"طالبان" بعد 5 سنوات في حكم أفغانستان... هل هناك مفر من التعامل معها؟

بعد خمسة أعوام على الانسحاب الأميركي لا يبدو أن النظام الأفغاني في طريقه إلى الزوال

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
نساء أفغانيات يرتدين البُرقُع يمررن أمام جدارية على جانب الطريق في كابل في 11 ديسمبر 2025

"طالبان" بعد 5 سنوات في حكم أفغانستان... هل هناك مفر من التعامل معها؟

قبل خمسة أعوام، سحب الرئيس جو بايدن القوات الأميركية من أفغانستان. ولم يكن مضطرا إلى ذلك، كان في وسع الولايات المتحدة أن تواصل، إلى أجل غير محدد، الدفاع عن حكومة أفغانستان المنتخبة ديمقراطيا، على ما شابها من عيوب، لكنها اختارت الرحيل.

فقد سئم الناخبون أطول حرب خاضتها أميركا، في مواجهة "طالبان"، الحركة المسلحة التي كانت تسيطر على مساحات واسعة من الأرياف، وكان دونالد ترمب قد وضع جدولا زمنيا للانسحاب، ثم مضى بايدن في تنفيذه حتى النهاية.

دفع اقتراب الرحيل الأميركي كل أفغاني يحمل السلاح إلى إعادة حساباته بشأن الطرف الأرجح أن يحسم الحرب الأهلية التي تدور في البلاد، فبدّل أمراء الحرب ولاءاتهم، وهجر جنود الحكومة مواقعهم وتواروا، وانهارت الحكومة بسرعة مذهلة، فيما استولت "طالبان" على السلطة من دون مقاومة تذكر، وتشبث مدنيون يائسون، هاربون من حكامهم الجدد، بعجلات طائرة أميركية كانت تقلع من البلاد، قبل أن يهوي بعضهم من الجو إلى حتفه.

كانت "طالبان"، التي يعني اسمها "طلاب الدين"، قد استولت على السلطة للمرة الأولى عام 1996، وفرضت مزيجا "وحشيا" من الإسلاموية والأعراف القبلية السابقة للعصر الحديث، فحظرت تعليم الفتيات، ورجمت المثليين حتى الموت.

وأطاحت بها أميركا وحلفاؤها بعدما آوت تنظيم "القاعدة"، الجماعة الإرهابية التي هاجمت الولايات المتحدة بطائرات مخطوفة في سبتمبر/أيلول 2001. غير أن مقاتلي "طالبان" خاضوا بعد ذلك حرب عصابات ضد النظام الديمقراطي الذي أقامته أميركا، وقتلوا قضاة ورجال شرطة وكل من اعتبروه متعاونا معه.

حرس خاص شديد الولاء وعقود تعدين مربحة... هكذا أحكم هبة الله أخوند زاده قبضته، بينما العناصر الأكثر اعتدالا أضعف من أن تتحداه، والقليلون الذين حاولوا اضطروا إلى الفرار

وعندما قرر بايدن إنهاء المهمة، انتهى جهد استمر عقدين في بناء الدولة نهاية مهينة، واستخلصت قوى أخرى دروسها بشأن مدى استعداد أميركا للوقوف إلى جانب أصدقائها، وبعد ستة أشهر، غزا فلاديمير بوتين أوكرانيا.

وبعد خمسة أعوام، تكاد أميركا تكون قد نسيت أفغانستان، وهذا خطأ، فتجاهل البلاد يزيد احتمال أن تعود مصدرا للاضطراب الجيوسياسي، ويفاقم معاناة شعبها، ويرفع فرص انجرافها أكثر إلى فلك الصين أو روسيا.

وكما يروي مراسلنا هذا الأسبوع، بعد رحلة برية امتدت ألف كيلومتر داخل البلاد، تمسك "طالبان" بزمام الحكم بإحكام، ويسود الهدوء معظم أنحاء أفغانستان، باستثناء مناوشات متقطعة مع جارتها باكستان، غير أن هذا استقرار قاتم.

