حملت الصورة الفوتوغرافية في جوهرها، منذ نشأتها في منتصف القرن التاسع عشر، علاقة خاصة بالضوء، تلك التي وصفها رولان بارت في كتابه "الغرفة المضيئة" بأنها علاقة سحرية تربط الشيء المصوَر بأثره الباقي على حبيبات الفضة. تنقل الصورة الورقية، عبر السلبي، آثار الضوء المنبعثة من الموضوع، فتغدو شهادة على وقوع الحدث، أو كما عبر بصيغته المكثفة: "هذا -قد- كان".
يستمد هذا النوع من الصور مشروعيته من كونه أثرا فيزيائيا، أشبه بالبصمة أو الظل، تمر عبره طاقة ضوئية حقيقية صادرة عن جسم قائم في الواقع، وتحفر فيه حضورها، فتصير الصورة بذلك امتدادا ماديا للموضوع المصوَر، لا مجرد تمثيل بصري له فحسب. من هنا تكتسب الصورة التناظرية طابعها القدسي شبه الطقوسي، إذ تحفظ للراحلين طيفهم، وتمنح الغائب هيئة من الحضور، وتصبح، حسب تعبير بارت نفسه، ذات علاقة ما بفكرة البعث والقيامة. وقد استمتعت رغم ما طالها من رفض في البدء، بطابع قدسي استمدته من التاريخ الطويل لفن التصوير، دون أن تتخلى نهائيا عن يد الإنسان في الوساطة بينها وبينها ما تمثله: من يد ترسم إلى يد تضغط، وعين تنقل ما تراه.
من الأثر الضوئي إلى الشفرة الرقمية
يقلب الوسيط الاصطناعي هذه المعادلة انقلابا جذريا، فتحل الحسابات الرياضية والخوارزميات محل الكيمياء والنور والعين واليد، وتترجم الأشعة الضوئية إلى سلسلة من البيانات والنسب العددية، وتحتل الخوارزميات محل اللمس والرؤية. وفي هذه الترجمة وهذا الإحلال يضيع الضوء بوصفه أثرا ماديا محسوسا. لا وجود لأي تشابه أو تناظر بين الضوء والأرقام، فالوسيط الاصطناعي -الرقمي- يقطع تلك الاستمرارية العضوية التي كانت تربط الصورة بمصدرها الضوئي، ويحول العلاقة الحميمة بين الشيء وصورته إلى معادلة معلوماتية باردة.





