تحولت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا إلى حلبة صراع فكري محتدم، أعادت إلى الواجهة السجال المتكرر بين التيارين المتدين والعلماني حول مسألة الاحتشام واللباس العام. ولم يعد هذا النقاش الرقمي مجرد اختلاف بسيط في وجهات النظر، بل اتخذ أبعادا تصادمية حادة، وهي ذات النبرة المشحونة التي شكلت في الماضي نقطة الانطلاق والشرارة الأولى التي دخلت من خلالها البلاد في متاهات العُشرية السوداء (فترة صراع مسلح دامٍ وعنيف شهدته البلاد استمر طيلة عقد كامل من الزمن، تقريبا بين عامي 1992 و2002).
وتتجسد معالم هذا الاستقطاب الحاد اليوم في مواجهة افتراضية حادة تقسم الفضاء الرقمي. إذ يقود تيار محافظ حملات رقمية واسعة تطالب بفرض معايير الاحتشام وتشديد الرقابة على المظهر العام، بمبرر حماية الآداب العامة والمنظومة القيمية للمجتمع. وعلى الصعيد الآخر، تتشكل جبهة تضم نساء وناشطات يرفضن رفضا قاطعا ما يصفنه بـ"الوصاية الأخلاقية" ومساعي تضييق الخناق على الحريات الفردية. وبين هذين التيارين ثمة من يستحضر سنوات "الدم والدموع" من خلال عرض تسجيلات مرئية وذكر أسماء من طالتهم يد الغدر في تلك الحقبة السوداء.
ويضعنا هذا الخطاب المتشدد أمام تساؤلات جوهرية: هل نحن أمام مجرد نقاش عابر حول المظهر العام، أم إن المجتمع يواجه من جديد أسئلة الهوية والتعايش المؤجلة منذ عقود؟ وكيف يمكن اليوم كسر هذه الحلقة المفزعة من الاستقطاب قبل أن تتحول النقاشات الافتراضية إلى انقسامات تهدد الاستقرار الجماعي؟
من الجبال إلى شاشات الاستقطاب
وفي قراءة سياسية لافتة تعكس بواعث القلق من تنامي الاستقطاب الرقمي، استهل الدكتور لخضر أمقران، رئيس "حزب جيل جديد" حديثه إلى "المجلة" بالتأكيد الجازم على مناعة الدولة والوعي الجماعي للبلاد، معتبرا أن "جزائر 2026 ليست بأي حال من الأحوال جزائر سنوات التسعينات، فدولتنا اليوم أصبحت أقوى، ومجتمعنا تغير بشكل عميق، كما أن شعبنا دفع ثمنا باهظا جدا خلال تلك الحقبة"، غير أن المتحدث استطرد ليبدي مخاوف وتوجسا قلقا من بعض المؤشرات الراهنة.

محذرا من أنه "إذا كانت البلاد قد تجاوزت خطر السقوط في مستنقع التسعينات، فإن الآليات المؤدية للانقسام بدأت تطل برأسها من جديد بأشكال مستحدثة تتغذى على التطرف في الخطاب، ومساعي تحويل الآخر إلى عدو، ورفض حق الاختلاف، وصولا إلى تقاذف اتهامات الخيانة والصدامات الهوياتية غير المؤسسة".
ونبه رئيس الحزب إلى "خطورة انتقال هذه المواجهة من الجبال إلى شاشات الهواتف والمنصات الافتراضية، حيث باتت تدور فلك التعليقات، والمنشورات والحملات الرقمية الممنهجة والتي أصبحت تضع جزائريين في مواجهة جزائريين آخرين بعنف لفظي غير مسبوق يستدعي وقفة تأمل جماعية للحد من تداعيات ما وصفها بـ"الحرب التي بلا أسلحة، ولكنها ليست أبدا بلا عواقب على تماسك النسيج المجتمعي".


