في 29 يوليو/تموز 2026، عاد أنتوني فاوتشي إلى مبنى الكابيتول في ظروف مختلفة إلى حد بعيد عن تلك التي جعلته واحدا من أشهر وجوه جائحة "كوفيد-19". فقد مثل المدير السابق للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية أمام لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ الأميركي، وتمسك مرارا بحقه، بموجب التعديل الخامس، في الامتناع عن الإجابة عن أسئلة قد تدينه، ورفض الرد على أسئلة تتعلق باستجابة الحكومة الفيدرالية للجائحة.
ترأس الجلسة السيناتور الجمهوري راند بول، عن ولاية كنتاكي، وهو طبيب ومن أبرز منتقدي فاوتشي منذ سنوات. واتهمه بتضليل الكونغرس بشأن أبحاث مولتها الحكومة الفيدرالية وترتبط بمعهد ووهان لعلم الفيروسات في الصين، إضافة إلى الإخفاق في الحفاظ على السجلات الحكومية. وبعد أيام، صوتت اللجنة، على أسس حزبية، لصالح المضي بقرار ازدراء الكونغرس. وأظهرت المواجهة مدى التحول الذي طرأ على موقع فاوتشي السياسي. فالعالم الذي أمضى عقودا يقدم المشورة لرؤساء من الحزبين وجد نفسه هذه المرة أمام الكونغرس، فيما أصبحت المكانة التي كان يتمتع بها ذات يوم موضع جدل في حد ذاتها.
سبقت صلة فاوتشي الوثيقة بالسلطة الحكومية جائحة "كوفيد-19" بعقود. فقد انضم إلى المعاهد الوطنية للصحة عام 1968، وتولى إدارة المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية عام 1984، وظل في منصبه 38 عاما. ودفعته أزمة الإيدز إلى ما وراء حدود البحث المخبري، نحو جلسات الاستماع في الكونغرس، والميزانيات الفيدرالية، والمفاوضات مع ناشطين اتهموا الحكومة بالتباطؤ في مواجهة الوباء. وفي مواجهة تلك الانتقادات، أقام فاوتشي علاقات مع الناشطين وأيد توسيع مشاركتهم في تطوير العلاجات واختبارها.
وامتد نفوذه عبر الخطوط الحزبية. فقد عرض عليه الرئيس جورج بوش الأب مرتين تولي إدارة المعاهد الوطنية للصحة، وظل يطلب مشورته بعد أن رفض المنصب. وفي عهد جورج بوش الابن، أسند إليه دور في وضع "خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز" (PEPFAR)، التي أطلقت عام 2003 بهدف توسيع العلاج والوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية في البلدان الأشد تضررا. لم يكن الخلاف السياسي غريبا عن فاوتشي، إلا أنه نجح طوال سنوات طويلة في خوض غماره من دون أن يتحول إلى شخصية حزبية باستمرار.
استندت هذه القدرة على التكيف إلى تصور راسخ لدى فاوتشي بشأن الحدود الفاصلة بين السلطة العلمية والتدخل السياسي. ففي مقابلة للتاريخ الشفاهي أجرتها معه المعاهد الوطنية للصحة عام 1998، ميز بين التفاوض الاعتيادي بشأن أولويات البحث والتمويل وبين تسييس يتدخل في التقدير العلمي. وقال إنه، بعد ثلاثة عقود في المؤسسة، لم يتعرض لضغوط لحمله على تأييد موقف يراه غير سليم علميا.
وكانت تجربته تعكس توترا أقدم في تاريخ الحكومة الأميركية، رصده المؤرخ ريتشارد هوفستاتر مع صعود الخبير المهني؛ فالمعرفة المتخصصة منحت أصحابها نفوذا متزايدا، فيما ظلت الديمقراطية تحمل قدرا من الريبة تجاه تركز السلطة في يد نخبة متعلمة. أمضى فاوتشي قسطا كبيرا من حياته المهنية يتعامل مع هذه العلاقة الدقيقة، شاغلا موقعا نافذا داخل الحكومة، بينما يستمد مصداقيته من استقلال المشورة العلمية عن المطالب الحزبية.