الموسيقى محظورة، والمسلحون يسيطرون على الشوارع، وتنهال شرطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضربا على من ترى أنهم مذنبون، ومن بينهم رجال لا تعد لحاهم طويلة بما يكفي.

وتحرم النساء من العمل والدراسة الجامعية والسفر من دون محرم، أما الفتيات فممنوعات من التعليم الثانوي، ومع إباحة زواج القاصرات، دفعت كثيرات مباشرة من مقاعد الدراسة إلى الزواج، ومن الصعب قياس مقدار ما جعلت هذه السياسات الأفغان أفقر وأكثر مرضا وتعاسة، إذ لا يحتل جمع البيانات مكانا متقدما في سلم أولويات "طالبان".

(رويترز)
أحمد مسعود، الزعيم المنفي لـ "جبهة المقاومة الوطنية" في أفغانستان ونجل القائد الراحل أحمد شاه مسعود، خلال مقابلة بمناسبة إطلاق كتابه "حريتنا" في مسجد باريس الكبير بفرنسا، 28 سبتمبر 2023

يتوق معظم الأفغان إلى قدر أكبر من الحرية، وحتى كثير من عناصر "طالبان"، بعد سنوات أمضوها في المنفى، لم يعودوا يرون أن الدنيا ستنقلب رأسا على عقب إذا تعلمت الفتيات القراءة والكتابة، لكن المتشددين شددوا قبضتهم بلا رحمة، فقد أنشأ أمير "طالبان"، هبة الله أخوند زاده، حرسا خاصا شديد الولاء، واستأثر بعقود تعدين مربحة.

أما العناصر الأكثر اعتدالا داخل الحركة، فهي في الغالب أضعف من أن تتحداه أو أشد خوفا من الإقدام على ذلك، واضطر القليلون الذين حاولوا إلى الفرار.

حُرم النساء من العمل والدراسة الجامعية والسفر دون محرم، ومع إباحة زواج القاصرات، دُفعت كثيرات مباشرة من مقاعد الدراسة إلى الزواج... وسياسة العزل الغربي لم تحقق شيئا يذكر، فالمتشددون في "طالبان" لا يبالون بابتعاد الدبلوماسيين والمستثمرين الغربيين، ولن يغيروا عقيدتهم

حاولت أميركا وأوروبا عزل نظام "طالبان"، فرفضتا الاعتراف به، وجمدتا احتياطيات البنك المركزي الأفغاني المودعة في الخارج، وفرضتا عقوبات على مسؤوليه.

غير أن هذه السياسة لم تحقق شيئا يذكر، فالمتشددون في "طالبان" لا يبالون بابتعاد الدبلوماسيين والمستثمرين الغربيين، ولن يغيروا عقيدتهم طمعا في أصول الحكومة السابقة، لذلك يتعين على الدول الغربية أن تجرب نهجا جديدا.

ويقتضي ذلك الإقرار ببعض الحقائق القاسية: أولا، "طالبان" باقية. وثانيا، إذا أحجم الغرب عن التعامل معها، فلن تحجم قوى أخرى، فقد اعترفت بها روسيا رسميا، فيما تتعامل معها الصين والهند وتركيا والإمارات العربية المتحدة في ملفات تشمل التعدين والتجارة.

كما تهدد "طالبان" بزيادة التوتر بين الهند وباكستان، إذ تخشى الأخيرة أن يؤدي توثيق العلاقات بين دلهي وكابل إلى تطويقها بين خصمين.

(أ.ف.ب)
سراج الدين حقاني وزير داخلية "طالبان"، يحضر جنازة جماعية لضحايا غارة باكستانية على مركز لتأهيل المدمنين، في كابل. قالت "طالبان" إن نحو 400 قتيل وأكثر من 200 جريح سقطوا في أعنف هجوم بالتصعيد الأخير بين الجارتين، في 18 مارس 2026

وبدأت تظهر بوادر نهج غربي أكثر واقعية وصلابة، فما زال الأوروبيون يؤكدون أن النظام الأفغاني خارج نطاق المقبول، لكنهم دعوا مسؤولين من "طالبان" إلى بروكسل في يونيو/حزيران لمناقشة تدفقات المهاجرين وإعادة طالبي اللجوء المرفوضة طلباتهم.

