوز تسعة أفلام منها ثلاثة أفلام قصيرة، ورغم أن مسيرته رافقت ظهور رواد الموجة الفرنسية الجديدة، إلا أنه كان مختلفا كل الاختلاف عنهم، مخلصا لأسلوبه وعالمه وشخصياته.
تتكشف سمات أسلوب تاتي ونهجه في فيلمه القصير الأول، إخراجا وتأليفا وتمثيلا، "مدرسة سعاة البريد - L'École des facteurs" الصادر عام 1947، وهي السمات التي تواصلت طوال مسيرته السينمائية.
ورغم كونه فيلما بسيطا جدا في ظاهره، إلا أنه يقول الكثير عن تاتي. الفيلم يرصد يوما عاديا في مدرسة لسعاة بريد، حيث نرى محاضرة يلقيها أحد الأساتذة على سعاة البريد يوضح من خلالها شروط المهنة وأهميتها، لينطلق بعدها سعاة البريد على دراجاتهم الهوائية لتوصيل الرسائل والمظاريف إلى أصحابها.
يظهر في هذا الفيلم اهتمام تاتي بكوميديا الحركة أو ما يعرف بكوميديا الـ Slapstick، تلك القائمة في جوهرها وكليتها على الحركة والخدع البصرية، والتي عرف بها قبل ذلك كل من شارلي شابلن وباستر كيتون وغيرهما.
التقليد والحداثة
الى جانب اهتمامه الواضح بكوميديا الحركة، تظهر مفارقة أخرى هي التي ستؤطر سينما تاتي في ما بعد والتي سيعتمد عليها دوما وفي كل مرة، وهي المفارقة بين التقليدي والحداثي، ونجدها متجسدة في اهتمام تاتي بمنظومة البريد في الأساس وبشخصية ساعي البريد تحديدا.
يتجلى ذلك بوضوح أكبر في فيلم تاتي الثاني، وهو فيلمه الطويل الأول، "يوم العطلة - Jour de Fête" الصادر عام 1949. في الفيلم نتتبع الشخصية الرئيسة وهي ساعي البريد "مسيو فرنسوا" الذي يقتصر عمله على توصيل الرسائل والمظاريف إلى قرية ريفية صغيرة. يتضح هنا أيضا إخلاص تاتي لكوميديا الحركة مع تطويرها، عبر التأسيس لشخصية بطل "السلاب ستيك" التقليدي الذي تنقصه دوما النباهة.
يتضح في الفيلم أن اهتمام تاتي بمهنة ساعي البريد نابع من اهتمامه برصد وتتبع وتفكيك منظومة البيئة الريفية، وهو اهتمام مرده الانشداه بأصالة تلك البيئة وبطبيعة العلاقات الإنسانية فيها وتشابكها وامتدادها، وهو ما نراه على مدار الفيلم متجسدا في ألفة ظاهرة بين سكان تلك القرية وبينهم وبين ساعي البريد فرنسوا.




