أوكرانيا… الانتخابات كفرصة روسية

أوكرانيا… الانتخابات كفرصة روسية

استمع إلى المقال دقيقة

في الوقت الذي تحقق فيه أوكرانيا تقدما ملحوظا في ساحة المعركة ضمن حربها الطويلة مع روسيا، تتزايد المخاوف من أن يؤدي الانقسام السياسي المتفاقم في أعلى مستويات السلطة إلى تقويض المكاسب العسكرية التي حققتها البلاد أخيرا.

وخلال الأشهر القليلة الماضية، أظهر الجيش الأوكراني قدرة متزايدة على ضرب أهداف في عمق الأراضي الروسية، ضمن استراتيجية جعلت تداعيات ما يسميه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "العملية العسكرية الخاصة"، في إشارة إلى الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، تطال حياة المواطنين الروس بصورة مباشرة.

وألقت الضربات الأوكرانية بالطائرات المسيرة والصواريخ على منشآت حيوية في البنية التحتية الروسية، وخصوصا مرافق إنتاج النفط وتكريره، بظلالها مباشرة على حياة المواطنين الروس. فقد اضطر كثيرون منهم إلى الانتظار لساعات في طوابير للحصول على البنزين، رغم أن بلادهم تمتلك بعض أكبر احتياطيات النفط في العالم. كما أدت الضربات التي استهدفت شبكة التوزيع التابعة لشركة "وايلدبيريز" الروسية للبيع بالتجزئة عبر الإنترنت، والتي تعد النظير الروسي لشركة "أمازون"، إلى تعذر حصول كثير من الروس على إمدادات أساسية.

وجاءت قدرة أوكرانيا المتزايدة على ضرب أهداف في عمق الأراضي الروسية ثمرة للتقدم الذي أحرزه جيشها أخيرا في تطوير وتصنيع الطائرات المسيرة والصواريخ محليا. وكان لميخايلو فيدوروف، وزير الدفاع السابق، دور بارز في تحقيق هذا التحول الذي أحدث نقلة نوعية في القدرات القتالية الأوكرانية.

وفي يناير/كانون الثاني، أصبح فيدوروف، البالغ من العمر 35 عاما والذي سبق أن شغل منصب وزير التحول الرقمي، أصغر من يتولى حقيبة الدفاع في تاريخ أوكرانيا، في إطار مسعى من الرئيس فولوديمير زيلينسكي لتجديد إدارته بعد فضيحة فساد ألحقت بها أضرارا كبيرة. وجاء تعيينه عقب مداهمة نفذها عناصر المكتب الوطني لمكافحة الفساد لمبنى البرلمان في كييف خلال ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، ضمن تحقيق شمل نوابا أوكرانيين اتهموا بتلقي رشاوى مقابل التصويت لمصلحة جهات معينة.

وجاء اختيار زيلينسكي لفيدوروف، أحد أبرز حلفائه السياسيين المقربين، لتولي واحدة من أهم الحقائب الوزارية، في محاولة لإظهار عزمه على منح الحملة العسكرية الأوكرانية ضد روسيا دفعة جديدة ومزيدا من الزخم.

لكن تعيين فيدوروف، رغم تزامنه مع تحسن واضح في أداء أوكرانيا على جبهة القتال، سرعان ما أثار خلافات مع ألكسندر سيرسكي، قائد الجيش الأوكراني آنذاك، بسبب توجهه إلى توسيع استخدام التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الطائرات المسيرة والروبوتات، بهدف منح القوات الأوكرانية أفضلية على القوات الروسية.

واشتد الخلاف بين الرجلين إلى أن انتهى بإقالة زيلينسكي لفيدوروف الشهر الماضي، بعدما عارض سيرسكي، الذي ينتمي إلى المدرسة العسكرية السوفياتية، مساعي فيدوروف لتحديث القوات المسلحة الأوكرانية وإصلاح منظومة المشتريات العسكرية لمكافحة الفساد. وأثار القرار موجة غضب واسعة في أنحاء البلاد.

ولم تقتصر تداعيات الأزمة على فيدوروف، إذ خسر سيرسكي منصبه هو الآخر. ومع ذلك، لم تنجح محاولات زيلينسكي في طي صفحة الخلاف، رغم تقارير أفادت بأنه كان يدرس بجدية إعادة فيدوروف إلى منصبه السابق. وفي خضم ذلك، برز وزير الدفاع السابق بوصفه منافسا محتملا لخلافة زيلينسكي في الرئاسة.