أما أميركا فتتبادل معها المعلومات الاستخبارية بهدوء في مواجهة جماعات إسلاموية أشد تطرفا.

وهناك أشكال أخرى من التعامل تستحق النظر أيضا، فما زال الوقت مبكرا لفك تجميد احتياطيات البنك المركزي الأفغاني البالغة 4.2 مليار دولار والمودعة في سويسرا، إذ يكاد يكون مؤكدا أنها ستستخدم في تدعيم حكم الأمير "البغيض"، لكن على الجهات المانحة أن تتوقف عن تقليص المساعدات الإنسانية، التي انخفضت بنحو 70 في المئة منذ عام 2022.

ووفق أحد التقديرات، يحتاج إليها قرابة نصف السكان، ومن المفيد أيضا أن تبقى وكالات الأمم المتحدة على الأرض، بما يوفر عيونا وآذانا ترصد خطر مجاعة وشيكة أو اضطرابات أو نهب المساعدات.

استخلصت قوى أخرى دروسها بشأن مدى استعداد أميركا للوقوف إلى جانب أصدقائها... وبعد خمس سنوات يبدو أن أميركا نسيت أفغانستان، وتجاهلها يزيد احتمال انجرافها إلى فلك الصين أو روسيا

أما الخطوة الثانية، فينبغي أن تكون إصلاح نظام العقوبات، فكثير من كبار مسؤولي "طالبان" الذين فرضت عليهم العقوبات قبل عقود باعتبارهم إرهابيين أصبحوا اليوم وزراء، وقد أدى ذلك، من دون قصد، إلى عزل البلاد عن النظام المالي العالمي وحرمانها من الاستثمارات الخاصة.

وتخشى الشركات الغربية ممارسة أي نشاط تجاري في أفغانستان كي لا تقع تحت طائلة قواعد مكافحة تمويل الإرهاب، وقد يساعد تغيير هذا الوضع على دفع عجلة النمو، بما قد يخفف في نهاية المطاف من البطالة الواسعة التي تهدد استقرار البلاد على المدى الطويل.

برقيات إلى كابل

أما الخطوة الأكثر إثارة للجدل فهي الاعتراف الدبلوماسي، ولا يعني ذلك إقرارا بسياسات النظام، فالحكومات المحترمة تعترف بكثير من الأنظمة التي تمقتها، وإنما يعني قبول حقيقة أن "طالبان" مرشحة لحكم أفغانستان في المستقبل المنظور.

(أ.ب)
رجل يعرض أعلام "طالبان" للبيع قُبيل الاحتفالات بالذكرى الخامسة للانسحاب الأميركي من أفغانستان وبدء حكم "طالبان"، في كابل بأفغانستان، 13 أغسطس 2026

وحجب العلاقات الدبلوماسية لا يشكل ورقة ضغط ذات قيمة كبيرة، فـ"طالبان" لا ترى أن شرعيتها تتوقف على موافقة "الكفار"، لكن وجود سفارات عاملة يمكن أن يساعد في رصد التهديدات الإرهابية، ويفتح قنوات اتصال مفيدة قد تشجع، مع مرور الوقت، العناصر الأكثر اعتدالا داخل النظام.

ولا ينبغي أن يساور أحدا وهم في هذا الشأن، فإصلاح هذه الحكومة "البغيضة" لا بد أن يأتي، إلى حد بعيد، من الداخل، وقد يستغرق عقودا، غير أن الانخراط المحسوب معها يرجح أن يحقق من النفع أكثر مما يسبب من الضرر، وقد حان الوقت لأن تتغلب أميركا والديمقراطيات الأخرى على نفورها، وتبدأ الحديث مع "طالبان".

font change

مقالات ذات صلة