بعد نحو 35 عاماً على آخر قانون عفو عام أقرّه لبنان، عاد البرلمان إلى هذا الملف وسط أزمة متفاقمة في السجون والقضاء، أفضت إلى بقاء آلاف الموقوفين خلف القضبان لسنوات، بعضهم من دون محاكمة وبعضهم على خلفية ملفات أثارت اعتراضات حقوقية وسياسية. وفي ظل اكتظاظ السجون وتراجع قدرة الدولة على تأمين الرعاية الصحية والغذاء للسجناء، أقرّ مجلس النواب في 12 أغسطس/آب قانون عفو عام وتخفيضاً استثنائياً لبعض العقوبات، في خطوة يُفترض أن تتيح الإفراج تباعاً عن عدد من المحكومين والموقوفين والمطلوبين. حيث أعلنت رئاسة البرلمان في بيان مقتضب: "إقرار اقتراح قانون يرمي إلى منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي معدلاً".
لكن القانون الذي جاء بعد أشهر من الخلافات السياسية لا يشمل جميع المساجين، فيما أبقى على استثناءات لجرائم عدة، ما يطرح السؤال حول من سيستفيد فعلياً من القانون، ومن سيبقى خلف القضبان؟
ماذا ينص قانون العفو العام؟
كان آخر قانون عفو عام أقرّه لبنان عام 1991، وشمل آنذاك الجرائم التي ارتُكبت خلال الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1990. ومنذ ذلك الحين، لم يصدر قانون عفو عام شامل، رغم تكرار المطالب بإقراره، خصوصاً مع تفاقم أزمة السجون وتراكم الملفات القضائية.
وبموجب القانون الذي أقره مجلس النواب الأربعاء، تُخفّض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي، إذ تصبح عقوبة الإعدام 28 سنة سجنية، فيما تصبح عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة 17 سنة سجنية، مع تخفيض مدة سائر العقوبات بمقدار الثلث.
أما الموقوفون الذين لم تصدر بحقهم أحكام، ومهما كانت الجريمة المرتكبة، فإذا تجاوزت مدة توقيفهم 12 سنة سجنية، فيتعين على القاضي إخلاء سبيل المدعى عليه.
بالنسبة للمستثنين وفقا لنص القانون هم مرتكبو الجرائم والمساهمون فيها، من جرائم القتل العمد بحق المدنيين أو العسكريين، والخيانة والتجسس، والسرقة في حال تكرار الملاحقات أو الأحكام.
كما استثنى من العفو الجرائم المستمرة المتعلقة بالتعدي على الأملاك العمومية، واختلاس المال العام، والإثراء غير المشروع، والجرائم المتعلقة بالآثار، وتلك التي يتخذ فيها المتضرر صفة الادعاء الشخصي، فضلا عن جرائم الاغتصاب والإتجار بالبشر والعنف الأسري.
وبحسب نص القانون، يهدف العفو العام إلى إعادة الاعتبار لمبدأ العدالة، ومعالجة الخلل الناجم عن التأخير المزمن في إصدار الأحكام الجزائية، وما يترتب عليه من نتائج تمس جوهر العدالة.
وأشار إلى أن لبنان يرزح منذ سنوات تحت وطأة أزمات متلاحقة طالت مرفقي القضاء وإدارة السجون، وأفضت إلى أزمة إنسانية حادة تجلت في احتجاز موقوفين وسجناء لفترات تتجاوز المهل القانونية، خلافا للقواعد الواجب اعتمادها في معاملة السجناء.
ولفت إلى أن إقرار قانون عفو عام يسهم في رفع الظلم عن المظلومين، ويعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، ويخفف من اكتظاظ السجون، ويمكّن السلطة القضائية من تسريع البت في الملفات المتبقية.
اكتظاظ السجون... الدافع الأبرز
بعد أشهر من النقاشات والانقسامات، أقرّ مجلس النواب قانون العفو العام بدافع معلن هو "اكتظاظ السجون"، الذي فاقمه بطء المحاكمات وتوقيفات لسنوات من دون إجراءات قضائية.
وبحسب إحصاءات مديرية السجون، بلغ عدد المحبوسين 6268 شخصاً حتى 30 مارس/آذار. وكانت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أفادت في تقريرها السنوي لعام 2025، بأن نسبة الاكتظاظ في السجون بلغت 300 في المئة.