ويبدو أن فيدوروف قرر هذا الأسبوع الإفصاح علنا عن مخاوفه حيال إدارة زيلينسكي، عقب إعلان الرئيس الأوكراني تعيين يفهيني خمارا وزيرا جديدا للدفاع. ووفقا لمصادر حكومية، حاول زيلينسكي استرضاءه بعرض عدة مناصب حكومية بديلة تتيح له مواصلة الإسهام في تطوير قطاع التكنولوجيا في أوكرانيا، إلا أن فيدوروف رفضها.

وفي خطاب مصور لافت نشره على "يوتيوب" هذا الأسبوع، دعا فيدوروف إلى إجراء انتخابات عامة في أوكرانيا، في خطوة من شأنها أن تعزز موقعه كأحد أبرز المرشحين المحتملين لخلافة زيلينسكي، الذي أصبح أبرز رموز القيادة الأوكرانية في زمن الحرب.

تتنامى المخاوف، سواء داخل أوكرانيا أو في الغرب، من أن يؤدي الانشغال بإجراء انتخابات عامة إلى منح بوتين فرصة ثمينة لاستغلال أي بوادر ضعف أو انقسام في كييف

ولم تجر أوكرانيا أي انتخابات منذ عام 2019، إذ أرجئت الانتخابات التي كان مقررا تنظيمها في مايو/أيار 2024 بسبب الحرب مع روسيا، فيما يحظر الدستور الأوكراني إجراء الانتخابات في ظل الحرب.

لكن فيدوروف شدد في خطابه المصور على ضرورة إيجاد مخرج يعيد الحياة السياسية إلى مسارها الطبيعي، قائلا إنه "يجب علينا إيجاد آلية قانونية وآمنة وواقعية تتيح لأوكرانيا استعادة العملية الديمقراطية الكاملة، حتى في ظل حرب طويلة الأمد... لا يمكن أن تبقى الديمقراطية رهينة لروسيا".

كما حمّل الوزير السابق الفساد في كييف جانبا من مسؤولية الإضرار بالمجهود الحربي، معتبرا أن البلاد تواجه "أزمة منهجية في الحكم".

وقال: "يعيش النظام القديم في كثير من الأحيان وفق قواعده الخاصة. ويحمي نفسه. ويخشى التغيير".

وفي حال اتجهت أوكرانيا إلى إجراء انتخابات عامة، فمن المرجح أن يبرز فيدوروف كأحد أقوى المرشحين لخلافة زيلينسكي.

وتدعم استطلاعات الرأي الأخيرة هذا الاحتمال، إذ ارتفعت نسبة الثقة بوزير الدفاع السابق من 35 في المئة إلى 65 في المئة بعد إقالته في يوليو/تموز، في حين عبّر 72 في المئة من الأوكرانيين عن رفضهم قرار إبعاده.

ورغم مضي أكثر من شهر على إقالة فيدوروف، لا تزال الاحتجاجات المؤيدة له تحافظ على زخمها، إذ خرج آلاف من أنصاره في مظاهرة نظمت وسط كييف يوم الأحد.

وفي المقابل، رفض زيلينسكي مرارا الدعوات إلى إجراء انتخابات في ظل الحرب، رغم مطالبة كل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب وبوتين باستئناف المسار الديمقراطي.

وقال متحدث باسم المكتب الرئاسي إن التخطيط لإجراء انتخابات في الظروف الراهنة غير واقعي، في ظل الهجمات شبه اليومية التي تتعرض لها البلاد بالطائرات المسيرة والصواريخ الروسية. كما تحيط شكوك واسعة بإمكان تنظيم انتخابات فعلية في وقت أجبرت فيه الحرب، التي دخلت عامها الخامس، أعدادا كبيرة من الأوكرانيين على النزوح من منازلهم.

وتتنامى المخاوف، سواء داخل أوكرانيا أو في الغرب، من أن يؤدي الانشغال بإجراء انتخابات عامة إلى منح بوتين فرصة ثمينة لاستغلال أي بوادر ضعف أو انقسام في كييف.

وبينما تجد روسيا نفسها في موقف أضعف في حربها الطويلة مع أوكرانيا، فإن إجراء انتخابات عامة مثيرة للانقسام قد يكون كفيلا بتبديد الأفضلية الميدانية التي تتمتع بها كييف حاليا وإعادتها إلى الروس.

font change